استعرض د. عوض ابراهيم البرعصي نائب رئيس مجلس وزراء ليبيا السابق في هذا الحوار الخاص أبرز النقاط المتعلقة بمبادرته لإحلال السلام والاستقرار في ليبيا وقال انه يهدف لإنشاء تيار شعبي يضغط من أجل السلام مؤكدا على ان الاتفاق السياسي هو الإطار الوحيد للحل لأن البديل هو الفوضى والحرب. ولكن مبادرته ت هدفت إلى تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ بنود الاتفاق بما يتلاءم مع الوضع الراهن وبما يؤمن حقوق المكونات الثقافية الليبية وإعادة الاعتبار لباقي الأقاليم. وشدد على ان اللامركزية الإدارية ودعم المجالس البلدية هي صمام الأمان من أجل عودة الدولة الليبية.
د. البرعصي أقر أيضا ان هناك أخطاء وقعت بعد ثورة شباط/فبراير وان قانون العزل السياسي أقصى كفاءات ليبية وطنية وانه لا بد من اشراك الجميع في حوار شامل من أجل مصلحة البلاد.
○ قدمتم مبادرة سلام لحل الأزمة الليبية ما هي أبرز ملامحها؟
• أتت المبادرة بعد مراجعات للمشهد الليبي بدأت منذ فترة وتحديدا لما استقلت عندما كنت نائبا لرئيس مجلس الوزراء سنة 2013 وبعد استقالتي بقيت في بنغازي وخرجت من المشهد وكان منسوب الاغتيالات عاليا جدا آنذاك. وعندما بدأت الأحداث تسوء أكثر وانطلقت العمليات العسكرية في شرق وغرب البلاد، حينها غادرت ليبيا وأسست مركز دراسات حول السياسات والاستراتيجيات وعملت على وضع سياسات لاستراتيجيات بهدف تطوير العمل الحكومي والوعي المجتمعي، وكنا نأمل مساعدة حكومة الوفاق الوطني غير أن الاتفاق السياسي لم ينفذ وأصبحت المؤسسات المنبثقة عنه تراوح مكانها. ولكن بعد المراجعات توصلنا إلى ان المشكلة في ليبيا ليست في السياسات، بل في من ينفذ السياسات وما هو نموذج الحكومة التي تستطيع ان تنفذ وتتلاءم مع الظروف الليبية. ثم بدأنا بمراجعات لواقع ليبيا وهل تستطيع أصلا أي حكومة ان تعمل قبل ان يعم السلام؟ اذن، راجعنا المشهد بالكامل وتقديراتنا للموقف تقول ان ليبيا هي في حرب أهلية وبدأنا نتواصل مع الأطراف لوضع حل للتهدئة مع زيارة بعض الدول التي مرت بأزمات شبيهة لأخذ العبرة منها وكيف استطاعت ان تخرج من أزماتها. في هذا السياق زرنا أكثر من دولة مثل جمهورية البوسنة والهرسك وتواصلنا مع مراكز دراسات لها علاقات بوضع حلول كما اطلعنا على تجربة المصالحة في كولومبيا مع الثوار. وتناقشت مع الدكتور طارق متري المبعوث السابق للأمم المتحدة حول تجربة لبنان وكيف استطاع هذا البلد ان ينهي الحرب الأهلية عن طريق اتفاق الطائف. واستنادا إلى تلك التجارب بدأنا في وضع إطار لإرساء الحل في ليبيا، ولما راجعنا فرص السلام وجدنا ان أطراف الصراع متعددة وقديمة وأكبر خطأ وقع فيه البعض انهم اعتقدوا ان الأزمة بدأت سنة 2011 فالتركيز كله كان منصبا على ما بعد 2011 ولم يفكر أحد ان الخلافات في ليبيا لها جذور تاريخية تعود إلى تاريخ تأسيس الدولة سنة 1951 وربما بعض الخلافات متجذر في التاريخ إلى قرون خلت خاصة فيما يتعلق النظام الاجتماعي الذي تعرض لتغييرات عنيفة غاب عن عنها التوافق في مناطق وأقاليم ليبيا المختلفة.
وفي اعتقادي عندما تأسست ليبيا كان هناك استعجال من المجتمع الدولي لاستقلالها ربما بسبب الحرب الباردة. وكان الحكم آنذاك فيدراليا يقوم على ثلاث حكومات في أقاليم طرابلس وبرقة وفزان. وكان هناك تقسيم للموارد وحكومات لكل إقليم ويمكن اعتبار النظام ناجحا جدا. ثم جاءت سنة 1963 وحدث تعديل دستوري وأصبح الحكم مركزيا ومن ذلك التاريخ وحتى الآن بما في ذلك حقبة حكم العقيد القذافي بقي نظام الحكم والإدارة مركزيا وتراجعت فيه المشاركة من قبل جهويات ومجموعات سكانية، الأمر الذي تولد عنه شعور بالحرمان لدى أهالي الأقاليم الأخرى خاصة فزان وبرقة ومناطق الدواخل في إقليم طرابلس وسيطر شعور ان ليس هناك توزيع عادل للثروات وان كل شيء في المركز ولا شيء يوزع على الفروع والأطراف.
○ هنا إلى أي مدى يتداخل المعطى القبلي؟
• هي ليست قبلية بقدر ما هي حقوق ومطالب يعتبرها أهالي هذه الأقاليم مكتسبة وسلبت منهم. وفي اعتقادي العالم اليوم يتجه إلى اللامركزية والتنمية المكانية. هناك أيضا مكونات ثقافية تريد ان يكون لها حقوقها كحق اللغة والتعليم مثل التبو والأمازيع والطوارق وهم يعانون من التهميش الثقافي والاقتصادي والاجتماعي وانسحبوا من لجنة صياغة الدستور وهناك من غادر البرلمان. وحقيقة فإن الاتفاق السياسي لم يعكس هذه المطالب. لذلك فهناك خلل فيه وقد اقترحنا العمل على حل هذا الخلل على مرحلتين مدى بعيد ومدى قصير، وأكدنا في الآن نفسه دعمنا له كإطار للحل لا بديل عنه بل البديل هي الفوضى والحرب. ونحن نثمن المبادرة التونسية وندعمها وهي تحل اشكالات لها علاقة بالتفاصيل الخلافية في الاتفاق في المدى القصير وأعتقد ان هناك أيضا أزمة عدم فصل المجلس الرئاسي عن الحكومة، فعمل الحكومة يجب ان يقتصر على الملفات الخدماتية ولا تتدخل في المماحكات السياسية وتكون حكومة تكنوقراط وخبراء لأن لدينا أزمة اقتصادية خانقة وكل المؤشرات تشير إلى احتمال حدوث انهيار اقتصادي كامل ولدينا مشكلة في الكهرباء والمياه والخدمات.
كما نحاول أيضا ان نوصل لكل الأطراف ان الإشكال هو في المركزية وان الحل هو في اللامركزية السياسية التي تمكن الأقاليم من المشاركة في إطار حدودها في التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واللامركزية الإدارية التي تمكن كل المناطق والقرى من تقديم الخدمات لسكانها وكذلك تحقيق تنمية مكانية تستفيد فيها من مواردها الطبيعية وكذلك دخلها من الضرائب وغيرها حينها يستطيع المواطن ان يجد الخدمات. وتحدثنا مع عديد الأطراف الفاعلين في المجتمع الدولي عن أهمية دعم المجالس البلدية لأنها خط الدفاع الأخير وهي قريبة من المواطن ومطلعة على أزماته، وقلنا للدول الغربية أننا في حاجة لدعم المجالس البلدية. هناك مبادرات كثيرة لكن مبادرتنا لا تطرح حلا بل تقوم على تهيئة الأجواء لتنفيذ الحل.
في اعتقادي ان المبادرة التونسية التي تضم مصر والجزائر مبادرة جيدة خاصة انها تلقت دعما دوليا واسعا، ولكن الصراع الموجود يتعلق أساسا بموضوع أقاليم ومكونات ثقافية، هذه الأقاليم والمكونات ستقف ضد الحل السياسي لان حقوقها غير موجودة وغير متضمنة في الاتفاق السياسي وهذا الكلام أوصلته لكل من قابلته خلال زيارتي، لا بد ان نعمل على ارسال رسائل طمأنة وضمانات لحقوق هذه الأقاليم والمكونات لكي تدعم هذه الأطراف الاتفاق السياسي وتشعر انها معنية به، وعلى المدى البعيد سنعمل لخلق تيار شعبي يضغط على أطراف الصراع الموجودة لكي تجلس على طاولة الحوار وتضع كل الخلافات على الطاولة وكلامنا واضح للجميع ونؤكد انهم لن يحققوا في الحرب أي شيء.
○ مع من كانت لقاءاتكم في تونس ومن هم أبرز الداعمين لمبادرتكم؟
• التقينا مع الخارجية التونسية والمبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا والمبعوث الخاص لجامعة الدول العربية إلى ليبيا وبعثة الاتحاد الأوروبي والسفارة البريطانية والأمريكية والاسبانية والكندية والألمانية والسويدية. كما التقينا مع النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي. من أهم الداعمين لنا قيادات اجتماعية وسياسية وشخصيات تكنوقراط وممثلي مكونات ثقافية ومنظمات مدنية ونشطاء من مختلف مناطق ليبيا. ونرحب بأي طرف يريد ان ينضم إلينا وشرطنا الوحيد ان يضع سلاحه جانبا ولا يدعم أي طرف من أطراف الحرب، فالبلد ضاعت والحرب دمرت كل شيء. وسيركز نشاط التيار الشعبي الداعم للمبادرة على إجراء حوار يشمل الجميع دون اقصاء أو انتقاء أو تهميش يمهد الطريق للنقاش حول الهوية الوطنية ثم نتحدث عن عقد اجتماعي ونضع دستورا جديدا ثم تتأسس الدولة وتجري انتخابات حرة تخرج البلاد من المأزق.
○ صراحة، هل تتوقعون من أطراف الصراع سواء حكومتي طرابلس أوطبرق ومن قادة الميليشيات ان يقبلوا بالخضوع لمبادرتكم؟
• ليس لدينا تحفظ على أي تيار إلا التيارات المصنفة إرهابية. بالنسبة للحكومات فهي وجدت بسبب الانقسام السياسي، لذلك اؤكد ان انهاء الخلاف يبدأ بإعطاء ضمانات لهذه المكونات والأقاليم وكل شيء سيناقش وسيكون جزءا من النقاش في الاتفاق السياسي.
○ وماذا عن الدور الأجنبي في ليبيا خاصة تلك الدول التي تغذي الصراع وتريد ان تستثمر في الحرب هل ستقبل أيضا بوقف دعم المسلحين؟
• بدأنا بزيارة مجموعة من سفراء الدول التي تعتبر جزءا من المجتمع الدولي وقد وجدنا منهم كل الدعم وقالوا انهم يتفقون معنا في العموم. هم داعمون للاتفاق السياسي وليسوا طرفا من أطراف الحرب، وداعمون للاستقرار والسلام في ليبيا وتوحيد ودعم مؤسسات الدولة وهذه رسالة واضحة ولكن هناك بعض الدول تدعم الحرب بالوكالة ونحن نطلب منها ان تكف يدها عن ليبيا وتكف عن دعم أطراف الصراع خاصة أن قرارات مجلس الأمن تنص صراحة على حظر الأسلحة على ليبيا أو تزويد أطراف الصراع في ليبيا بالأسلحة والذخائر.
○ وأين وصلت المعركة ضد الإرهاب في ليبيا وتقييمكم لها؟
• الإرهاب انتهى في سرت بسقوط أبرز معاقله وحكومة الوفاق والبنيان المرصوص قامت بعمل جيد لدحر «داعش» ولكن الاشكال في ليبيا اليوم يتعلق بالحرب والاقتتال الأهلي. فالحرب أصبحت في كل مكان وأصبح السلام هو الحل الوحيد، ونحن نتحدث عن أزمة ثقة بين جميع الأطراف واسترجاع الثقة يكون على أساس التعايش وفي رأيي ان هذا هو المهم.
○ وكيف ترون موضوع العدالة الانتقالية والمصالحة؟
• ما لم تكن هناك عدالة ناجزة ودولة مؤسسات لن تتحقق العدالة واعتقد قبل العدالة يجب ان تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية. وصراحة ارتكبنا أخطاء كثيرة بعد ثورة 17 شباط/فبراير لأنها بدأت بإقصاء أنصار النظام السابق رغم انهم ليبيون، وكان المفروض بعد اعلان التحرير ان ينشأ حوار وطني تشترك فيه كل الأطراف دون اقصاء، لكننا حكمنا بعقلية الرابح الوحيد.
قانون العزل السياسي للأسف تسبب في إقصاء قطاع كبير من شرائح المجتمع وقبل اقرار العزل السياسي كانت الخلافات السياسية تناقش تحت قبة المؤتمر الوطني العام ولكن لاحقا أصبح الخلاف مسلحا. الآن نريد فتح باب الحوار والمصالحة مع الجميع بمن فيهم أنصار النظام السابق وقياداتهم سواء خارج أو داخل السجون، لا بد ان يكونوا مشاركين في الحوار ونحن لا نقصي أحدا وكل المكونات هم أبناء ليبيا حتى القبائل التي حسبت في مرحلة ما على النظام السابق هي جزء من الحوار، ولا بد ان نتعلم كيف نعفو ونسامح ونتنازل من أجل الوطن. حقيقة حتى الاتفاق السياسي أقصى طرفا يمثل مناطق كبيرة وقبائل عريقة وثقلا كبيرا والتي شعرت ان الاتفاق السياسي لا يمثلها وهذه مشكلة كبيرة ستعيق تنفيذ الاتفاق، خاصة ان هناك أطرافا داخل الاتفاق السياسي ليس لها ثقل شعبي وبالتالي لن تكون فاعلة في تنفيذ الاتفاق بشكل عملي. لا بد من إشراك الجميع في الحوار بمن فيهم النازحون ولا بد من الحل الشامل وان يشترك الجميع في الحوار من أجل حل الأزمة الليبية. هناك أخطاء ارتكبت ربما بسبب قلة خبرة حقيقة وعندما اطلعنا على خبرات الدول الني نجحت في انهاء الحروب الأهلية، وجدنا ان النجاح كان بعفو أو مسامحة أو تنازل مثلما حصل في جنوب افريقيا والبوسنة وراوندا.
حاورته: روعة قاسم