دَوْرُ الْمَدْرَسَةِ فِي مُجْتَمَعِ مَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ

حجم الخط
0

«أن تُرَبِّي معناهُ أن تستودعَ في كل إنسانٍ كل الإنجازات البشرية التي سبقته؛ أن تقدم لكل إنسان خُلاصةً للعالم المعيش من القديم حتى اليوم الذي يعيش فيه؛ أن تضعه في مستوى زمانه؛ كي يطفو فوقه وألا تتركه تحته، وإلا لما تمكن من الوقوف على قدميه؛ أن تُعِدَّ الإنسانَ للحياةِ».
إن هذا التعريفَ الجميلَ الذي قدمه خوسِّيه مَارْتِي للتربية لا يزال ساريَ المفعولِ، وما تغير فقط هو الزمان الذي يُحيل إليه. إن ذاك الزمان، ذاك السياق هما اللَّذان يُحددان الاختلاف. فنحن نعيش اليوم في مجتمع ما بعد الحداثة الذي يتعارض تعارضا صُرَاحًا مع الإبدال الحداثي الذي كانت تتأسس على أفكاره مُهمة التربيةِ.
أقرت أفكارُ ما بعد الحداثةِ بفقدان المدرسة لدورها، وببقاء التربية منذورةً لحالِها. إن هذا التصريح العاجز للنظام التربوي لم يُقلق المدرسين فق،ط بل تعداهم إلى الآباء كذلك والسلطات والمجتمع بصفة عامة. إن نزعة ما بعد الحداثة تُصرح بأن التربيةَ تحت الإجبار والانضباط والتشديد تنتمي إلى الماضي الحداثي. أما اليوم فيتم سَنُّ تربية مرتكزة على الوجدان ومتوسلة بالإغراء؛ إذ يجب على المتعلم أن يُحس بالانجذاب إلى موضوع التعلم، حتى إن قُصِفَ في نهاية المطاف بكم كبير من المعلومات وانقلب إلى فاترٍ أو شاردٍ. إنه سيكتسب المعرفةَ بالتدريج من دون ضُغوطاتٍ ولا وِصاياتٍ. في غضون ذلك، تتحول المدرسةُ إلى فضاء للملل، حيث تتوارى المعارفُ خلف باقي المجتمع. لم يعد للحقائق المطلقة وجودٌ واستقرت النسبية في جميع فِعَالِ الكائن البشري. وهكذا، كتب بعضُ مُنظري ما بعد الحداثة، من دون أن يهتز لهم خَافِقٌ: «لا توجد حقائقُ مطلقة ولا يقينياتٌ نهائيةٌ من شأنها أن تتجاوز الزمان والمكان، وإنما هناك حقائقٌ نسبية ظرفية مبنية في الـ»هنا» و»الآن» وبالارتكاز على التدليل والاختبار التجريبي والرمزي».
إن الكُوجِيتو الديكارتي «أنا أفكر، إذن أنا موجود» قد فسح المجال أمام شعار آخر هو «أنا لم أره، إذن هو غير موجود» لصاحبه سَارْتورِي؛ فثقافةُ الصورة والحواس واليوم والآن فرضت نفسها وأصبح المربون الحقيقيون هم مُنتجو الوسائلِ الجماهيريةِ وتقنياتِ الإعلام والتواصل التي تَسِمُ تياراتِ ونظرياتِ وأساليبِ العيش، والذين بدوا أكثر إبداعية وتحفيزًا من الأساتذة والمدرسة.
لقد أُعِيدَ النظر في دور المدرسين كما في سلطتهم التربوية. قيل إن المتعلمين يعرفون أكثر منهم، ويعرفون أكثر باستعمال الحاسب الآلي، وهكذا تَمَّ الخلطُ بين التربية النظامية وغير النظامية والْحَطُّ من قيمة المدرس في فِعْلِ مُصاحبةِ المتعلم في سيرورة اكتشاف المعرفة وفي فِعْلِ استدخال المعلومة لتحويلها إلى معرفة ذات معنى.
ليست مهمة الآباء بالأمر السهل أبدًا. إنهم يُقاومون أَمْرَ ما يتم تَطَلُّبُهُ من أبنائهم وأمر ما يُسببه لهم ذلك من مُعاناةٍ؛ إذ هم يُحسون أنفسهم عاجزين أمام ظاهرةٍ لا يعرفون جيدا كيفية مُواجهتِها. يقول ضُولْطُو: «إن هؤلاء المراهقين المفروض عليهم أن يكونوا أباءً والمُتَبَنِّينَ من طرف الوسائط، هم منتوجٌ لِبَالغينَ يمتنعون عن التربية»؛ إن الحقَّ في التربية يجب أن يُرْفَقَ بإلزامية البالغ بتربيتهم ويُلاحظ أن هذا الواجبَ بات يُمارَسَ كل مرة بنجاعة أقلَّ.
نُلْفِي أنفسنا اليوم إزاء واقعٍ مَا بعدَ حَداثيٍّ يستوجبُ شكلا جديدا من التربية. لقد بات ضروريًا، حتى لا نقول لا محيد عنه، أَمْرُ صياغة مِعْيَارٍ للمتعلمين الذي أمسوا يُنفقون وقتًا طويلا أمام الحاسِب الآلي مُستقبلين بطريقة سلبية سلسلةً من المحتويات والمواقف ما بعد الحداثيةِ، التي ليست إيجابيةً كلُّها. يجب مُساعدتهم على تأويل تلك الرسائل حتى يكون بإمكانهم عَزْلُ الغثِّ من السمينِ.
من جهةٍ أُخرى، يجب أن يتم في تأهيل الأساتذة إِدْرَاجُ موضوعاتٍ فلسفيةٍ ما بعد حداثية ٍمن شأنها أن توفر لهم سندًا من أجل خلخلة بعض القناعاتِ التي تُهدد المبادئ التي تحكم عملهم وتساعدهم، علاوة على ذلك، على فهم المحيط، حيث يتوجب عليهم ممارسة فعل التربية. صحيح أنه لا يمكن للتربية أن تبقى قابعةً في ماضٍ كانت له نجاحاته كما أخطاؤُه كذلك، وأنه يجب عليها أن تُواجه ظروفًا جديدةً تستدعي طُرُقًا ونُظُمًا جديدة، غير أنه يجب عليها ألا تتخلى أبدًا عن مهمة تكوين مُواطنين أقوياء، مُنسجمين مع ذواتهم، مُجدين ومُتملكين لِزِمَامِ أنفسهم لأنه لو تَمَّ تفضيلُ الأماني والاندفاعات عن الإرادة وبَذْلِ الجُهد فإننا نخاطر بجعلهم ضِعَافًا ومن دون شخصية ومن خلالهم كل المجتمع. وأعتقد أن للشاعر خُوسِّيه يِيرُّو قصيدةً جميلةً أراها مُناسبةً لاختتام هذه التأملات وهي موسومةٌ بعنوان: «نَقِيشَةٌ مِنْ أَجْلِ قَبْرِ بَطَلٍ» التي يقول في بعض أبياتِها: «كَانَ يَحْسِبُ نَفْسَهُ سَيِّدَ الْعَالَمِ / لِأَنَّهُ كَانَ يَخْفِقُ فِي حَوَاسِّهِ / كَانَ يُحَاصِرُهُ بِجَسَدِهِ / حَيْثُ كَانَتْ تَتَهَالَكُ الْقُرُون/ بِمِشْعَلِ شَبَابهِ/ كَانَ يُضِيءُ الْأَعْمَاقَ الْمُظْلِمَةَ / كَانَ يَحْسِبُ نَفْسَهُ سَيِّدَ الْعَالَمِ / ولَمْ يَكُ سَيِّدَ نَفْسِهِ».
*مديرة المراقبة المدرسية في ولاية بْوِيبْلَا في دولة المكسيك. وقد نُشِرَ هذا المقالُ في مدونتها على الشبكة العنكبوتية بتاريخ 18 يونيو/حزيران من سنة 2011.
**كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية – الدار البيضاء -المغرب.

دَوْرُ الْمَدْرَسَةِ فِي مُجْتَمَعِ مَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ

بِّيتْرَا يَّامَاسْ غَارْثِيَّا *… ترجمة: لحسن الكيري**

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية