هُنَا،
أَقْصِدُ قَريباً مِنْ أَقْدَامِ الوَدَاع،
لا تُشَيِّعُ النِّسَاءُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ
مَنْ فَقَدُوا مَلامِحَهُمْ
فِي الطَّرِيق،
لا تُشَيِّعُ،
مَنْ يُسَجَّوْنَ اللَّحْظَةَ
عَلَى الْجَانِبِ الذِي كُنَّ
يَقْطِفْنَ مِنْهُ قُبْلَةً
قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْلِمْنَ
لِلَيْلٍ طَوِيل.
عِنْدَمَا يَشْرَعُ
هَيْكَلٌ عَظْمِيٌّ لِدُودَةٍ
في قَرْضِ الظَّلام؛
تَتَأَهَّبُ
امْرَأَةٌ غَارِقَةٌ
فِي جُوعِهَا الأَزْرَق
كَيْ تَحْنُوَ عَلَى السَّرِيرِ الْمَيِّت
كَيْ تُفَرِّخَ مِنْ لُزُوجَتِهِ
جُرْثُومَةَ النُّور؛
هَذَا الْمَاءُ الْمُقَدَّسُ
الذِي يَغْسِلُ عَتْمَةَ العُصُور.
٭٭٭
لِيُثْبِتُوا تَسَامُحَهُمْ
يَتَدَافَعُونَ فِي مَوْكِبِ جَنَازَةٍ،
يُكَبِّرُون كَمَا لَمْ يَفْعَلُوا مِنْ قَبْل؛
كُلُّ وَاحِدٍ
يَطْمَئِنُّ إِلَى أَنَّهُ يَحْمِلُ
فِي جَيْبِهِ
دُودَةً شَرِسَةً
لِيَرْمِيَهَا فَوْقَ جَسَدِ
البَغِيّ
الذِي طَالَمَا
حَلَمَ بِه.
٭٭٭
مَاذَا دَهَاك؟
لِمَ لَمْ تَرْمِ دُودَتَكَ فِي القَبْر؟
تَرْتَجِفُ مِنَ البَرْدِ وَأَنْتَ تَقِفُ فَوْقَ بُرْكَان؟
تَعْلُو وَجْهَكَ صُفْرَةُ السَّنَابِل.
جِلْدُكَ،
مِنْ كَثْرَةِ مَا يَتَأّكَّلُك،
مِنْ فَوْقِهِ،
تَكْشِطُ قُشُورَ السَّمَك،
تُنْذِرُ بِشَيْءٍ مَا؟
لِمَ لَمْ تَقْتُلِ الدُّودَةَ مِثْلَمَا فَعَلَ مَالْدُورُر؟
لِمَ لَمْ تُخَلِّصْنَا مِنْ طَاعُونِ العَصْر؟
هَذِهِ الشَّمْسُ تَكَلَّسَتْ فَوْقَ رُؤْوسِنَا
جَفَّفَتْ عُرُوقَنَا
نَحْتَمِي مِنْهَا بِهَا
فِي جَوْفِ كِلابٍ شَارِدَة
لَمْ نَعُدْ نَحْلُمُ إِلا بِأَشْبَاحٍ مَعْدِنِيَّةٍ
تَفْرِدُ أَجْنِحَتَهَا فَوْقَنَا
لِنَتَمَكَّنَ مِنَ الهُرُوبِ
صَوْبَ ظِلالٍ فِي الْمَسَاء.
٭٭٭
بَيْنَمَا الأَبَدِيَّةُ
تَعُدُّ أَصَابِعَ الْجُثَّةِ
ارْتَفَعَ الآذَانُ
مِنْ بُوقِ القَبِيلَةِ
يُعْلِنُ انْتِهَاءَ الدَّفْن.
تَنَفَّسَ القَمِيصُ الصُّعَدَاءَ:
لا أَحَدَ بَعْدَ الآنَ
سَيَسْأَلُهُ عَنْ جَرِيمَة.
سَيَنْسَى الْجَمِيعُ
أَنَّهُ كَانَ مَاءً
لَفَّ فِي صُرَّتِهِ شَهَوَات
وَأَنَّهُ كَانَ خِدْناً لِعُرُوقِ الثَّدْي؛
سَتُطْوَى مَعَهُ إِلَى الأَبَدِ
أَسْرَارُ الضَّحَكَاتِ الدَّاعِرَة.
٭٭٭
القَبْرُ يَنْفَرِجُ تَمَاماً
مِثْلَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ
شَفَتَاكِ،
لِيُقَبِّلَ كُلَّ وَافِدٍ جَدِيد،
شَفَتَاكِ الشَّبِقَتَانِ،
العَاشِقَتَانِ لِنَسْلِهِمَا القَاتِل.
٭ المغرب
محمد العرابي