ديكتاتورية التلفاز والبحث خارج الصندوق

سأله بيلاطس من قبل ولم يتلق إجابةً شافية أو حاسمة تشفي غليلاً فانصرف..»ما هي الحقيقة؟»، ويبدو أنه ربما طرح سؤاله بشيءٍ من الاستخفاف أو القناعة بأنه ليست ثمة إجابة مقنعة. كتبت ذلك من قبل وأكرره الآن لأنني حين لا أسمع هذا السؤال أراه في عيون الناس، فهم يسمعون الكثير من هذا ومن ذاك، من كل الأطراف المتنازعة، ربما من حيث الكيف والمضمون لم يختلف شيء عما كان يحدث من قبل، فقد حكمنا العديد من الحمقى والمخبولين، بل والأميين وكانوا يفتون في كل شيء، في حين أنهم لا يفهمون سوى في أساليب البطش البدائي والخداع والتآمر والبقاء في السلطة؛ ما اختلف هو الكم والظرف، فقد كثرت الأصوات بصورة محيرة إن لم تكن مزعجة، وكثيرٌ منها ينطق بدون سابق دراسة أو اقتراب من المواضيع التي يفتي فيها، ويؤكد على كونها مصيرية. من ناحيةٍ أخرى، فإن ذلك يحدث في خضم مخاضٍ عنيف غير مسبوقٍ تزلزلت فيه وما تزال البنية التي كانت سائدة في هذه المجتمعات والدول وأنظمتها تحديداً، نتيجة للأزمة السياسية والاقتصادية التي تسبب فيها القمع والتسلط والإقصاء، وما ترتب على ذلك من تناقضاتٍ عنيفة تفجرت في نهاية المطاف، وفي غياب أي تحسنٍ حقيقي ملموس يشعر به الناس في حياتهم اليومية، واستطراد الصراعات العنيفة وتضارب السرديات فإن الحيرة تتضاعف ويزداد إلحاح السؤال: أين الحقيقة؟
الحقيقة، أو لنكن متواضعين ونقول إحدى الحقائق، أنه ليس بالعنف وحده تحيا الأنظمة، فهناك دائماً أقنعة ومساحيق تجميل تخفي وجهها، خاصةً حين يكون عكراً متهدلاً قبيحاً، كتلك الأنظمة البالية التي تحكمنا، والهدف من وراء مكسبات الطعم واللون تلك خلق حالة من التوافق، أو لنقل القبول والتسليم لدى الجمهور، خاصةً حين يكون القمع والفقر والجهل والتجهيل والجري وراء الرزق والتحايل على المعايش قد أبعدت قطاعاتٍ متسعة من الناس عن السياسة والتحليل؛ غير أن الثورة شكلت مستجداً نوعياً طارئاً وفارقاً غير تلك المعادلة وأخل بذلك التوازن البليد، لذا فلست أبالغ حين أقول اننا نستطيع أن نتحدث بثقةٍ الآن عن عودة رأيٍ عام يعتد به ويحسب له حساب، بعد ما يقارب الثلاثة عقود من التآكل البطيء، بدون أن نصبح عرضةً للتهكم والاتهام بالرومانطيقية والاستسلام لأحلام اليقظة، ولهذا الرأي العام ما يؤثر في صنعه ويرجح توجهاته؛ من ذلك مثلاً وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة كـ»الفيسبوك» و»تويتر» التي لعبت دوراً فائق الأهمية، بل محوريا، في تحفيز الحراكات الثورية، إلا أننا مهما أسهبنا فلن نفي الإعلام المرئي حقه في بعد الأثر ويليه بمراحل وفراسخ المكتوب، فالأول لعب دوراً رائداً ومفصلياً في امتصاص صدمة الحراكات الثورية الأولية، حين احتفى بشباب الثوار وطبل إعلاميوه (الذين بدلوا جلودهم بليل) للثورة وعظمتها وعظمة هذا الشعب، راكبين موجةً أدركوا ألا دافع لها، لكنهم في حقيقة الأمر كانوا يعدون العدة ويتحينون الفرص للانتقاص منها والتشكيك فيها، ومن ثم الانقضاض عليها في الوقت المناسب.
لم يكن ذلك سوى تراجع تكتيكي فرضته الأحداث، إلا أن المسألة في المقام الأول مصالح، ولعل من المدهش حقاً أن يفوت على الكثيرين العلاقة الوطيدة والمشبوهة التي تربط ذلك الإعلام «الحر» بنظام مبارك، أنا لا أعني هنا الرجل بشخصه، وإن كان الأمر لا يخلو من ذلك تماماً، وإنما من حيث الذهنية ومنظومة القيم أو اللاقيم والانحياز الاجتماعي. نحن الآن أمام منظومةٌ إعلامية ضخمة ترتبط بحبلٍ سري برأس المال الخاص الذي تضخم كالسرطان في زمن مبارك، فملاك الشبكات المختلفين من كبار رجال الأعمال والأثرياء، ومن ثم فقد تضافرت جهودههم مع تدبير الدولة العميقة لشيطنة الثورة معنى وأهدافاً.
في زمنٍ مضى، كان الإعلام حكومياً، فالصحف وقنوات التلفاز ملكيةٌ عامة تنطق بما يريده النظام وتعبر عن اتجاهاته، أما الآن، فللسيطرة على الفكر والمعلومة وخلق الانطباعات والتوجهات أساليب متوارية أكثر نعومة وسلاسة من «حنجوري» العهود السابقة وبياناته المباشرة والفظة.
عن طريق الإلحاح وجرعاتٍ متزايدة من التشكيك والدس وتفكيك الثورة والهجوم والتخوين التي تعالت نبرتها مع مضي الأيام تمكن «التلفازيون»، أي إعلاميو التلفاز، خاصةً في برامج الـ»توك شو» من التأثير والتمهيد والإسهام في حفر مجرىً انسابت فيه الأحداث عن طريق مجهودٍ جبار من التلفيق والتدليس والخلط واختلاق سرديةٍ معقدة، تزخر بعناصر الإثارة من المؤامرة إلى التسريبات إلى الجنس؛ وفي حين أن الواقع بأحداثه حمال أوجه، يخضع للتحليل والانحيازات المبدئية في التعاطي والرؤى المتباينة، فحيث يرى العالم هزيمة يرى الآخرون «نكسة»، بل يذهب البعض لاعتبارها انتصاراً على مؤامرة استهدفت الزعيم الملهم، نرى أن الإعلام المرئي في كل بلدٍ من بلداننا يحتكر الحقيقة المطلقة، وتتفق قنواته على سرديةٍ واحدة، في ما يتعلق بنظامه: لم يكن ما حدث سوى مؤامرة على مبارك ونظامه العبقري، ومن العبث محاولة تفنيد هراءٍ كهذا بالحديث عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتردي الخ.
لست أبالغ بأي شكلٍ من الأشكال حين أزعم أن الإعلام المرئي، بما روجه وما أحدثه من قناعاتٍ أثرت، بل خلقت تصوراتٍ لدى الرأي العام، يشكل الرافعة الظاهرة التي مازالت تسهم في محاولة إعادة إنتاج نظام مبارك بانحيازاته، ونجحت في ذلك إلى حدٍ بعيد، فقد روجت «الحقيقة المعلبة» التي توازي «منهج الوزارة» في التاريخ والدين.
المشكلة الحقيقية في رأيي، أن ذلك لا يتم فقط في أوقاتٍ صعبةٍ حافلة بالأزمات حتى في البلدان التي لم تعرف المخاضات الأعنف (كمصر مثلاً إذا ما قورنت بسوريا)، وإنما في مرحلة تغيراتٍ عميقة وتحورات سقطت فيها توازنات القوى القديمة التي سادت طيلة العقدين الماضيين وعنوانهما الهيمنة والسيطرة الأمريكية وبالتالي المقدرة على التنبوء وتخطيط الحسابات، فالقوى الصاعدة تتحفظ وتعرقل وتعارض، ناهيك عن اختلاط الأوراق بصورة محيرة تسمح لكل صاحب غرض باتهام من يريد بما يريد، فالسعودية وقطر قد تتفقان في سوريا وتختلفان في مصر وهكذا.
إن الناس يشعرون بالحيرة والقلق، خاصةً مع تردي الاوضاع وتبخر الوعود بمنجزاتٍ خارقة، والتلفاز بما يملكه من موارد وقوة الصورة يمارس نوعاً رهيباً من الديكتاتورية يحتكر فيها الحقيقة بموازاة احتكار الأنظمة للسلطة السياسية، والبحث عن الحقيقة شاقٌ مضنٍ يتطلب مجهوداً مكلفاً من التنقيب في الروايات المتواتر أغلبها من مصادر خارج صندوق التلفاز، وأغلب الناس أرهقتهم الفترة الماضية.. إلا أنه ليس هناك بديل ولا طريق مختصرة أو ممهدة للوصول للحقيقة. الأيام والسنين المقبلة ستكون صعبةً على شعوبنا، وستزداد الأمور سوءاً، وعلى كل من ينشد الحقيقة والفهم أن يبحث خارج صندوق التلفاز… أن يتعاطى مع ما يسمع بعقلٍ نقدي وسوى ذلك فليس من سبيل.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية