لا توجدُ عبارةُ تكون جديرة بتوصيف الرئيس الأمريكي المُنتخبْ دونالد ترامب مثل عنوان رواية الكاتب الروسي ميخائيل ليرمنتوف «بطل من هذا الزمان»، كون المياردير متحدياً للأعراف والتقاليد الأمريكية وأتى من خارج المؤسسة النخبوية.
وكان فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري وتسميته رسميا مرشحاً للانتخابات الرئاسية من بين ستة عشر مُنافساً، مُفاجأة للجميع، إذ أثار بتصريحاته الحادة لغطا وجلبةً على المستوى العالمي فوصفه معظم المُحللين بالمُهرج الذي تعوزه الخبرة والدراية في الشؤون السياسية، واستبعدوا أن تصلَ به أصوات الناخبين إلى سدة الرئاسة.
ولم تقف حالة العداء لترامب عند شريحة سياسية أو ثقافية معينةً، بل صار العالمُ متوجساً وقلقاً من خطاباته التي تنم عن الشعور بالاستعلاء والعنصرية، وصرح رؤساء بعض الدول بأنَّ ترامب لا يروق لهم ولا يتمنون التعامل معه كرئيس أقوى دولة في العالم. المثير في الأمر أنَّ وسائط الإعلام العالمية والمراقبين السياسيين اعتمدوا في قراءاتهم لنتيجة الانتخابات الأمريكية على ما ترشح من استطلاعات للرأي، خصوصا بعد المناظرات الثلاث بين المرشحين، إذ تنبأت كل المؤشرات بأن الانتخابات محسومة لصالح المرشحة الديمقراطية وتوالت التحليلات التي تعزز التوقعات بفوز هيلاري كلينتون يوم 8 نوفمبر كونها صاحبة خبرة في المُعترك السياسي، إذ تعاملت مع معظم قادة الدول بدراية وتمتلك خلفية سياسية حول الأزمات المعقدة، على رأسها أزمة سوريا والعراق. لذلك تطلع أصحاب القرار في منطقة الشرق الأوسط لعودتها حتى ولو كانت ولا تمتلك حلولاً للملفات العالقة، بوصفها أهون الشرين مقارنة مع منافسها ترامب. فالأخيرُ وفقاً لتصريحاته التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية ينتهجُ سياسة مغايرة لما سلكه سابقوه، فكانت رؤية الحزبين الرئيسين وسياستهما على المستوى الدولي واضحةً المعالم قبل زمن ترامب ولكن قد تفتحُ صفحة جديدة مع الملياردير الذي تحدى أقطاب حزبه وتجاهل دعواتهم بالانسحاب من الانتخابات. من المبكر الحديث عن ملامح سياسته في الوقت الراهن، غير أنَّ ما هو مؤكد اتكاؤه على سياسية تهدف إلى إرضاء الفئات التي صوتت له. وقد يكون ترامب انتقائياً في تعامله مع حلفاء أمريكا التقليديين، وذلك ما يفهم من تصريحه حول علاقته مع المملكة المُتحدة. كما أن ما يميزُ شخصيته عن أسلافه هو عدم إطلاق العنان للوعود الكبيرة، إذ أقر بخطأ تدخل الولايات المتحدة في العراق بحجة نشر الديمقراطية، كما لم يُسمعْ عنه حيازته حلولا جاهزة لمشكلات الشرق الأوسط، ماعدا وعده بأنَّه سيقضي على تنظيم «داعش» حال فوزه في غضون مدة زمنية لا تتجاوز أشهرا.
من المتوقع أن يُشكل وجود ترامب في منصب الرئاسة الأمريكية تحدياً كبيراً للدول التي تُحمِل أمريكا أكثر مما ترغب أن تقوم به واشنطن من المسؤولية في إدارة الشؤون الدولية، هنا يفرضُ وجود ترامب إعادة ترتيب الحسابات لدى صناع القرار في الشرق الأوسط، لأنَّ الولايات المُتحدة لا تُقوم بترسيم تحالفاتها وفقاً لرغبة ومطالبة بعض الدول. تجارب السياسيين ومراكز صنع القرار السياسي في المنطقة تكشف وقوعهم في الخطأ عند تعاملهم ومُخاطبتهم للعقل السياسي الأمريكي، إذ توهموا أن الأمريكيين سوف يقتنعون بما يتلقون منهم من الدلائل حول تقاطع أجنداتهم والمخاطر التي تهددُ مصالحهم المشتركة. هذه الأوهام لابُدَّ أن تتبددَ لكي تخرج العملية السياسية من حالتها المتخبطة، والأنكى في الأمر أنَّ بعض المُحللين والسياسيين لا يكفون عن تقديم تفسيراتهم ورؤاهم الموغلة في السطحية حول المعطيات والمُستجدات، آخرها فوز ترامب، حيثُ لا يدركون أنَّ عدتهم وأدواتهم لم تَعدْ مجدية في قراءة التطورات المُتلاحقة كما يقفزون على عنصر مهم هو خطأ كل التوقعات التي تذهب بأن النتيجة أصبحت محسومة لصالح المرشحة الديمقراطية.
هنا يجبُ البحث عن العوامل التي قلبت المُعادلة رأسا على عقب. أولاً: خاطب ترامب بلغة بسيطة الشارع الأمريكي واتخذ مسافة من النخبة التي ملَّ منها عامة الشعب. كما استفاد من حالة الاحباط لدى الفرد الأمريكي من سلوك السياسيين الذين سرعان ما ينكثون عهودهم عقب الوصول إلى مرامهم، إضافة إلى ذلك فقد استدرج منافسته إلى لعبته بحيثُ تحولَّتِ الحملة الانتخابية إلى مُسابقة لكشف الملفات الفضائحية، وذلك لم يكنْ في صالح هيلاري كلينتون، كما غابت هويتها الشخصية والسياسية واتضح أن برنامجها امتداد لسياسة أوباما، بالاضافة إلى أن تكرار ظهورها في التجمعات الانتخابية بجانب زوجها وحضور الرئيس أوباما على المسرح حجب عنها الأضواء، إضافة لتفاقم مخاوف الأمريكيين من ازدياد عدد المهاجرين، إذ غذت تصريحات ترامب المخاوف تلك. بالمقابل دخل ترامب حلبة المنافسة دون أن يعولَّ على إرث غيره من الشخصيات العامة بل وقف معظم المفكرين والمؤسسات الإعلامية والنجوم مع غريمته وأعلنوا ضده حرباً كلامية شرسة، وتم تصويره كخطر يداهمُ أمريكا والعالمَ في آن. لكن فضلت الأغلبية الساحقة التصويت لمن يُعدُ نموذجاً جديداً في نهاية المطاف، ولم تتوافق هذه المرة رغبة العالم مع قرار الشعب الأمريكي كما حصل في 2008 عندما رحبت أغلبية دول العالم بفوز باراك أوباما، لكن يبدو أنّه من الصعب على بعض الجهات والدول التأقلم مع زمن دونالد ترامب الذي قد خالف بقراره الغوص في المُسابقة الانتخابية كل التوقعات بل حمل رفقاؤه في الحزب القرار مَحمَل المزاح.
يأتي تتويجُ ترامب في ظل تواتر التوقعات عن تقلص دور واشنطن واختيار الجانب الأمريكي لسياسة الانكفاء وتوزيع المسؤوليات في مهمة حل الأزمات، كل ذلك يستدعي آلية جديدة لقراءة التحولات على الصعيدين الدولي والإقليمي.
كاتب عراقي
كه يلان محمد