الدوحة ـ «القدس العربي»: ترتيب حوار مع الدكتور أيمن نور رئيس حزب غد الثورة، والسياسي المصري المخضرم، أمر فرض حيويته بعد أن اتضحت نتائج الانتخابات المصرية والتي لم تحدث أي مفاجأة تذكر، وسبق لهذا المعارض لأنظمة الحكم في القاهرة أن ردد مقولته الشهيرة فترة طويلة قبل توجه المصريين إلى صناديق الاقتراع: «حتى قردة حديقة الحيوانات تدرك جيدا أن عبد الفتاح السيسي هو رئيس مصر القادم». بابتسامته المهذبة استقبلنا في مقر إقامته في الدوحة حيث حاضر عن مسار التغيير في الوطن العربي، بمناسبة انعقاد منتدى الجزيرة السنوي. كان هذا الحوار السلس الذي حاولنا فيه أن نفكك معه تفاصيل المشهد المصري، لإبراز قراءته للمستقبل في دولة يعتبرها البعض دخلت نفقا ولم تخرج منه، والخوف أن تظل غارقة في مشاهد دموية. فكان لابد أن نستهل حوارنا بفوز المشير عبد الفتاح السيسي برئاسة الجمهورية وكيف يقرأ ذلك وعن مستقبله السياسي بعد أن فرض على نفسه البقاء في المنفى.
○ كيف تقرأ فوز السيسي في الانتخابات ودخوله بشكل شرعي القصر الرئاسي؟
• لابد من الإشارة إلى أن الرجل فاز على نفسه في انتخابات سبق وأن تحدثنا منذ فترة عن نتائجها، كان السيسي الرئيس الواقعي منذ 3 تموز/يوليو، وهو ينافس السيسي الذي أراد أن يكمل الشكل العام القانوني لانتخابات إجرائية وليست تنافسية، وكل ذلك من أجل اكتساب قدر من الشرعية أمام الرأي العام الدولي على أساس أنه لم يأت بانقلاب أو على متن دبابة، بل عن طريق صناديق الاقتراع. لكن للأسف لم تأت تلك الصناديق بما كان يريده الرجل وبالصورة التي تخيلها، فهو حصل على صناديق فارغة، أو شبه فارغة، وهذا كان أمرا واضحا من السلوك الانتخابي وغير المسبوق للناخب المصري. وبالتالي ما حدث هو إشارة واضحة إلى أن الانتخابات الإجرائية التي دعا إليها السيسي وسعى إليها في وضع المحتكر وفي وضع المنفرد لم تأت بما كان يريده.
○ لكن السيسي أصبح الآن رئيسا؟
• هو لم يصبح رئيسا لكل المصريين ولا يزال رئيسا لفريق فقط، وكنا نتمنى أن يكون رئيسا للجميع.
○ هل هذا إيحاء عن حدوث تجاوزات في الانتخابات أو أن نتائجها تم توجيهها لخدمة السيسي؟
• لم تكن هناك انتخابات حقيقية، كل ما في الأمر أنها كانت عبارة عن عملية إجرائية لاستيفاء شكل الانتخابات بالطريقة التي تحاول أن تمنحه مصداقية أمام العالم، وهذا الرجل سيدخل قصر الاتحادية، لكن دخوله سوف يكون ناقصا وليس بالصورة التي كانت في ذهنه، وعكس ما كان يروج له بأن خلفه أزيد من 30 مليون مصري، فالصناديق جاءت نتائجها عكس ذلك تماما.
○ لماذا كانت نسبة المشاركة متدنية بالرغم من كل الحشد الإعلامي الذي صاحب الحملة الانتخابية؟
• اعتقد هذا جزء من عبقرية الشعب المصري الذي أراد أن يوجه رسالة قوية بأنه غير راض عن هذا المسار، ولا يقبل بهذا الانقسام الذي تشهده البلاد وهو ضد حالة التحريض، والرئيس السيسي حاليا هو مرشح حالة الانقسام، وبالتالي كان رد فعل الشعب المصري عكس ذلك يدعو إلى الوحدة، وإلى المصالحة الوطنية، وهي رسالة في غاية الرقي وغاية النضج، والشعب المصري أراد أن يلقن هذا الدرس للجميع.
○ هناك من يرى أن مصر تحتاج حاليا رجلا قويا والسيسي هو الأجدر بذلك والدليل الحشود التي دعمته؟
• لم أقل في أي وقت من الأوقات أن الرجل لم تكن له شعبية، وهو صنع شعبية، وبالأصح أن بعض كارهي الإخوان أصبحوا في صفوفه، لأنه جعل لب برنامجه الانتخابي القضاء على الإخوان، والجميع يعرف أنني رجل ليبرالي لكنني أقبل بالآخر، وأعتقد أن الجموع العريضة من الشعب المصري تتسم بملامح ليبرالية لأنها تؤمن بالتسامح، وتقبل بالآخر، وبالتالي إلى جانب الفريق الذي سانده بسبب كرهه للإخوان، هناك الفريق الأكبر والأوسع من الذين أحبوا مصر كرها في الدم وبغضا للعنف.
○ إذا في ظل وجود فئة من المصريين تسانده سيمنحه الأمر شرعية أوصلته إلى الحكم.. كيف تناقضون ذلك؟
• أعتقد أنه حتى الآن رئيس لفريق من المصريين، وبالتالي لو كان رئيسا لكل المصريين لكان أوضح في برنامجه سبل تحقيق ذلك الاجماع وحل الأزمة السياسية التي تعيشها مصر.
○ ما الذي يمكن أن يفعله حتى يكون رئيسا لكل المصريين؟
• السيسي كان يمكن أن يكون حلا للأزمة السياسية التي بدأت قبل يوم 30/06، لكنه اختار بما فعل يوم 03/07 أن يكون هو الأزمة وليس حلا لها. بالرغم من أنه يمثل مؤسسة مهمة ومحترمة من قبل الشعب المصري، وهي «الجيش» التي يحترمها الجميع، ويقدرونها، لكن طموح السيسي الشخصي في الرئاسة أصبح عائقا وهو ما حرك كل الأزمات في اتجاه التعقيد وليس الحلحلة.
○ نفهم من هذا أن السيسي لو أبعد ناظره عن كرسي الرئاسة ولعب دورا في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء لنجح في هذه المساعي؟
• أعتقد أن ترشحه في حد ذاته كان خطأ كبيرا وأظن أنه خرج للرأي العام من دون رؤية واضحة أو خطة إصلاح سياسي وهو ما يجعلنا لا نتفاءل بأنه قادر على طرح رؤيا في المستقبل لها علاقة بحل الأزمة.
○ البعض يتساءل كيف أن أيمن نور في أيام مبارك، أي في عهد القمع كان له صوت مسموع، والأن صوته بات خافتا؟
• (يبستم بهدوء، ثم يجيب) أبدا، صوتي لم يتغير، وحِدّة صوتي لم تنخفض ولم ترتفع لكن الظرف الموضوعي في مصر تغير واختلف، كل ما في الأمر أننا كنا في زمن ينظر إلى الشجاعة رمزا لها ارتفاع صوتنا، ولما كنا في زمن تعد فيه الشجاعة رمزا لهذه الجرأة فتصور الناس أن صوتنا مرتفع، بينما الحقيقة هو أنه ذاته، وفي زمن قل فيه العقل فكنا صوتا للعقل، فتصور الناس أن صوتنا انخفض بينما الحقيقة أن صوتنا لم يتغير، والآن المعادلة مختلفة، فانا موقفي واضح ومحدد حيث أنه متصل مع مبادئي وقيمي الليبرالية التي لم أفرط فيها لا في الماضي ولا في الحاضر … وهناك من يتساءل: لماذا شاركنا في انتخابات مبارك، ولم نشارك في انتخابات السيسي؟
○ بالضبط، هذا هو السؤال الذي كنت بصدد طرحه عليك.. ما الفرق إذا؟
• هناك فرق جوهري وخطير، عندما خضنا انتخابات 2005 كان النظام يريد أن يوصل رسالة للعالم أنه لا بديل لحسني مبارك إلا جمال مبارك، وبالتالي كان حريصا على ألا يكون هناك منافس، وكنا أكثر حرصا أن ننافسه، وأن نثبت للعالم كله وللرأي العام في مصر أن هناك بدائل موضوعية أفضل من مبارك وابنه جمال، ولهذا خضنا الانتخابات. في 2014 ماذا يريد «مبارك الجديد»؟ كان يريد منافسين كي يقول أنا لست رئيسا بانقلاب، بل أنا أتيت إلى الحكم من خلال انتخابات تنافسية بين عدد من المرشحين، ولهذا أراد النظام أن ندخل هذه المعركة كمنافسين صوريين لإستكمال شكل هو يريده ونحن رفضنا وقطعنا عليه هذه الخطة.
○ أليس من الخطأ أن تقاطع الكفاءات المصرية المشهد السياسي وتترك مكانها شاغرا؟
• هذا لا نعتبره مشهدا حقيقيا، بل هو مشهد مصطنع، وسطحي، وبالتالي البقاء خارجه هو نوع من أنواع التسامي، عن التورط في مشهد غير مشرف وسيتحمل من يساهم فيه المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ.
○أليس هذا نوعا من الهروب من مواجهة الحقيقة؟
• أنا شخصيا لم أنسحب من الساحة، والحزب الذي أتشرف بالنضال فيه لم يترك مكانه شاغرا في الساحة، لكننا اتخذنا موقفا سياسيا من انتخابات لا تستوفي شروطها ولا المعايير القانونية والديمقراطية المعتمدة في أي دولة في العالم، فالممارسة السياسية تتطلب قواعد ونحن لا نراها موجودة حاليا، ولا نريد أن نساهم في تزييف إرادة الناس والتأثير على وعيهم وهذا ليس عهدنا، ولا عهد حزب الغد، ولا يمكن لحزب غد الثورة أن يساهم في تضليل الناس والرأي العام، وبالتالي نحن موقفنا سياسي بامتياز، وهو موقف إيجابي، وفاعل ونعتقد أن المصريين استجابوا لدعاوي المقاطعة التي نحن طرف فيها، ونحن تأكيد على أن هذا السلوك هو الحل الأمثل، والاستجابة التي ظهرت أيام الانتخابات تؤكد أن هذا هو الخيار الأقرب لمشاعر الناس، ونحن دوما نراعي توجهات الرأي العام المصري.
○ ما هي الخطوات اللازمة لخروج مصر من النفق الذي دخلته منذ ثورة يناير أي منذ الإطاحة بنظام حسني مبارك؟
• هناك استحقاقات هامة للمرحلة المقبلة أذكر ثلاثة منها على الأقل، وأولها أن على كل القوى سواء التي كانت مع السيسي أو التي كانت ضده ما قبل الانتخابات، أن تراجع خطابها السياسي وتراجع آلياتها، لتحديد بدائل جديدة تتفق مع هذه المرحلة. وهناك استحقاق آخر على مستوى قوى ثورة يناير ونعتقد أن هناك بيانات وحركات متعددة خرجت من بروكسل ومن القاهرة نحن نساندها وشاركنا فيها، لأنها تهدف أساسا للملمة تيارات الثورة المصرية والدفاع عن المبادئ التي قامت من أجلها ثورة يناير. اما الاستحقاق الثالث فهو يقع على عاتق الرئيس الجديد الذي يجب أن يدرك خطورة الوضع الحالي وما يفرضه من تحديات لتجاوز مظاهر الكراهية والتحريض، وتنامي التجاذبات الموجودة في الساحة السياسية والدور السلبي للإعلام الموجه. كل هذه العوامل مجتمعة تصنع استبدادا ولا تساهم في تعزيز مبادئ الديمقراطية التي ناضل من أجلها الجميع، ونحن في سنة 2014 ولم نعد في مطلع سنة 1954، وإذا لم يدرك أننا في عصر جديد، وأننا في عهد ثورة جديدة لم تمض عليها سوى ثلاث سنوات، فنحن نعتقد أنه سيصّعب فرص الخروج من المأزق سوى بحلول ثورية، وكنا نتمنى أن تكون لديه حلول إصلاحية وعليه أن يقدم ما لديه أكثر واكثر، وأن يتحدث عن نفسه بشكل أفضل لندرك جيدا ما يريده، لأننا لا نستطيع أن نقول أن الصورة الذهنية للرئيس السيسي هي صورة ذهنية إيجابية..
○عفوا ماذا تقصدون بالصورة الذهنية للرئيس السيسي؟
•أن يكون رئيسا لكل المصريين وفوق «الطرفية»، وهو الآن طرف في هذا الصراع، بالرغم من أنه كان يمكن أن يكون بعيدا عنه لكي يثق فيه الناس، حتى يدير المرحلة المقبلة التي يريدها الناس أن تكون أفضل من الواقع الذي نعيشه الآن.
○ لو فتح الرئيس السيسي أبوابه لكافة الأطراف للمشاركة في مسار مصالحة وطنية هل ستشاركون في هذه المساعي؟
•المصالحة ليست دعوة لحضور حفل زفاف، لأنها عملية سياسية لها قواعد وأسس وأن تتوفر معها الضمانات وتكون هناك تطمينات بتهيئة المناخ واثبات حسن النوايا، بالقطع سنرحب بالحوار في هذا الاطار.
○ما هي طبيعة الضمانات التي تطالبون بها للمشاركة في مساع للمصالحة؟
• المصالحة ليست طاولة يجلس عليها الجميع، هي أساسا قواعد يتفق حولها الجميع، وهي تعني العدالة، كما أنها لا تعني التفريط في الدم أو في الحقوق ولا في الحريات. والمصالحة تعني الاتفاق على مبادئ تحترم كل هذه المقدسات. وإذا ما وصلنا لهذه الحالة، أعتقد أن المصالحة تكون قد استوفت شروطها كي تبدأ الاجراءات العملية لتجسيدها واقعيا. أما إذا لم تستوف هذه الشروط من البداية، ولم تتضح النوايا الحقيقية فستبقى دعوة صورية، ونحن لا يمكن أن نشارك ﻻ في انتخابات صورية ولا في دعوات صورية.
○ بما أن لديك علاقات مع كافة الأطراف الفاعلة في مصر وتقف في نقطة قريبة من الجميع، لم لا تقوم بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الإخوان والسلطة من أجل وقف شلال الدماء التي تسيل؟
• ﻻ احب لعب دور السمسار أو الوسيط، لكنني في واقع الأمر شريك في العملية السياسية، وعندي مسافات متساوية ومساحات للتواصل مع الجميع، وتوجد حقيقة مساع لإصلاح ذات البين بين الشركاء في الوطن الواحد، ونحن أول من يسعى لهذا الدور انطلاقا من تجارب سابقة تسمح بأن نكون فاعلين ومؤثرين.
○ بعض المناوئين للسيسي يتحدثون عن تعاظم دور السعودية والإمارات بعد الانتخابات وزيادة حجم تدخلها في شؤون مصر.. ماهي قراءتك لذلك؟
• الثورة المصرية واجهت تحديات داخلية من خلال الدولة العميقة، وأيضا واجهت تحديات إقليمية من خلال أنظمة ودول بعضها كانت له مخاوف كبيرة من هذه الثورة وردود أفعالها على المستوى الإقليمي، كنا نتمنى أن يفهم الجميع أن الثورة المصرية هي مصرية وليست للتصدير، وأن هذه المخاوف هي هواجس وليست مخاوف مشروعة، وبالتالي لم تكن هناك ضرورة لإقحام أطراف إقليمية بهذا الحجم من التوغل في الشأن المصري، ونحن لا نحبذ هذا ولا نقبل به لا من هذا الفريق ولا من الآخر.
○ لمن توجه هذه الدعوة تحديدا؟
• لكل الدول الإقليمية والدولية من دون استثناء نقول لها مثلما خاطب السادات ذات يوم الفرقاء اللبنانيين: «إرفعوا أيديكم عن مصر، واتركوا مصر للمصريين».
○متى يعود الدكتور أيمن نور لمصر، وهل وجوده في لبنان هو هروب من ضغوط فرضت عليه في بلاده؟
• في رأيي إن الذي يهرب يكون ذلك من شيء، ونحو أمر ما، وأنا ليس لدي ما أهرب منه ولا إلى ما أهرب إليه. أنا في مرحلة راحة بعد قضائي 30 سنة في النضال السياسي، لم أنل فيها ولو يوم راحة باستثناء طبعا أيامي في السجن، وهذه الاجازة لها أسباب صحية، ثم تحولت إلى حالة من القرف من مسار أنا لست راضيا عنه ولا أريد أن أمنح شرعية لمن لا شرعية له في الدخول في لعبة واضحة المعالم. وأكشف للقراء من خلال حواري هذا مع «القدس العربي» أنني سوف أعود إلى مصر وقريبا، وأمر عودتي محسوم، وهذا لا يعني أنني أخشى من أمر أو متوجس من شيء ما، لأن الذي لم يخف من بطش مبارك، لن يخشى بطش السيسي.
○ لو طلبنا منك المقارنة بين عهدي مبارك والسيسي، هل زادت درجة تفاؤلك أكثر أم تشاؤمك من مقبل الأيام؟
• بالرغم من التشابه في الخلفية وفي نمط التعامل مع القضايا الأساسية بين مبارك الأول، ومبارك الثاني (يقصد به السيسي) لكن الظروف مختلفة. «مبارك الجديد» جاء بعد ثورة نحت مبارك الأول، فإذا تصور الأخير أنه يستطيع أن يكون نسخة من الأول فهو يستنسخ طريقة نهاية سلفه أي مبارك الأول، وأعتقد أن أي شخص عاقل لا يستطيع أن يتصور أن التاريخ يعود إلى الخلف. نحن أمام لحظة تاريخية مفصلية في حياة مصر، ومن أراد أن ينتصر للثورة سيبقى، ومن يريد أن يقود الثورة على الثورة أعتقد أنه حكم على نفسه بالنتيجة التي تؤدي إلى حالة مشابهة إلى يوم ثورة يناير 2011، بخروج مبارك من المشهد السياسي بالطريقة التي يعرفها الجميع.
سليمان حاج إبراهيم