ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية وظفت المسرح لبلورة ايديولوجياتها: مسرح موليير تجاوز القيم المهيمنة واخترق الرقابة وتحدى سلطة الكنيسة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في الأطروحة التي قدمها الأسعد الجموسي استاذ علوم المسرح في جامعة صفاقس في تونس ضمن الندوة التي أقيمت علي هامش فعاليات مؤتمر القاهرة الثقافي الفني عن المسرح والرقابة، تناول الأسعد الإبداع كشكل من أشكال تجاوز الرقابة، متخذاً من أعمال الكاتب الفرنسي موليير نموذجاً، حَيْث أوضح أن فرنسا احتلت في التاريخ الأوروبي مكانة خاصة من حيث بناء الدولة الأمة منذ توحيد الأراضي الفرنسية في عهد الملك شرلوماني، بين القرن الثامن والقرن التاسع للميلاد، وقد تميز عهد لويس الرابع عشر الذي دام اثنين وسبعين سنة بالحكم المطلق الذي يستقي ذاته من الحق الإلهي، وبعد أن قضى حكمه في سحق تمرد النبلاء من (1648 إلى 1653) والإجهاز على حركة البروتستطية والمذهب اليوحنوي، استطاع ان يفرض الولاء والطاعة على جميع الأطراف، كما تمكن من مراقبة الرأي، سواء في المجال الديني أو الأدبي أو الفني عموما.
أما مجال الآداب والفنون خاصة فقد عملت مؤسسة الأكاديمية التي تكونت سنة 1635 على توحيد الذوق وقواعد الكتابة الأدبية والشعرية والمسرحية، وتعتبر الأكاديمية التي تسيطر عليها الدولة وسيلة من وسائل الهيمنة على مجال الإبداع الفني، وعلى أنماط التفكير، بحيث يصبح النتاج الأدبي والثقافي عموما عاملا من عوامل الإشادة بالملكية المطلقة، وبوقاً لإذاعة القيم المسيطرة في تلك الفترة التاريخية، ويشير إلى أن هذه القيم المهيمنة تشكل تكوينا ثلاثي الصور، تتصدره صورة الإله الذي يمثله البابا في روما، والذي يمثله الملك في باريس، حيث شهد القرن السابع عشر تقابلا شديدا بين القيم السلطانية الأبوية القديمة التي تدافع عنها الدولة وتحرسها بدعم من الكنيسة.
يضيف الأسعد الجموسي، أنه إلى جانب الاكاديمية الفرنسية التي أسستها الدولة للدفاع عن منظومة التقليد، كانت الكنيسة مجندة للغرض نفسه، وتأسست جماعة دينية شبه سرية، أطلقت على نفسها اسم «صحابة التقديس الصالح»، التي عملت مع الأكاديمية الفرنسية في الضغط على الدولة لمقاومة كافة أشكال التحرر أو الإقبال على الاحتفال والزهو والسعادة، كما أنها جعلت من تحرر الفكر والإبداع الفني مرادفا للشر المطلق.
ويشير إلى أن أول صدمة لمسرح موليير مع حماية السلطة وانقلابها عليه عبر الأمير أرمان دي بوربون، الذي منح اسمه ورعايته لفرقة موليير عام 1654 وحتي عام 1656 في قصر بيزيناس، حيث استقرت الفرقة والتقطت أنفاسها، بعد أن كانت تجوب المدن والقرى لتقديم أعمالها الهزلية الكوميدية. ولكن الانقلاب على موليير تم بانخراط الأمير في «جماعة صحابة التقديس الصالح» بعد أن أعلن التوبة عن حياة اللهو والمجون والفسق، وقام بطرد موليير من قصره وكفر عن رعايته له بكتابة مؤلف بعنوان «كتاب الكوميديا والفرجة» الذي يحرم فيه المسرح عموما ومسرح كورناي التراجيدي ومسرح موليير الكوميدي على وجه الخصوص.
يوضح أن أهم عملين مسرحيين قدمهما موليير، تجاوزا للقيم المهيمنة واختراقا لقوانين الرقابة وقواعد الإبداع، هما العرض المسرحي «تارتوف» حيث قام فيه موليير بسلخ المنافقين من رجال الدين، ويشير إلى أن موليير كان من قلائل المبدعين المسرحيين الذين تجرأوا على مؤسسة الدين وعلى الكنيسة وفرقة المنافقين المتشددين، وهاجم أيضاً المنظومة السلطانية وقيمها عبر الحفر في بناها الفكرية والفلسفية العميقة، من خلال مسرحية «دون جوان»، فموليير تجاوز قوانين المنع والتحريم والرقابة من خلال الإبداع بعينه، ويوضح أن موليير اختفى وراء موقف دون جوان الفلسفي، الذي يدعو إلى الاحتفال بالحياة وإثبات الذات المتحدية لكافة المنظومات الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية. ويضيف الأسعد الجموسي، أن مسرحية «دون جوان» فتحت الأبواب على مصراعيها للتفكير في هذه القضايا التي لم يجرؤ المفكرون والأدباء والفلاسفة الأوروبيون على طرحها، إلا بعد عقود طويلة عبر فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر، وفي القرن الموالي، وعبر الفكر النيتشوي، وبالمقارنة مع ما نحن عليه اليوم من تكميم للأفواه وتكفير للاجتهاد فإن الحاجة لمثل هذه التجاوزات الجريئة أصبحت أكثر إلحاحا وأشد ضرورة.
جلنار واكيم باحثة لبنانية في علوم المسرح ومستشارة في هيئة كاريتاس لشؤون النوع قالت، إن النظم الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية انعكس تأثيرها على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، حيث اعتبرت الأنظمة الجديدة كلا من الأدب والفن والسينما والمسرح الأعداء الأول للايديولوجيات الجديدة، فاستعملوا ضدها شتى وسائل المراقبة والقمع، خاصة المسرح الذي اعتبر الخطر الأول الذي يهدد هذه الأنظمة، وكانت حصته في الرقابة والمحاسبة أكبر. تعرضت جلنار إلى نموذجين من دول أمريكا اللاتينية هما، الأرجنتين وتشيلي، وأكدت أن التغييرات السياسية التي اعقبت انقلاب الجنرال بينوشيه على حكم الليندي في تشيلي، والانقلاب العسكري المشابه في الأرجنتين بقيادة خورخي فيديلا على الرئيسة ايزابيل بيرون، أتت هذه التغيرات السياسية من قبل متشددين كانوا يخشون في تلك الفترة التمدد الاشتراكي في أمريكا اللاتينية، بعد نجاح الثورة في كوبا ووصول العديد من الرؤساء اليساريين إلى سدة الحكم ، وتضيف أن ديكتاتورية الجنرال فرانكو في إسبانيا بدعم من الكنيسة الكاثوليكية شكلت نموذجا يحتذيه هؤلاء الحكام، خاصة في ما يختص بتنظيم الرقابة على الفنون، التي مرت بعدة مراحل في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى تأثر حكام تلك الدُّول بما تمارسه الولايات المتحدة وألمانيا النازية من أساليب مختلفة في القمع. واوضحت أن المسرح كانت له مكانة خاصة، فالفنانون تأثروا بالحركة المسرحية الأوروبية التي نشأت خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، خصوصا ما كان يدعى بالمسرح الفقير للمسرحي غروتوفسكي، لكن التأثير لم يكن عبارة عن نقل حرفي لهذا المسرح، إنما ضبط هذه الحالة المسرحية إلى حاجة المجتمع، وأضافت أن الأرجنتين منعت أي ممارسات تشكل خطراً على هويتها المسيحية، كَمَا وضعت سياسة ثقافية قائمة على الأولوية لثلاثة أمور لا غير، الله، الوطن والعائلة. المرحلة الأولى التي مر بها المسرح كانت المنع والحظر وسجن أو قتل كل من يخالف هذه القوانين. المرحلة الثانية كانت محاولات لبناء ايديولوجية من خلال المسرح يفرض على الشباب خاصة، من أجل غسل أدمغتهم وبلورتها نسبة إلى الايديولوجية السائدة لتلك الديكتاتوريات.
في تشيلي ظهر ما سمي بمسرح المجموعة، وهو عبارة عن مجموعة تناولت مواضيع مرتبطة بتلك الحقبة السياسية القاتمة، قدموا مسرحيات تناولت مواضيع عن الفقر واستغلال السلطة والتعذيب في السجون، كما تناولوا الإمبريالية الأمريكية، وتوضح أن في تشيلي والأرجنتين والبرازيل قام المسرحيون بسياسة تدريب هواة في كافة أنحاء البلاد على المسرح، وسموه «مسرح المظلومين»، كما تأثروا في تلك الفترة بالمسرح العبثي.
وتختم أن الرقابة خلفت آثارا مدمرة في نفوس المواطنين في أمريكا اللاتينية من خلال إيصالهم إلى الرقابة الذاتية، وهي حالة من الخوف تجرد الإنسان من الجرأة على التفكير والنقد. أما المسرحيون فحاولوا كسر حواجز الخوف وتحرير المواطنين من هذه الرقابة الذاتية.
المخرجة المسرحية التونسية مريام بوسالمي أكدت أن الرقابة على الفكر والإبداع تقترن بالأنظمة الديكتاتورية، فعندما نتأمل جيدا الشأن المسرحي العربي والأوروبي على حد السواء، نجد أن القاسم المشترك هو تحول الرقابة المسرحية من «رقابة مؤسساتية « إلى رقابة «مجموعات ولوبيات فكرية» تستعمل إرهابا أخلاقيا مقّنعا لتفرض شكلا حديثا من أشكال الرقابة الديمقراطية مقابل صمت ولامبالاة الأغلبية، وتشير مريام إلى المسرحي الفرنسي الساخر ديودونيه مبالا مبالا، العدو الأول والشخصي لرئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس الذي لجأ إلى مجلس الدولة لمنع عرض»الجدار» ؟ والمخرج المسرحي الإسباني من أصل ارجنتيني رودريغو غارسيا الذي مثل أمام القضاء بتهم من بينها ازدراء الأديان وخدش الكرامة الإنسانية وإساءة معاملة الحيوانات، ومسرحية «حول مفهوم وجه المسيح» للمخرج الإيطالي روميو كاستلوشي التي قدّمها في مهرجان افينيون عام 2011 عرفت معارضة شديدة من قبل الناشطين الأصوليين في منظمة سيفيتاس الذين قاموا بمقاضاة مسرح مدينة باريس لمنع العرض، كل هذه النماذج تقودنا إلى سؤال مهم ،هل يشكل المسرح فعلا خطرا على النظام العام؟

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية