ديوان الشاعر المصري أحمد طه: مشاغل الحياة اليومية في القاع المصري

حجم الخط
1

 

قيّض لي في مطلع الثمانينيات أن أزور القاهرة، لأيام قليلة، وكانت تلك المرّة الأولى التي رأيت فيها مصر، قادماً من بيروت المسلحة، في تلك الأزمنة المنادية بالحريات والثورات وتحرير العقل العربي من النظريات الكبرى وتطهير الأرض من الآونة الكولونيالية والرؤيا التلمودية، هناك حقاً فوق تراب الكنانة، لمست الرفض يرفرف عالياً، والاحتجاج يغدو خبزاً يومياً لأني كنت على تماسٍ واضحٍ مع «لا تصالح ولو توّجوك الذهب»، هناك في تلك الأزقة الضيقة من ساحة «طلعت حرب» التقيت بأمل دنقل أبرز شعراء تلك المرحلة، ورأيت ترنّح نجيب سرور الثمل في الزقاق الرابط بين مقهى «زهرة البستان» و «مقهى ريش» الذي أدى بي الى اللقاء مع شعراء جدد ناهضين بالمهمة الشعرية، شعراء من جيلي، يُسمّون بالجيل السبعيني، وكان من بينهم الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم. وكان هؤلاء الثلاثة، يشكلون تياراً شعرياً سُمِّي أوانذاك بجماعة «إضاءة»، وهم على خلاف فني وجمالي وأسلوبي وتعبيري مع جماعة « أصوات» التي ضمت كلاً من الشعراء حلمي سالم وحسن طلب ورفعت سلام ومحمد فريد أبو سِعدة. وكان التياران يتنافسان على الشكل والمحتوى والجماليات والتطور والتحديث لبِنْيات الحداثات الجديدة، والبحث المستمر والمضني، عن وسائل وأساليب وطرائق مختلفة للكتابة الجديدة، سعياً الى ابتكار نماذج ونصوص تحاكي آخر موجات الحداثة الإستاتيكية، تلك المنشغلة بالمثير والغريب والمدهش، مما ساعد في انتشار القصيدة السردية، والنص المفتوح، والنص المستدير، والقصائد التي تعتمد عالم اليومي والتفصيلي والمشهدي من شؤونها الجديدة. وهنا يمكن الإشارة على نحو لافت الى مشاغل الشاعر أحمد طه الشعرية في هذا الحقل من حقول الكتابة الشعرية وأساليبها المتنوعة، رغم كونه مقلاً ومقتراً ومتقشفاً الى حد ما في العطاء الشعري، فهو أكبر الشعراء عمراً، في كلا التيارين «إضاءة» و «أصوات»،  ولكن عطاءه الشعري، كان قليلاً، وقد تمثل خلال مسيرته الشعرية الطويلة والمبكرة بثلاثة دواوين شعرية مطبوعة قد صدرت له، وأعيد طبعها في «الهيئة المصرية العامة للكتاب» كتكريم لمسعاه الشعري والثقافي والأدبي، وربما لديه دواوين مخطوطة تنتظر النشر وموجودة لديه، ويحاول إعادة النظر فيها، وتقليب أمورها الفنية، لغرض التحكيك والحذف والبتر، فهو في المحصلة، شاعر محكك، وحذّاف، وربما من هنا سرّ صنيعه الشعري والإبداعي القليل.
ضم ديوان أحمد طه أعماله الشعرية بعناوينها التالية «الطاولة 48» و«امبراطورية الحوائط ـ أناشيد وحكايات» و«ممر البستان ـ أناشيد وحكايات».
يتسم شعر أحمد طه بالإيقاع والتواتر النغمي، لا سيما في النتاج الأول الذي تمثل في مرحلة أواسط السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات، ليدخل بعدها في طور آخر وسياق مختلف عما عهدناه في شعره الأول، فشعره الأول هو وليد مرحلة الثورة الإيقاعية في الشعر العربي، ووليد تراثها اللغوي وأنسقته الرمزية، من أقنعة ومداليل وتماهيات وتجسدات في الآخر، الرمز، إما كتراث مسترفد، ومنزوح على شكل شخصيات شعرية ولغوية ورمزية، أو على شكل تماهٍ وتَلبُّس لهيئة وتاريخ وماض وسجل الآخر، على شكل قناع وتماهٍ وانخراط في عالم الغَيْرية، وتمظهراتها وتشكلاتها في الوعي الجمعي، وفي ذاكرة التاريخ وفي حاضره القريب. ففي التراث المُنْهَل، نجد شخصية الحسين، والحكاية التاريخية المعروفة عنه، إذ ترد كربلاء كثيراً في قصيدة «أكتب يومكم» ومن ثم في قصيدة «سعدي يوسف».
أما في الزمن القريب فالأقنعة تتحول لتتلبس هيئات وأحوال وأزمنة الآخر والذات الغيرية، كما لمسنا ذلك في قصيدة «أمل دنقل» التي كانت بمثابة المفتاح لدخول عوالم ديوانه الأول» الطاولة 48 «. والطاولة الثامنة والأربعون هذه أيضاً يلحق بها رمزها والدلالة التي تحملها معها، كونها أيضاً تتكرر في غير موقع من الديوان، وآية ذلك قد تجلت في قصيدة «مقام 48»، وهذا حسب زعمي قد يجسد الرمز المستوحى من تاريخ ميلاد الشاعر، فهو من مواليد 1948 وقد جعل لهذا التاريخ في شعره رمزه المُقْنع في الشعرية الجديدة.
فإذا كان الشاعر قد خص نفسه بعنوان ديوان وقصيدة، متلبساً تاريخ الكينونة والوجود ولحظة الميلاد، فإننا نراه يخص في عتبة الديوان الشاعر أمل دنقل الرمز بقصيدتين أيضاً من القسم المعنون بـ «المواقف»، وهما «موقف الغيبة» و«موقف الموت»، يليه الشاعر العراقي سعدي يوسف المخصوص بقصيدتين هما «سعدي يوسف 1» و«سعدي يوسف 2».
بينما الإفادة من التراث الروحي والعرفاني، فنجده كما شاع في فترة السبعينيات، هو التماهي والاندغام والإفادة من ذلك المنجز الروحي الكبير والواسع، مما انسحب على مجمل أعمال ونتاج الجيل السبعيني العربي في كل من العراق والمغرب العربي، وبخاصة في المغرب وتونس، ولكنه في سوريا ولبنان وفلسطين كان بدرجات أقل، ومن هنا وجدنا لدى الشاعر أحمد طه، ومثل بقية أبناء جيله، الميل الى التزود من ذلك المَنهل الذي فتحه، وبشّر به أدونيس في كتابته عن محمد بن عبد الجبار النفري، حين اكتشافه لكتاب «المواقف»، ومن ثم استثماره فنياً وجمالياً في كتاباته الشعرية.
وقد يكون الشخص الثاني الذي لجأ الى استخدام الشخصيات التراثية كرمز فني ودلالي، هو الشاعر صلاح عبد الصبور في قصيدته عن «أبو بشر الحافي»، وفي مسرحيته عن «الحلاج» بدون أن ننسى مساهمات البياتي المبكرة أيضاً، حول الحلاج ومحيي الدين بن عربي وفريد الدين العطار والسهروردي وغيرهم الكثير ممن مثلوا الرموز الفذة لهذا التراث الروحي والصوفي الغني، في تاريخ العربية وفنها اللغوي.
أما أحمد طه فنجد لديه فضلاً عن قصيدة «مواقف» قصيدة «الأحوال»، والأحوال هنا تعكس الطريقة العرفانية لتقصي الباطني والغور في الأعماق، من أجل استشرافها وجلو ما فيها من رواسب فكرية وذهنية وتأملات عقلية، وكذلك قصيدة «مقامات»، وهي تحمل خمسة مقاطع مثل «مقام السكينة» والذي فيه يقول:
«دثريني، واتركي نبضة
من رياح المرافئ، تلتفّ حولي، فأهذي بأسماء من هجروني،
وأهذي بأسماء من خنتهم،
فأنا حالم بالرحيل
أبعثرني فوق كل السفنْ».
من خلال قراءتي للديوان الشعري الأول لأحمد طه ووجدته قليل الصفحات، أحسست أنه اختزل الديوان في طبعته الجديدة، واستغنى عن صفحات قصائد عديدة، رآها لا تمثله فنياً، أو لا تتماشى مع سياق شعره الجديد الذي دخل أطواراً مختلفة من التحولات والآفاق المفتوحة على التجريب الفني، وعلى استلهام تجارب حديثة، يدخل فيها التناص والسرد الميّال الى الحكاية والمرويات والتنافذ مع الفنون التشكيلية، لا سيما في ديوانه الثاني، وهو ديوان كبير ومتعدِّد ومفتوح على أكثر من تجربة جمالية وفنية وشكلية.

أناشيد وحكايات

إذاً الديوان الثاني قيمته الفنية تكمن في قصائده المتنوِّعة، وبروز السمات الخصوصية أكثر من ديوانه الأول الذي كان يراوح ما بين تجارب أمل دنقل بصِيَغِه التعبيرية الجلية، والواضحة والدالة، وبين تجارب سعدي يوسف الشعرية المعروفة، تنضاف لها بالتأكيد اللمسة الخاصة بأحمد طه الباحث حينذاك، وفي وقت مبكر من مطلع الثمانينيات حين التقيته، عن لغته الخاصة وترسيمته الفنية.بينما في ديوانه الثاني نجد ذلك التجلي للغة الشخصية وللترسيمة معاً، محفوفاً بالتجارب الجديدة التي جلبتها قصيدة النثر التي ستسيطر تماماً على تجربة ديوانه الثالث.
يخص الشاعر في ديوانه أنور كامل، بقصائد عديدة ومتنوعة في التقاط المشهد الشخصي والصورة الذاتية له، وكأنه هنا أي أحمد طه، يكتب بيوغرافيا أنور كامل. لم يضع الشاعر هامشاً عن أنور كامل في أسفل قصائده، ولكن قراءة متمعِّنة للقصائد، تكشف عن رجل منفي، ومتمرِّد وخارج عن سيطرة أي نظام:
«ثلاثون عاماً، كنتَ وحيداً في منفاك،
كنت تفكر أين تنام القاهرة الأولى؟»
بيد أننا في الديوان الثالث «ممر البستان ـ أناشيد وحكايات»، وهو أيضاً ديوان شامل وحافل بالأصوات والأساليب والنمذجة التي تتخذ من النثر درباً لها ومساراً آخر، تحفر فيه فضاءً للتخييل، وأفقاً مُنوَّعاً للروي والإخبار، لغرض الدخول في النثر المركز الذي يسعى الى تسجيل القصيدة الجديدة عبره، واستخلاص الروح الشعرية من جوهر النثر، ومن إكسير الحكاية وسيلها المسرود باتجاه أفق مغاير، كما ستوضحه قصائد مثل «عيد الشكر الأخير» و قصيدة «حكاية» وقصيدة «كاف تشبيه الديكتاتور» التي يقول في مطلعها: «أصبح يائساً وطريداً وانصرف عنه الأتباع والمريدون، لم يعد أمامه سوى طريق واحد، وهكذا قرر أن يكون نبياً ».

«ديوان أحمد طه» ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب
ديوان الشعر العربي ـ القاهرة 2015
258  صفحة

ديوان الشاعر المصري أحمد طه: مشاغل الحياة اليومية في القاع المصري

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية