أخيرا اعتذر توني بلير، جاء ذلك في مقابلة حصرية لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق مع قناة «CNN» الأمريكية، حيث قال: «أستطيع القول أنني أعتذر عن الأخطاء وعن حقيقة أن المعلومات الاستخبارية التي تلقيناها كانت خاطئة، وحتى مع استخدام النظام العراقي السابق للأسلحة الكيميائية ضد شعبه وضد آخرين، إلا أن ما ظننا أنه يمتلكه لم يكن موجودا بالصورة التي توقعناها. تصريح بلير أعاد فتح ملفات كذبة أسلحة الدمار الشامل التي كان العراق يمتلكها عشية الحرب التي شنتها عليه الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 مستخدمة ذريعة أسلحة الدمار الشامل للاطاحة بنظام تعتبره مارقا عن قوانين النظام الدولي الجديد الذي رأى النور بعد الحرب الباردة، لذلك حاولنا ان نتعرف على قصة البرنامج النووي العراقي الذي مثل جزءا مهما من( منظومة أسلحة الدمار الشامل) التي كان العراق يسعى لامتلاكها مع أحد الباحثين والعلماء الذين شاركوا في صناعة البرنامج النووي العراقي وهو الدكتور تحسين الشيخلي.
الدكتور تحسين الشيخلي حاصل على شهادة دكتوراه دولة في المعلوماتية (هندسة البرامجيات ) من جامعة غرب بريتاني- فرنسا عام 1985. عمل في مجال تكنولوجيا المعلومات منذ عام 1975، ثم باحثا في البرنامج العلمي العراقي في منظمة الطاقة الذرية، وبعد حرب الخليج عام 1991 التي أدت إلى تدمير البرنامج النووي العراقي انتقل للعمل استاذا في الجامعة التكنولوجية وجامعة صدام قبل ان تتحول إلى جامعة النهرين ومعهد الدراسات العليا للمعلوماتية.
○ إذا أردنا ان نحكي قصة البرنامج النووي العراقي فمن أين نبدأ؟
• في البدء افضل استخدام اسم (البرنامج العلمي العراقي) وقد كان البرنامج النووي جزءا من هذا البرنامج العلمي، لان هنالك حلقات متصلة في أكثر من مجال، والبداية الحقيقية كانت في منتصف الخمسينيات عندما كان العراق عضوا في حلف بغداد المدعوم من الغرب، وبعد ان ذهل العالم من تفجير قنبلتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان، سعت الولايات المتحدة إلى نشر «برنامج الذرة من أجل السلام» الذي طرحه حينها الرئيس الأمريكي ايزنهاور، وفي هذا الاطار كان من المقرر ارسال مفاعل نووي صغير بقدرة 5 ميغاواط للاغراض البحثية للعراق، لكن حصول ثورة 14 تموز 1958 غير من توجهات الولايات المتحدة بعد ان كان المفاعل في طور الشحن للعراق وتقرر ارساله بدلا عن العراق إلى إيران وفعلا تم تنصيبه في جامعة طهران وابتدأت إيران عهدها النووي البحثي بهذا المفاعل. لقد كان الدكتور ضياء جعفر المسؤول عن مجلس الاعمار وهو من كان يسعى إلى امتلاك المعرفة للدخول إلى النادي الذري العالمي، وقد سمعت من ابنه العالم العراقي الدكتور جعفر ضياء جعفر الذي كان أحد أهم المسؤولين عن البرنامج النووي العراقي قوله ان الوالد (د.ضياء جعفر) كان يعتبر هذا الامر العتبة المهمة لمغادرة العراق من عداد الدول النامية إلى دولة من الدول المتقدمة، وقد كان العراق الدولة التي لم يمر على انشائها سوى ثلاثة عقود هو الدولة العربية الاولى الساعية في هذا المجال.
بعد 14 تموز/يوليو 1958 التي شكلت نقطة تغير كبرى في مسار تاريخ للعراق، خرج العراق من حلف بغداد وتحول باتجاه التعاون مع الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية، وتم الاتفاق مع موسكو على تزويد العراق بمفاعل بديل للمفاعل الأمريكي بقدرة 2 ميغاواط لاغراض الأبحاث تم تطويره بعد ذلك ليصبح بقدرة 5 ميغاواط، وكان العراق يعتمد كليا على الاتحاد السوفييتي في تزويده بالوقود الذري وتحت اشراف منظمة الطاقة الذرية الدولية تم انجاز تنصيب المفاعل الروسي الذي اطلق عليه اسم 14 تموز تيمنا باسم الثورة وابتدأ العمل عام 1967 وبذلك أصبحت هنالك أرضية عملية للقيام بابحاث كانت منصبة على تطوير بحوث الزراعة والبايولوجيا وإنتاج النظائر المشعة للأغراض الطبية كبديل عما كان يستورده العراق من بريطانيا في هذا المجال. ففي مجال الزراعة تم العمل على بحوث الحنطة المعفرة لزيادة إنتاج العراق من الحبوب، وفي مجال البايولوجيا تم تطوير لقاح نيوكاسل للطيور لزيادة الثروة الحيوانية. ولم تكن هنالك أي فكرة لأستخلاص البلوتنيوم لأغراض عسكرية إذ كانت الجهود منصبة على التطوير العلمي، وقد اطلعت على بحوث في مكتبة الطاقة الذرية في مجالات عدة في تطوير استخدامات سلمية للطاقة الذرية من تلك الفترة.
المرحلة الثانية من البرنامج العلمي العراقي كانت بعد 1973 وكان هنالك جهد متميز لشخص لعب دورا كبيرا هو الدكتورعبد الرزاق الهاشمي الذي سعى إلى العمل على ما عرف بنقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة، ومع تأميم حصص شركات البترول العاملة في العراق وارتفاع أسعار البترول العالمية حصلت وفرة مالية كبيرة في مدخولات العراق، ابتدأ التفكير جديا في هذا المضمار عبر تخصيص نصف مليار دولار لهذا المشروع، عبر ما عرف بمجلس سياسات البحث العلمي المنصبة على خلق نهضة علمية في العراق، وهذه مرحلة مهمة من البرنامج العلمي، إذ انها لا تقوم على شراء معدات أو تقنيات وتنصيبها في العراق فقط، أو كان هذا الجزء الأسهل من البرنامج أما الجزء الأهم فهو خلق واعداد وتدريب جيل من الباحثين والعلماء القادرين على التعامل مع التقنيات الحديثة وامكانية التعامل معها وتطويرها في شتى المجالات العملية التي يحتاجها العراق، وكان القرار السياسي في الانفتاح على الغرب عبر شراء المعلومات والمعدات وارسال البعثات في مختلف التخصصات مثل الكيمياء والفيزياء والزراعة والري والطب وغيرها لتدريب الكوادر العلمية وتجميع القدرات فيما عرف بمنظمة الطاقة الذرية العراقية.
○ في هذه المرحلة هل كان للقرار السياسي اليد العليا في اتخاذ القرارات وخصوصا مع وجود صدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في رئاسة منظمة الطاقة الذرية العراقية، كيف ترى ذلك؟
• لنكن واضحين في هذه المسألة. القيادة السياسية كانت تسعى وتضع الخطط لخلق نهضة علمية في العراق عبر الجامعات ومراكز الأبحاث والتخطيط، هذا كان دور المؤسسة السياسية وما عدا ذلك كان الدور الأهم للعلماء والباحثين المتعطشين لتطوير بلدهم وتطبيق ما تعلموه في بعثاتهم التي ارسلوا لها في الغرب، أما كون صدام حسين على رأس المنظمة فهو اجراء عادي لان أغلب دول العالم كان من يشرف على برامجها النووية هو الشخص الثاني في هرم السلطة السياسية، كأن يكون نائب الرئيس أو رئيس الوزراء وهكذا، ولكن شخصا طموحا مثل صدام حسين بالتأكيد كان له دور مؤثر في تعجيل الدفع في تطوير البرنامج العلمي، وقد فتحت قنوات علمية مهمة في هذه الحقبة مع ايطاليا وفرنسا التي كانت تصدر تقنيات حديثة إلى مختلف دول العالم الثالث مثل إيران وباكستان وإسرائيل وغيرها من الدول الصغيرة الساعية لدخول مضمار البرنامج الذري السلمي، وفعلا تم الاتفاق عام 1976 مع فرنسا ووقع صدام حسين وجاك شيراك عقدا لشراء العراق لمفاعل نووي فرنسي (وقد كانا هما الاثنان في منصب الرجل الثاني كل في دولته)، العقد نص على تزويد العراق بمفاعل شبيه بمفاعل كان موجودا في فرنسا معروف باسم اوزيراس، فكان المفاعل الذي سيصدر إلى العراق باسم (اوزيراك ) وهو بطاقة 70 ميغاواط عرف في العراق باسم مفاعل (تموز) وكان ملحقا معه مفاعل صغير لأغراض البحث بقدرة نصف ميغاواط ويستخدم كمفاعل تجريبي للمفاعل الكبير ومختبرات مكملة لعمل المفاعل الكبير، كل ذلك كان ضمن الأغراض العلمية السلمية ولم يكن العراق يفكر ان يعمل على برنامج عسكري، وقد كان من الدول الموقعة على منع انتشار الأسلحة النووية وكل مشاريعه معلنة أمام منظمة الطاقة الذرية الدولية. لكن تغير الحكومة الفرنسية أدى إلى مماطلة فرنسية واضحة في تنفيذ العقد العراقي، بسبب نفوذ اليمين الفرنسي الذي شبه إعطاء التكنولوجيا الذرية للعراق بإعطاء سلاح نووي لمجنون (كان ذلك انتقادا كاريكاتيريا في احدى الصحف الفرنسية لجيسكار ديستان وعقده مع العراق) ومن ضمن المشاكل التي واجهها الجانب العراقي في التفاوض هو عدول الفرنسيين عن تزويد العراق بوقود عالي التخصيب (أكثر من 90٪ ) واستبداله بوقود منخفض التخصيب (أقل من 20٪ ) لان النوع الاول بحسب ادعاء الفرنسيين يمكن العراقيين من إنتاج السلاح الذري بينما مع الوقود من النوع الثاني يستحيل تحويل البرنامج من سلمي إلى عسكري. يضاف إلى ذلك القلق الإسرائيلي من دخول دولة عربية إلى عالم التكنولوجيا المتطورة حتى لو كنت لأغراض سلمية، وكانت فرنسا وأمريكا وإسرائيل تعرف ان هذا المفاعل لا يمكن استخدامه لإنتاج البلوتونيوم ولا سيما في ضوء الرقابة الدولية على تشغيله، ورغم ذلك ادعت إسرائيل ان هذا المفاعل قادر على انتاج 12 كيلوغراما من البلوتونيوم في السنة، أي بواقع قنبلتين نوويتين، لذا فقد سعت إسرائيل عبر ضغطها أو استعمال نفوذها وترهيبها لمنع وصول المفاعل للعراق عبر عدة طرق. فقد تم تفجير قلب المفاعل المهيأ للشحن إلى العراق في المستودعات التي خزن فيها قلب المفاعل في ميناء سانت سورمير في 7 نيسان/ابريل 1979،وفي 13 حزيران/يونيو 1980 تم اغتيال العالم المصري يحيى المشد الذي كان يعمل في البرنامج العراقي وكان موفدا إلى باريس لاتمام اتفاق شحن المفاعل إذ اغتالته الموساد في الفندق الذي كان يقيم فيه في باريس، وفي 13 كانون الاول/ديسمبر 1980 تم اغتيال المهندس العراقي عبد الرحمن رسول وهو أحد العاملين في لجنة الطاقة الذرية العراقية، واخيرا تم تدمير المفاعل بغارة إسرائيلية في 7 حزيران/يونيو 1981 بالهجوم على موقع المفاعل في موقع التويثة الواقع جنوب بغداد قبل يوم واحد من افتتاح المفاعل رسميا من قبل الفرنسيين.
○ ماذا حصل بعد الضربة القاصمة التي وجهت إلى نواة المشروع النووي العراقي من قبل اسرائيل؟
• كان العراق في هذه الفترة بداية الثمانينيات يخوض حربا قاسية مع إيران، وبعد الضربة الإسرائيلية حصل تخبط أو عدم وضوح في الرؤية في هذا الخصوص، واقترح البعض إيجاد بدائل دولية غير فرنسية للحصول على مفاعل جديد، وطرحت ايطاليا بديلا عن فرنسا، إذ كان العراق قد استورد مفاعلا بحثيا صغيرا من إيطاليا عام 1978، لكن الغرب عموما كان متحفظا تجاه منح العراق تكنولوجيا متطورة، وكأني بفرنسا قد تنفست الصعداء بعد الضربة الإسرائيلية وانهاء حالة القلق التي يعيشها الغرب من إمتلاك بلد مثل العراق لهكذا نوع من التكنولوجيا.
وبذلك لم يعد أمام العلماء والباحثين العراقيين إلا اللجوء إلى التكنولوجيا البديلة التي كانت أدبياتها متوفرة لكونها أصبحت قديمة من الخمسينيات أو الستينيات، وقد تمثل خيار الباحثين العراقيين في خطين أساسيين الأول هو التخصيب بالطريقة الكهرومغناطيسية (EMIS) وهي طريقة معروفة استخدمتها الولايات المتحدة في برنامج منهاتن لإنتاج القنابل النووية الاولى التي استعملتها في الحرب العالمية الثانية في ضرب اليابان في 6 اب/اغسطس 1945، والطريقة الثانية هي الطرد المركزي (RC)، وقد توزعت جهود منظمة الطاقة الذرية لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب في هذين المجالين، مع بقاء البرنامج المعلن للمنظمة في مجال أبحاث الزراعة والطب والبايولوجيا معلنا أمام اللجان الدولية. أما الخطان الجديدان فكانا ضمن إطار السرية في البرنامج العراقي، وكان العمل عليهما يتم بالاعتماد على الجهود العراقية وشراء ما نحتاجه من مواد من السوق العالمية المفتوحة، أي شراء مواد خام يتم تصنيعها بسرية في العراق بجهود فنية عراقية، لكن كانت الفترة الممتدة من 1987 إلى 1990 هي الفترة العصيبة التي صارع فيها الباحثون الزمن للوصول إلى نتائج ملموسة. وللأمانة يجب ان نقول ان العراق لم يصل إلى انتاج كمي من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن ان يستعمل لأغراض عسكرية لكنه كان يسعى في هذا الاتجاه، كذلك لم يكن العراق يمتلك تكنولوجيا المعالجة العسكرية لصنع روؤس نووية أو صواريخ تحمل ما ينتج وكانت أيضا هنالك بحوث في هذا الاتجاه، وكل ذلك كان مخفيا عن أنظار منظمة الطاقة الدولية.
وكان هنالك صراع آخر يجب الاشارة إليه بين مؤسسات التصنيع العسكري التي كان يشرف عليها حينها صهر الرئيس العراقي الفريق حسين كامل وعلماء الطاقة الذرية، حتى كان القرار عام 1987 بضم المشروع النووي العراقي السري إلى هيئة التصنيع العسكري، وأصبح الدكتور جعفر ضياء جعفر ومجموعة العلماء والباحثين والفنيين العاملين معه تحت إمرة حسين كامل. الغرض من هذا القرار كان تسهيل التواصل بين الجهتين وتعجيل الحصول على نتائج سريعة في مجال عمل البرنامج العراقي عبر تذليل الصعوبات التي قد يواجهها المشروع، لكن شخصية مثل حسين كامل غير عارفة بالماهية العلمية لما يدور كان يضغط على العاملين معه للحصول على تصريحات حتى وان كانت غير دقيقة ليقدمها للقيادة السياسية على انها انجازات وهذا ما تسبب في زيادة في الضغط على العاملين، حتى وصل البرنامج العراقي إلى المفترق القاتل بعد أزمة احتلال الكويت، وبعدها حيث دمرت غارات التحالف البرنامج النووي العراقي المخفي والمعلن حيث طال القصف أغلب منشأت الطاقة الذرية العراقية وبضمنها المفاعلات البحثية الصغيرة (المفاعل الروسي والمفاعل الإيطالي).
○ مالذي حصل أثناء غارات التحالف وما هي الآلية التي تعاملتم عبرها مع المفتشين الدوليين بعد ذلك؟
• الحقيقة الثابتة التي يجب ان تقال ان البرنامج النووي العراقي قد تم تدمير أغلب بناه في الغارات التي شنتها قوات التحالف في كانون الثاني/يناير 1991، لكن القدرات العلمية من علماء وابحاث كانت ما تزال في حوزة العراق. وبعد صدور القرار786 في نيسان/ابريل 1991 والذي وافقت عليه الحكومة العراقية، وبموجب هذا القرار فإن تدمير كافة أسلحة الدمار الشامل العراقية يجب ان يتم بمعرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر إرسال لجان تفتيش، وكان علماء وفنيو الطاقة الذرية لديهم تعليمات من حسين كامل باخفاء المعلومات عن المفتشين وعدم التعاون معهم وإيجاد أماكن بديلة للوثائق وإخفاء أجزاء من بقايا المشروع النووي العراقي، وقد تمت مناقلة وإخفاء العديد من المعدات والوثائق. وللأمانة انا أرى ان هذا الأمر كان من الأمور التي أطالت أمد الحصار على العراق لان المفتشين في كل مرة كانوا يعثرون فيها على معلومات كان العراق يخفيها كانت تزيد عدم ثقتهم بالعراق، بل قام عدد من العاملين بتدمير جزء من معدات البرنامج النووي العراقي بناء على أوامر تلقوها من حسين كامل في صحراء غرب العراق دون إشراف المفتشين، وعندما حان موعد الكشف عن هذه المعدات بعد ذلك لم يكن هنالك امكانية لاقناع المفتشين ان العراق قد دمرها وبالتالي دخلنا في لعبة القط والفأر مع المنظمة الدولية دون ان نستطيع إثبات حسن النوايا، واستمرت الحالة حتى هروب حسين كامل إلى الاردن على إثر الخلاف الذي نشب بينه وبين القيادة العراقية، وهنا كانت تعليمات القيادة السياسية للعاملين في البرنامج العراقي واضحة، ان اكشفوا كل شيء للمفتشين حتى لا تكون هنالك أوراق ضغط قد يمتلكها حسين كامل في منفاه قد تضر العراق. لكن هذا الأمر كان متأخرا بعد ان فقدت الثقة بيننا وبين المفتشين ودخل العراق في دوامة الكشف عما يمتلك من قدرات ومهما كشفنا لهم كانوا يطالبون بأكثر قد يكون مخفيا.
○ هل كان المفتشون على علم بكل البرنامج النووي العراقي عندما ابتدأوا عملهم؟
• لا طبعا، لقد كان خط الفصل بالطرد المركزي مثلا الذي عرف في العراق بموقع (الأثير) في منطقة المسيب جنوب بغداد كله غير معروف للمفتشين والعراقيون كشفوه لهم، وقد تفاجأ المفتشون بما كنا قد توصلنا له بقدراتنا الذاتية، كما ان عددا من المنشآت الساندة لمشروع الفصل الكهرومغناطيسي مثل مصنع الربيع الميكانيكي ومصنع الزوراء لإنتاج معدات السيطرة الالكترونية لم يكن معروفا للمفتشين، وكل هذه المواقع نجت من القصف، وتم الكشف عنها للمفتشين بعد ذلك وتم تدميرها بالاتفاق بين العراق وبين لجنة اليونسكوم (UNSCOM) لكن كما قلت لك ان السنوات الاربع الأولى من تعاطي منتسبي البرنامج العراقي مع المفتشين قد اتسمت بالمخاتلة وعدم الشفافية مما انعكس سلبا بعد ذلك على علاقة العراق بالمنظمة الأممية وهذا ما أخر أو سمح للغرب بالمماطلة برفع العقوبات عن العراق.
○ لقد دمر البرنامج العراقي الواعد عبر قصف طائرات التحالف أو باشراف المفتشين الدوليين بعد ذلك، لكن ماذا حل بالعقول العراقية التي انجزت البرنامج النووي العراقي؟
• الحقيقة لقد كانت الضغوط هائلة على علماء وباحثي وفنيي البرنامج النووي العراقي، فهم مضطرون للعمل في بلد تحت الحصار وهم يرون حلمهم بالوصول إلى بلد متقدم يتحطم أمام أنظارهم، بالاضافة إلى معاناتهم ويلات الحصار في الداخل أو التهديد لمن استطاع الهرب منهم إلى الخارج إذ ربما كانوا أهدافا للعديد من الجهات خارج العراق. وبقي الحال على ما هو عليه حتى الغزو الأمريكي وسقوط النظام السابق، اذ تمت تصفية عدد من العلماء العراقيين حتى من كان منهم قد انتقل إلى المؤسسات الاكاديمية في الجامعات العراقية، وكما يعلم الجميع ان العراق بعد 2003 أصبح ساحة مفتوحة لجهات عديدة اقليمية ودولية لها أجندات مختلفة تسعى لافراغ العراق من عقول أبنائه المبدعة التي قد تساهم في بناء ونهوض العراق من جديد، فكانت خسارتنا من العلماء العراقيين كبيرة ولا تعوض لان ما يفقد من هذه العقول لا يمكن تعويضه إذ ان مسألة شراء ونقل التكنولوجيا هي الجانب الأسهل من التطوير والتحديث، أما الجانب الأصعب فهو بناء القدرات البشرية التي يقع على عاتقها بناء وتوطين التكنولوجيا الحديثة.
صادق الطائي