دي ميستورا ومحادثات جنيف: تمرين في العبث لا يوقف الخيار الشيشاني في سوريا

حجم الخط
3

ولدت محادثات المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ميتة، مع انه قدم «جنيف3» كمحادثات تقريبية بين وفدي المعارضة- الهيئة العليا للمفاوضات ووفد الحكومة السورية. فالأمم المتحدة كانت راغبة بتحريك الدبلوماسية على الملف السوري والتي توقفت بعد تدخل روسيا عسكريا في نهاية إيلول/سبتمبر2015. وجاءت دعوة دي ميستورا في ظل تغيرات هامة على المستوى الميداني وتقدم لقوات بشار الأسد المدعومة من ميليشيات حزب الله والميليشيات المدربة إيرانيا والتغطية الجوية الروسية على أكثر من جبهة. فقد أجبرت المعارضة على الخروج من بلدة ربيعة في محافظة اللاذقية غرب البلاد وسيطر جيش النظام على بلدة الشيخ مسكين الاستراتيجية الواقعة بين العاصمة دمشق والحدود الأردنية. وكسر النظام وميليشياته الحصار عن البلدتين الشيعيتين في كفر نبل والزهراء وحاول محاصرة مقاتلي المعارضة في مدينة حلب ولو استطاع النظام تحقيق هذا فسيسجل نصرا معنويا، فلطالما حلم باستعادة حلب المقسمة منذ عام 2012 والمدمرة كليا خاصة الجزء الذي يسيطر عليه المقاتلون بسبب البراميل المتفجرة والآن المقاتلات الروسية المتقدمة.
وصف الباحث في مركز كارنيغي ومحرر موقع «سيريا إن كرايسس» (سوريا في أزمة) الضغوط التي فرضها النظام على جماعات المعارضة بأنها كبيرة، فهي تقاتل على أكثر من جبهة وفي وقت واحد. وإزاء هذه التطورات لم يكن هناك من مجال أمام المعارضة لمواصلة الحوار مع نظام يحاول الاستفادة من وضع المحادثات لتحقيق مكاسب على الأرض. ومن هنا جاء قرار تعليق المحادثات على أمل استئنافها في 25 الحالي. ورغم أن محاولات أي طرف في النزاع تحسين مواقعه في أي عملية سياسية، إلا أن ما جرى في جنيف جاء على خلفية كارثة إنسانية وصور أقضت مضاجع العالم خرجت من بلدة مضايا التي قالت المنظمات الإنسانية أن الموت لم يتوقف بين سكانها منذ دخول قافلة المساعدات الإنسانية كانون الأول/ديسمبر حيث سجلت وفاة 51 شخصا من المرض والجوع. وبحسبة بسيطة قارنت صحيفة «اندبندنت»(4/2/2016) المستوى الوحشي للحصار بين النظام والمعارضة ووجدت أن النظام يحاصر 187.000 مواطن مقارنة مع 12.000 تحاصرهم فصائل مسلحة.
وكغيرها شككت في إمكانية توصل الأطراف لتسوية شاملة توقف الحرب مع أنها أكدت على ضرورة البحث عن سلام لأن ملايين اللاجئين السوريين الذين يواصلون التدفق نحو الحدود التركية ومنها إلى أوروبا، يريدون نهاية الحرب، وعائلات ربع مليون ضحية من ضحايا قتال السنوات الماضية تريد السلام. ففي لندن تحولت المسألة السورية إلى قضية لاجئين، وذلك عشية وأثناء مؤتمر دول المانحين الذي تسابق فيه الساسة للتأكيد على ضرورة مساعدة السوريين والدول التي تستقبلهم لمواجهة أعباء اللجوء وجعل حياة «اللجوء» محتملة، لأن أزمة اللاجئين كما ناقش الملك الأردني عبدالله الثاني بمقالة نشرتها «اندبندنت» (3/2/2016) لن تحل على المدى البعيد حتى لو تم القضاء على تنظيم الدولة وتوصلت الأطراف في جنيف لتسوية. ومهما يكن فبعد خمسة أعوام من الحرب هناك شعور لدى السوريين أن الحرب لم يعد لها معنى أبدا.
ورصدت آن برنارد، من «نيويورك تايمز»(4/2/2016) بعضا من الصور التي لم يتغير منها شيء إلا المتظاهرين أمام مقر الأمم المتحدة في جنيف، فهم لم يعودوا كلهم من المهاجرين السوريين المقيمين في سويسرا أو الدول المجاورة، بل من اللاجئين السوريين الذين وصلوا حديثا إلى أوروبا. وكشفت مقابلات الصحافية مع أنصار النظام والثورة حالة من الشكوك في إمكانية تحقيق تقدم في المحادثات. والمتغير الوحيد في المحادثات الأخيرة هو مشاركة المعارضة المسلحة في المحادثات التي تعتبر بمثابة اعتراف دولي بها. كما منحت جنيف منبرا للنظام السوري لإظهار أنه لا يزال لاعبا مهما في الأزمة. وفي الوقت الذي يمني فيه أنصار النظام أنفسهم بالنصر يتساءل أبناء الثورة عما حل بثورتهم.
أما المقاتلون القادة، مثل الميجر حسن إبراهيم، المشارك في المحادثات، فهو قلق على وضع المقاتلين في الميدان. ونقلت عنه الصحافية قوله إن عناصر الجبهة الجنوبية يعانون من نقص الإمدادات والسلاح والرواتب وأصبح العبور إلى الأردن صعبا. ويعكس الميجر إبراهيم قلق القادة الميدانيين من الموقف الأمريكي ويعتقدون أن قلة الإمدادات والمساعدات هي محاولة «لوضع الضغوط علينا والقبول بالعملية السياسية، وهي عملية يشك بتقديم الحكومة السورية وروسيا الراعية للمحادثات تنازلات فيها». وتقول الصحيفة أن تعليقات الميجر إبراهيم تعبر أيضا عن هواجس المعارضة والمدنيين من أن الولايات المتحدة معنية بشكل رئيسي بضرب تنظيم الدولة الإسلامية وهي بهذا تخلت عن الساحة للروس وتركت المعارضة المسلحة كي تدافع عن نفسها. وبهذه المثابة انتقدت صحيفة «واشنطن بوست» الإدارة الأمريكية ووزير الخارجية تحديدا الذي اتهمته في افتتاحيتها (3/2/2016) بالمحاضرة علينا والشجب فقط. وقالت إن الطريقة التي تعاملت بها إدارة أوباما مع الحرب السورية «تشجع على جرائم الحرب» التي يشجبها كيري. فمحادثات جنيف قامت على أساس قرار 2254 الذي تطالب المعارضة بتطبيق مبادئه وهو الذي وافقت عليه روسيا في الشهر الماضي ويقضي بإيصال المواد الإنسانية للمناطق المحاصرة ووقف القصف على المناطق المدنية كجزء من خطة محادثات السلام. واتهمت الصحيفة كلا من كيري ودي ميستورا بممارسة الضغط على المعارضة السورية المشاركة في محادثات جنيف مع أنهما يعرفان أن الشروط التي حددها قرار مجلس الأمن لم تطبق. وبالسياق نفسه لم تتخذ الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة أي إجراءات لإجبار النظام في دمشق أو الروس لوقف القصف الجوي على المناطق المدنية أو التي تسيطر عليها المعارضة السورية، مع أنهما أصدرتا أصواتا شاجبة ضد مواصلة النظام وداعميه الحرب على مناطق المدنيين. بل وسارع دي ميستورا يوم الإثنين للإعلان أن المحادثات بدأت بشكل رسمي في وقت كان فيه الطيران الروسي يواصل غاراته خاصة على المناطق القريبة من مدينة حلب. وماذا كان رد كيري وسيده أوباما على كل هذا؟ تقول الصحيفة «لا شيء بل خطابات».
وكانت صحيفة «فايننشال تايمز»(31/1/2016) اتهمت في افتتاحيتها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام محادثات جنيف كغطاء لمواصلة عملياته العسكرية في سوريا. وقالت إن بوتين «يضرب في سوريا ويتفاوض في جنيف». وهذا يكشف بالضرورة عن الدور الذي يلعبه كمفسد في النزاع السوري الذي زعم أنه تدخل فيه لمواجهة تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن قواته استهدفت المقاتلين من غير تنظيم الدولة الإسلامية الذين كانوا يهددون بقايا دولة الأسد. فقد وضع بوتين نصب عينيه سحق كل قوة تقف بين الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية وهما نادرا ما يهاجمان بعضهما بعض. ومن هنا يستخدم بوتين جنيف كستارة لمواصلة هجومه «فبدلا من ممارسة «البلطجة» على أطراف المعارضة كي تشارك في المحادثات، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها دعم مطالبها، الداعية لوقف قصف النظام وروسيا للشعب السوري. وستكون جنيف طريقا لفشل ثالث من أجل إنهاء هذه الحرب القاسية» كما تقول. وهو ما حصل بالفعل، ولعل صحيفة «اندبندنت» كانت واضحة في تبريرها ملامح الفشل، حيث قالت أن المحادثات فاشلة منذ البداية ولن تؤدي إلا لزيادة الحرب سوءا، والسبب هو غياب طرفين يؤثران في المعادلة السورية وهما الأكراد وتنظيم الدولة اللذان يسيطران على ثلثي مناطق سوريا. وبالطبع فلن توجه لتنظيم الدولة للمشاركة وسيواصل القتال ومحاربة تخريب المحادثات. وبالنسبة للأكراد فسيواصلون حربهم ضده. وترى الصحيفة في محاولات دي ميستورا إقناع الأطراف السورية المتحاربة التحاور في جنيف كمن كان يريد إعادة توحيد ألمانيا الغربية والشرقية في ذروة الحرب الباردة «فقد ترحب بالمحاولة لكنك لا تريد المراهنة ماليا على نجاحها». وهي بهذه المثابة محاولة عابثة من الأمم المتحدة، فالمعادلة على الأرض تقترح أن من الصعب إجراء محادثات سلام وهناك طرف يقوم بحصار أكثر من 187.000 مواطن ويشن هجوما على البنى التحتية أو ما تبقى منها. ولا تدعو الصحيفة للتخلي عن جهود السلام بل هناك حاجة للتوصل إلى حل سريع للنزاع الذي يؤثر على استقرار المنطقة. والسلام مطلب السوريين.
ولتحقيق هذا الحلم لا بد من البحث عن خطة شاملة. ففي ظل عدم شعور النظام وداعميه الروس والإيرانيين بأنهم غير مجبرين على تقديم تنازلات، وتمسك إدارة أوباما بوهم الحل الدبلوماسي كما فعلت مع المحادثات الفلسطينية- الإسرائيلية، فالأمم المتحدة لا تملك الحل، بل وكما كشف كولام لينتش من «فورين بوليسي» (29/1/2016)، ليست قادرة أو لا تستطيع تطبيق أي اتفاق وقف إطلاق النار ينتج عن مباحثات جنيف، وستترك أمر الالتزام بالاتفاقيات والاشراف عليها للنظام والمعارضة.
ويرى جيمس تروب، في «فورين بوليسي» (1/2/2016) أن خطة دي ميستورا بناء سلسلة من اتفاقيات وقف إطلاق النار في العام الماضي تجمدت. وفي ظل استعادة الأسد مناطق فلن تكون لديه رغبة بتقديم تنازلات. ويعتقد تروب أننا عدنا في الحل الدبلوماسي إلى عام 2013 عندما قال كيري إن الأسد سيحضر إلى طاولة المفاوضات حالة «تغيرت حساباته» وشعر بخسارة الحرب. وكان هذا عندما كان أوباما ينظر للحرب ككارثة إنسانية لا يمكنه عمل الكثير من أجلها، ولم يكن هناك خطر اسمه تنظيم الدولة. فبراميل الأسد لم تكن تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، أما أحلام «خلافة» البغدادي فهي خطر دفع أوباما للتدخل وقصف مناطق «الدولة». ومن أجل دعم الجهود لمحاربة تنظيم الدولة أصبحت أمريكا مستعدة للقبول بأي نتيجة للمحادثات، وما يعرضه الأسد من تنازلات، خاصة أن النظام لديه دعم خارجي أكبر مما توفر له في جولتي عام 2012 و 2014. ومع ذلك فالأسد الذي يلقى دعما من الروس لا منظور، أمامه البقاء حاكما حتى على بقايا دولة في غرب سوريا. ولهذا فهناك حاجة إلى التعاون مع المعارضة السورية التي لا يمكن هزيمة تنظيم الدولة بدونها، حسب تروب. فهذه المعارضة التي هزمت في الرقة أمام جهاديي تنظيم الدولة متركزة الآن حول حلب، حيث تضرب من قبل النظام والروس. وهي نفسها التي تواجه حربا ضروسا للحفاظ على مدينة حلب التي سيكون سقوطها بيد النظام ضربة قوية ويعتبر بالتالي نجاحا لسياسة الأرض المحروقة أو قل «خيار الشيشان» في سوريا. وفي تقرير أعده مراسل صحيفة «واشنطن بوست» (4/1/2016) أندرو روث أشار فيه لشعور القيادة الروسية بأنها ربحت المعركة في سوريا وبأقل التكاليف والخسائر. ويرى كاتب التقرير أن موسكو غيرت من طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة السورية وسبل حلها الدبلوماسية، خاصة في ما يتعلق ببقاء أو رحيل الأسد. مشيرا إلى أن التقدم الدبلوماسي الذي حققته موسكو كان أهم من الإنجازات العسكرية.
لكل هذا يظل لقاء جنيف تمرينا في العبث والتظاهر. وكما علق سايمون جينكنز في «الغارديان» (5/2/2016) فالغرب الذي يحاول مساعدة اللاجئين أخطأ في كل حساباته حول الانتفاضة التي بدأت في 15 آذار/مارس بيوم الغضب، فهو أخطأ حول الأسد وقوته وحول معارضيه، ويقوم بمساعدة السوريين من خلال ضرب قنابل على بلد مدمر أصلا.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية