القاهرة ـ «القدس العربي»: يعتبر المخرج أحمد عبدالله السيد والمخرج ابراهيم البطوط من بين أهم مخرجي تيار السينما الموازية «المستقلة» التي شقت طريقها منذ أكثر من عشر سنوات في مصر واستطاعت ان تسجل تواجدا هاما وملحوظا في مهرجانات السينما حول العالم. ويعد عبدالله والبطوط وتامر عزت وغيرهم من جيل الشباب، من اوائل المخرجين الذين تحرروا من سيطرة شركات الانتاج الكبرى على السوق السينمائي ووضعوا مفهوما جديدا لصناعة الفيلم يوازي التطور التكنولوجي والثقافي الذي لم يدركه بعض مخرجي الجيل الأقدم، ربما إلى الآن لم يوضع مفهوم محدد لمعايير تصنيف الفيلم المستقل، لكن التجربة ما زالت تفرض وجودها، وأصبح المفهوم الأكثر رواجاً عن الفيلم المستقل هو الفيلم قليل التكلفة والذي يستخدم كاميرات الديجيتال التي خلقت مع الوقت زوايا جديدة في التصوير السينمائي بالإضافة إلى أن الفيلم المستقل عادة لا يشارك فيه نجوم واسماء كبيرة لكنه يقدم وجوها جديدة تقف أمام الكاميرا لأول مرة، والأهم هو تحرر مخرج الفيلم الذي في الأغلب يكون هو نفسه كاتب السيناريو من الأفكار النمطية التي استهلكتها السينما التجارية السينما الموازية أو الحرة تطرح أفكارا جريئة، تقدم برؤى إخراجية لم يعتد الجمهور عليها.
البداية التي أطلقها البطوط في فيلمه الروائي الطويل «عين شمس» وخلقت نوعا من الصدام بينه وبين جهاز الرقابة الذي تعثر وقتها في استيعاب وفهم طبيعة هذه التجربة، سريعاً انطلقت تجارب أخرى متتالية أبرزها كانت سلسلة أفلام المخرج أحمد عبدالله السيد عندما قدم فيلمه الأول «هيليوبليس» الذي جمع فيه بين اسلوب الفيلم الروائي واسلوب الفيلم التسجيلي، ثم تبعته تجربة فيلم «ميكرفون» الذي بلغ فيه شريط الصوت مستويات الأفلام الموسيقية العالمية، وحصد جوائز كثيرة من مهرجانات السينما حول العالم. وكانت تجربته الثالثة في فيلم «فرش وغطا» أنضج من التجربتين السابقتين حيث اعتمد عبدالله كلياً على التعبير بلغة الصورة السينمائية دون الحوار، وعاد بالسينما إلى اصولها كونها لغة التعبير بالصورة. لكن الثنائي عبدالله والبطوط خرجا سريعاً من تحت عباءة الفيلم المستقل منطلقين على استحياء نحو ما يسمى بخلطة الفيلم التجاري، التجربة الأخيرة لكل منهما تختلف عن سابقاتها، شكلاً ومضموناً ويصعب تصنيفها ضمن الفيلم المستقل أو ربما يستحيل ذلك.
«ديكور» هو الفيلم الجديد الذي أخرجه أحمد عبدالله السيد عن سيناريو لمخرج غيره هو محمد دياب وبمشاركة اخته شيرين دياب، حيث بدأ في هذا الفيلم بكسر كل القواعد الذي اتبعها في أعماله السابقة، لكنها تجربة لا تقل أهمية عن «فرش وغطا» رغم الفارق الكبير بين التجربتين والتي تصب في صالح «فرش وغطا» بداية من اختيار أبطال فيلم «ديكور» الفنان خالد أبو النجا شريك عبدالله الدائم في مغامراته السينمائية. لكن المغامرة وحدها لا تعطي للفنان أي رصيد عندما يخفق اداؤه للشخصية التي لم يبذل فيها أي مجهود. خالد تعامل مع شخصية شريف بإستخفاف ملحوظ ، خاصة المشاهد التي جمعته بالفنانة حورية فرغلي التي حاولت ان تجتهد لتصل إلى مواطن ضعف وقوة نموذج المرأة التي يستضعفها المجتمع ويضعها دائماً في خانة واحدة أما الأبيض أو الأسود، كما عبر الفيلم عنها باختيار الصورة لتحاكي القصة من خلال لونين فقط هما الأبيض والأسود وكأنه انعكاس بصري لنظرة المجتمعات العربية الى المرأة التي يسلبها حقها في الاختيار أو تقرير مصيرها، حيث تقف «مها» بين قوتين متناحرتين تسعى كل منهما لإزاحة الآخر واجتذاب مها إليها، وسلب إرادتها. وتمثل مها ايضاً استدراجا رمزيا للإنسان العربي عامة الذي يعيش في مجتمع تسود فيه قوة الاستقطاب نحو جهة دون الأخرى. لكن مها كانت أكثر رغبة في انتشال نفسها من الواقع الذي فرض عليها حياة لم تخترها وبين الخيال الذي جاء أسوأ من واقعها. الفيلم عرض رؤية متفائلة وأكثر بهجة مما يبدو، الواقع لا يمنح عادة هذه الفرصة في الاختيار ما بين الأبيض أو الأسود أو إنكار الاثنين معاً.
يظل أحمد عبدالله محافظاً ومخلصاً لجماليات الصورة السينمائية في «ديكور» لكن صخب الحوار الذي امتد لساعتين تقريباً والمفارقات المتعاقبة للأحداث وسطحية أبو النجا في التمثيل الذي نسفه براعة الفنان ماجد الكدواني في دور»مصطفى» وضرب مثل امام خالد كيف يكون التعبير من باطن الشخصية، كل هذه العوامل أفقدت المشاهد الإحساس بجمال التكوين البصري للصورة التي سعت في بعض المشاهد إلى الامتزاج بكلاسيكية الحضور المنمق لأفلام الخمسينيات التي لم يخفها عبدالله بل كشف عنها بوضوح بالاستعانة بمشاهد أفلام الفنانة فاتن حمامة، حيث كانت مها بطلة الفيلم مغرمة بالأفلام القديمة، وبحكم عملها مهندسة ديكور في الأفلام السينمائية. القصة البسيطة أثقلتها كثرة التفاصيل وطول الجمل الحوارية التي عادة لا تستخدم في الفيلم المستقل الذي يعتمد على الحكي بلغة الصورة.
قد يجد فيلم «ديكور» ترحيبا كبيرا في شباك التذاكر عند عرضه تجارياً خاصة بعد ان استقبله الجمهور بحفاوة عند عرضه ضمن برنامج عروض خاصة بمهرجان القاهرة السينمائي. الفيلم يميل إلى مواصفات السينما التجارية من حيث وجود نجوم شباك مثل حورية فرغلي وخالد ابو النجا، بالإضافة الى الموضوع الذي يميل إلى اللعبة النفسية التي تضفي نوعا من الكوميديا خفيفة الظل خاصة في مشاهد الفلاش باك ولحظات اكتشاف الجمهور لحقيقة كل شخصية، بينما لا يجد فيلم مثل «باب الوداع» هذه الفرصة لغرابة اسلوبه السينمائي على الجمهور العادي. يبقى الفيلم المستقل إن كان طريقه إلى شباك التذاكر ما زال متعثراً لأسباب عديدة منها غياب ثقافة التلقي عند الجمهور، لكن على الأقل وصل إلى شباك التذاكر مخرجو هذا التيار الذي يستطيع ان يتوازن إلى حد ما بين ما يفكر وما يصنع.
رانيا يوسف