د. ريما خلف: الدول العربية تواجه جسما واحدا من التحديات ولا تقتصر على الاستباحة الخارجية والاستبداد الداخلي

نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: أثناء زياراتها المتعددة للمقر الدائم للأمم المتحدة، من الصعب اقتناص ساعتين من الفراغ لتتحدث مع وكيلة الأمين العام والأمينة التنفيذية الدكتورة ريما خلف الهنيدي التي تجلس على قمة هرم اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، الاسكوا، ومقرها بيروت.
والاسكوا هي الذراع الإقليمي للأمم المتحدة، وهي معنية أساسا بقضايا التنمية سواء في الميدان الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيئي أو التقني، وبدعم التكامل الإقليمي في المنطقة العربية.
 
وأثناء ترؤس الدكتورة ريما خلف للاسكوا انضمت إليها أربع دول عربية، لتكون 18 دولة عربية من أصل 22 أعضاء فيهاـ ما يحوّلها إلى منظمة معنية بشؤون المنطقة العربية كلها لا غرب آسيا فحسب، ويؤكد قناعتها وقناعة الدول الأعضاء فيها أن المشاكل العربية تحتاج حلولاً عربية.
وقد أصدرت الاسكوا تقارير رائدة عن تحديات التنمية في العالم العربي، من بينها تقرير عن التكامل الاقليمي العربي بعنوان «التكامل العربي سبيلاً لنهضة إنسانية» اقترحت فيه رسميا خلق منطقة مواطنة عربية حرة، بحيث يتمتع فيها مواطنو أي دولة عربية بكامل حقوق المواطنة في أي دولة عربية سواها. وتصدر الاسكوا تقريراً سنوياً عن تبعات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين يتعرض بشيء من التفصيل للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني وللقانون الدولي، ما جعلها هدفاً للهجوم المستمر من قبل مندوبي إسرائيل في الأمم المتحدة، حيث وجهوا للدكتورة خلف عدة اتهامات بتجاوزها حدود عملها والتحامل على إسرائيل.
وقبل أن ندخل في الحوار المعمق والمتعدد الجوانب مع خلف نود أن نقدم نبذة مختصرة عن إحدى أهم السيدات العربيات اللواتي احتللن أعلى المواقع في السلم الوظيفي في الأمم المتحدة من جهة وفي بلدها الأردن من جهة أخرى.
عملت خلف وزيرة للصناعة والتجارة في الأردن بين عامي 1993 و 1995 ثم وزيرة للتخطيط بين عامي 1995 و 1998 ثم عينت نائبة لرئيس الوزراء بالإضافة إلى حقيبة وزارة التخطيط بين عامي 1999 و 2000.  انتقلت للعمل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي رئيسة للمكتب العربي برتبة أمين عام مساعد بين عامي 2000 و 2006.  في هذه الفترة أنجزت بمساعدة عدد من الخبراء العرب مجموعة تقارير حول «التنمية الإنسانية العربية» وقد صدر التقرير الأول عام 2002 والذي تحدث عن النواقص الأساسية في العالم العربي وهي الحرية وتمكين المرأة والمعرفة، ثم صدر عام 2003 التقرير الثاني تحت عنوان «بناء مجتمع المعرفة» وقد حصل التقرير الثالث عام 2004 بعنوان «نحو الحرية في العالم العربي» على جائزة «الملك حسين للقيادة الإنسانية».
اختارها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عام 2010 أمينة تنفيذية للاسكوا برتبة وكيل أمين عام وما زالت تشغل هذا المنصب الرفيع.
وحصلت خلف على العديد من الجوائز والميداليات من بينها «جائزة الجامعة العربية لأكثر السيدات العربيات تميزا في ميدان المنظمات الدولية».

○ نبدأ بسؤال يتعلق بحملة التشويه التي تمارسها إسرائيل ضد ريما خلف؟ ما هي الحكاية بالضبط  وما هو موقف الأمين العام من هذه الحملة؟
• لست المسؤولة الأممية الوحيدة التي تعرضت لحملات تشويه من قبل المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة. فإجمالا يتعرض لمثل هذه الحملات كل مسؤول أو منظمة توثق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي وتنتقد الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. وعادة ما تهدف إسرائيل من وراء هذه الحملات إلى ترهيب المسؤولين الدوليين، لإسكاتهم، فهي عملياً تقول لهم إن تمسكهم بالمثل والقيم العليا التي أقسموا على الالتزام بها سيكون مكلفاً لهم، وإن عليهم أن يغضوا الطرف عن الممارسات الإسرائيلية إذا ما أرادوا كف شر إسرائيل عنهم. وأنا سعيدة أن هذه الحملات فشلت في تحقيق أغراضها. فالعديد من زملائي وزميلاتي من المسؤولين في الأمم المتحدة يصرون على التمسك بالحقيقة والحق، ويرفضون مهادنة الباطل رغم ما يسببه ذلك لهم من متاعب.
وقد شن هذا المندوب، عدة حملات ضدي وضد الاسكوا بشكل عام لأننا بينّا خطورة الإصرار الإسرائيلي على مفهوم الدولة اليهودية ـ أي دولة لليهود فقط ـ انطلاقاً من رفضنا القاطع لمفهوم النقاء الديني للدول لما جلبه هذا المفهوم على البشرية من كوارث ومآسٍ في القرن العشرين. كما أثار غضب المندوب الإسرائيلي تقارير أصدرتها الاسكوا وثقت الممارسات الإسرائيلية التي تتنافى مع مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي، بما في ذلك تلك التي تحاكي سياسات التمييز العنصري والفصل العنصري، فضلاً عن العقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية والتهجير ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات غير الشرعية. وبينت هذه التقارير أن مثل تلك الممارسات لا تتنافى مع القانون الدولي فحسب، بل إنها أيضاً تحول دون تحقيق السلام في المنطقة ولا تؤدي حتى إلى أمن الإسرائيليين. فها هو الشعب الفلسطيني ينتفض مجددا بوجه الاحتلال وكافة هذه الممارسات، خاصة بعدما تمادت السلطات الإسرائيلية بخروقها واستهتارها بحقوق الشعب الفلسطيني، غير آبهة بأي مساءلة أو محاسبة على المستوى الدولي. فالشعب الذي يجد نفسه محروما من العدالة المؤسساتية المحلية أو الدولية، سيحاول إنفاذ العدالة بيده مستخدما كل الوسائل المتاحة له، وهذه نتيجة طبيعية.
أما موقف الأمين العام، فهو كان ولا يزال داعما لي وللعديد من الزملاء الذين تعرضوا لمثل هذه الحملات، خاصة وأنه يدرك أن المواقف التي تشن الحملات بسببها تنطلق من مبادئ الأمم المتحدة وشرعتها، وأهم هذه المبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض التمييز بين البشر بسبب عرقهم أو دينهم. كمسؤولة مؤتمنة على مبادئ الأمم المتحدة وقيمها، من واجبي ألا أكون محايدة فيما يتعلق بهذه المبادئ والقيم وفي ما يتعلق بالقانون الدولي، خاصة عندما يكون انتهاكها مستمراً منذ عقود، وعندما يعاني نتيجة ذلك ملايين من البشر بحرمانهم من أبسط حقوقهم. وهدفي كما هدف الأمم المتحدة هو أن يعم السلام الحقيقي في فلسطين والمنطقة والعالم. قد أدركنا جميعاً أن ذلك لا يمكن أن يتم من دون العدالة والمساواة، وندرك أيضاً أن هذا الهدف سيتحقق حتماً، وأن الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات سينال حقوقه والعدالة التي ينشدها، وأن واجبنا أن ندعم هذه الشعب في سعيه ليتحقق ذلك في أسرع وقت تجنباً لمزيد من الضحايا والدمار.
○ تحاول الاسكوا أن تبني جسورا من التعاون بين الأعضاء الـ18فهل نجحت في ذلك؟ هل هناك قناعة بأن دور الاسكوا مهم ومتمم لعمل وزارات التخطيط والإحصاء والعمل والزراعة والتجارة؟
• تقدم الاسكوا خبراتها الفنية للدول الأعضاء في مجالين رئيسيين هما التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز التكامل الإقليمي. وأرى في هذا الطلب المتزايد على الانضمام للاسكوا، دليلاً واضحاً على اقتناع دول المنطقة بأهمية الرؤية التنموية التي نقدمها والتي تتضمن طرح بديل يأخذ في الاعتبار خصوصيات المنطقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وثقةً من دولنا في قدرتنا على تقديم الدعم الفني اللازم لتنفيذ هذه الرؤية على المستوى الوطني. وبانضمام خمس دول جديدة من شمال أفريقيا تحولت الاسكوا من منظمة تغطي فقط دول غربي آسيا، وهي منطقة جغرافية لا هوية سياسية أو تنموية لها، إلى منظمة تغطي المنطقة العربية بأكملها تقريباً. وهذا التمثيل للدول العربية بدلا من الاقتصار على الشق الآسيوي منها، أكثر اتساقاً مع تعريف شعوب المنطقة لأنفسهم، وأشد انسجاماً مع مشروعات التكامل العربي التي أقرت منذ خمسينيات القرن الماضي. أعتقد أن تحديات المنطقة كبيرة ولكن هناك أيضاً رغبة وإرادة لدينا للعمل مع الدول لتحويل هذه التحديات إلى فرص، من خلال الاستفادة من التكامل الإقليمي للنهوض بالتنمية الوطنية والعربية الشاملة.
○ في تقريرك الأخير تحدثتم عن التكامل العربي؟ هل لك أن توضحي للقراء ما المقصود بالتكامل العربي؟ كيف يمكن أن يتحقق التكامل وفي أي المجالات؟
• التكامل العربي هو أعلى درجات التعاون، لا بين الدول العربية فحسب، بل بين المجتمعات العربية أيضاً. إن الدول العربية، لاعتبارات التاريخ والجغرافيا، تواجه جسما ًواحداً من التحديات، يبدأ من التدخل الأجنبي والتهديدات الأمنية الداخلية ولا ينتهي بقضايا النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. إن إقليمنا كأنه إقليم من الأواني المستطرقة، تكون نسبة امتلائها بهمومها واحدة رغم اختلاف أشكالها، وهي أوانٍ لا تخلو من هشاشة إن لم يسند بعضها بعضاً.
ولقد أصدرت الاسكوا تقريراً في عام 2014 بعنوان «التكامل العربي سبيلاً لنهضة إنسانية» بيّن بوضوح أن الدول العربية فوتت على نفسها فرصاً هائلة كان يمكن للتكامل العربي أن يتيحها لتحقيق نمو اقتصادي وتنمية إنسانية شاملة وبناء أوطان مزدهرة. وبإهدار هذه الفرص، تعثرت التنمية في عدد من البلدان العربية واتسعت الفجوة التنموية بين البلدان العربية وبلدان نامية أخرى كانت أقراناً لها قبل جيل أو جيلين، وتجذّر في الوطن العربي مسار خبيث من الاستباحة والفرقة والقهر والتخلف.
ودعا التقرير إلى تبني استراتيجية عربية للتكامل تفضي إلى إنشاء منطقة واحدة للمواطنة الحرة العربية، تمكّن كل أبنائها من التمتع بحقوق المواطنة في جميع بلدانها لا في بلدهم الأصلي فحسب. ورأى التقرير أنه فقط بمثل هذا التكامل، يمكن للدول العربية أن تنجح في امتلاك جلّ مقومات النهضة من إرادة حرة، وعلم مبدع، وقدرة حقيقية، وحياة قائمة على التعدد والتجدد.
وترتكز الاستراتيجية على أركان ثلاثة: أولها تعاون سياسي يمكّن العرب من تشكيل كتلة حرجة تحقق المناعة والمنعة لأعضائها وتعمل متجانسة موحدة في المحافل الدولية لإنهاء الاستباحة المزمنة لحقوق العرب، ولتحرير ما اغتصب من أرض عربية. وثانيها تعميق التكامل الاقتصادي وصولاً إلى إقامة وحدة اقتصادية عربية شاملة. وبيّن التقرير أن تحقيق التكامل الاقتصادي سيؤدي إلى زيادة نسبة النمو في البلدان العربية بثلاث نقاط مئوية وأنه سيؤدي إلى تخفيض كبير في مستويات البطالة وسيزيد من تحقيق الرفاه الإنساني في جميع البلدان.
أما الركن الثالث للاستراتيجية، والذي ربما يكون الأكثر إلحاحاً فهو الإصلاح الثقافي والتربوي الذي يعيد إحياء ثقافة الإبداع ويصلح ما أفسدته عصور الانحطاط والاستبداد في الفكر والعلم والأخلاق والقيم، ويفكك البنى الفكرية والثقافية المحركة لنزعات الانغلاق والتطرف، ونزعات التبعية والانبهار بكل ما هو أجنبي. فبمثل هذه النهضة الثقافية تُكوّن النخب المبدعة فتبني مجتمعات المعرفة واقتصاداتها، والتي بدونها لا تستقيم تنمية في عالم غدت فيه المعرفة هي التي ترسم الحدودَ الفاصلة بين الثراء والفقر، وبين القدرة والعجز، وبين الإنجاز والإحباط.
ويقر التقرير أن فكرة التكامل، قد تبدو مجرد خيال في وضع يطغى عليه التشرذم في المشهد العربي والتمزق في بعض بلدانه. لكنه يرى أن هذا الوضع أدعى إلى شحذ الهمم منه إلى الاستكانة. فعندما تتقاذف الوطن أمواج عاتية يكون في أشد الحاجة إلى بوصلة تحدد وجهته نحو المقصد، وإلى مشروع يوجه طاقاته نحو إزالة الخطر الحقيقي الذي يتهدده، وتحقيق أحلام أبنائه وبناته في الحرية والكرامة والأمن الإنساني، وفي الازدهار الاقتصادي والرفاه للجميع.
وبناءً على توصيات هذا التقرير، تعمل الاسكوا بالتنسيق مع جامعة الدول العربية والدول الأعضاء على تقديم الدعم الفني واقتراح السياسات الضرورية لتحسين التعاون العربي في كل المجالات، من منطقة جمركية عربية واحدة، إلى وحدة اقتصادية عربية شاملة، إلى التعاون في مجالات النقل والمواصلات والاتصالات والهجرة والعمل. وفي هذا الإطار دعت الاسكوا لرفع التأشيرات والعوائق أمام حركة البشر والسلع والمنتجات الفكرية بين الدول العربية.
○ العالم العربي يعيش مأزقا حقيقيا يكاد يكون مأزقا وجوديا. هل من تحليل موضوعي لهذا المأزق وكيفية الخروج منه؟
• بعد قرن من تأسيسه، يتعرض النظام الإقليمي العربي لأزمة كبرى، بات معها عاجزا عن القيام بوظائفه الأساسية وهي حماية شعوب المنطقة من الاحتلال الأجنبي ومن الاقتتال الأهلي ثم تحقيق العدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي. وإن كانت بعض الدول العربية نجحت في تحقيق بعض هذه الأهداف في بعض الأوقات، فإن النتيجة الكلية تبدو في أحسن الأحوال متواضعة. إن أربعين في المئة من الدول العربية الأعضاء في الاسكوا تشهد اليوم، أو شهدت خلال السنوات الخمس الماضية، صراعاً مسلحاً أو غزواً خارجياً. وإن قرناً بدأ بالدبابات البريطانية في العراق وفلسطين والمدرعات الفرنسية في سوريا، انتهى بالطائرات الأمريكية والروسية والفرنسية في سماوات العراق وسوريا وباحتلال إسرائيلي جاثم في فلسطين. ثم إن العرب يشكلون خمسة في المئة من تعداد سكان العالم، ولكنهم يشكلون أكثر من خمسين في المئة من تعداد اللاجئين فيه، فإذا ولد المرء في هذه المنطقة، فاحتمال أن يصبح لاجئاً في يوم من الأيام يزيد بثلاثين ضعفاً عنه لو كان مولوداً في غيرها. إن السبب في هذا المأزق الوجودي كما، تسميه ليس الثقافة العربية وليس الثورات العربية، بل هو مزيج من الاستباحة الخارجية والاستبداد الداخلي. وقد ولد هذا المزيج أنماطاً من الحكم تقوم على الطاعة والإجبار لا على القناعة والاختيار، ما أدى إلى اغتراب الحكومات عن مواطنيها واغتراب المواطنين عن حكوماتهم. وقد نجم عن ضعف مؤسسات الدولة والتبعية الاقتصادية وما يلحقهما من انكشاف عسكري قدر لا بأس به من الغضب في صدور الناس، أو به بأس كبير، انفجر بشكل ثورات عارمة عندما توفر الناس على وسائل اتصال تسمح لهم بتحويل الرأي العام إلى فعل عام.
وكرد فعل على هذه الثورات، والتي بدا فيها المجتمع موحداً وقوياً، لجأ البعض إلى مبدأ «فرق تسد» وزرع الفتنة بين فئات المجتمع المتنوعة طائفياً وعرقياً لحماية نظم الحكم. المشكلة هو أن هذه السياسة تدفع الناس إلى الانضواء تحت راياتهم التراثية من مذهب وقبيلة طلباً للحماية التي تمتنع الدولة عن توفيرها، فيتحول التهديد من كونه تهديداً لوجود النظم الحاكمة فقط، إلى تهديد لوجود الدول ذاتها ككيانات للتنظيم البشري. ولا حل للحروب الأهلية المستعرة التي تنتج عن مثل هذه السياسات إلا بعكسها، أي بالمواطنة المتساوية في نظم ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان للجميع.
○ تحدثت في مناسبات عديدة عن إنكسار انتفاضات الحرية. ما الذي أدى إلى مثل ذلك الانكسار؟ هل لأمة يصل تعدادها 350 مليونا أن تنهض وتلحق بركب الأمم والحضارة وقوى المجتمع المدني وخيارات الشعوب وتمكينها وقواها الشعبية معطلة؟ ما المخرج من هذا المأزق؟
• لا أقول بانكسار انتفاضات الحرية وإن كانت قد تعرضت لحملات شرسة لإجهاضها أدخلت بعض البلدان العربية في اقتتالات داخلية وأتون حروب أهلية، المنتصر فيها مهزوم. الثورات العربية في عام 2011 أظهرت للناس قدرة الكثرة العزلاء على غَلْبِ القلة المسلحة. والعزّل يكثرون إذا أجمعوا ويقلون إذا افترقوا. وهذا ما حدث، فحيث افترق الناس على أسس أيديولوجية بين إسلامي وعلماني أو على أسس طائفية بين سني وشيعي، أو على أسس قبلية وجهوية، حدثت الانتكاسات الكبرى. إن ما تحتاجه المنطقة أكثر من أي وقت مضى هو خطاب يكون جذرياً وجامعاً في آن، فلا خير في خطاب جذري يفرق الناس على أسس طائفية أو قبلية، فيدفع فئات مجتمعية بأكملها لوهم الاعتصام بالمستبد، ولا خير في خطاب يطلب رضا الجميع فلا يقدم إلا إصلاحاً تجميلياً، «لأن الجرح ينفر بعد حينٍ…إذا كان البناءُ على فسادِ».
ولكن يجب ألا ننسى إنجازات كبيرة تحققت في بلد مثل تونس التي أضحت الأغنى عربياً بإنجازها الديمقراطي، وبدستورها الذي تقدم على غيره في حماية الحريات والحقوق وصون الكرامة الإنسانية. فرغم الصعوبات التي مرت بها التجربة التونسية، كانت القوى السياسية ومنظمات الجتمع المدني فيها أكثر وعياً فحصّنت البلد من العودة إلى الاستبداد، وحمت المجتمع من الانزلاق إلى الاقتتال، وعززت التداول السلمي للسلطة، فحازت بذلك على جائزة نوبل للسلام وقدمت لنا جميعاً أملاً ونموذجاً في التحرر من الاستبداد وضنك العيش. كما قامت دول كالمغرب بتعديلات دستورية وإصلاحات هامة تساهم في تحول سلمي حقيقي نحو نظام ديمقراطي يعزز المشاركة الشعبية ويحمي كرامة الإنسان وحقوقه .
إن مستقبلنا الذي نريد سيأتي لا محالة، أما طول الطريق إليه وصعوبتها فأمر بأيدينا نحن.

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية