بعد وقت قصير من اتضاح حجم الكارثة «شواء» شرعنا بجهد لإقناع العالم بأن مصيبتنا المميزة تبرر حلاً مميزاً وهو إقامة دولة يهودية. وفي نفس الوقت انطلق صوت مرافق يقول ان الكارثة هي مثابة تحذير من العنصر الشيطاني الذي في طبيعة الانسان والمجتمع. هذه الشيطانية من شأنها أن تعود وأن تظهر عن اجتماع شروط نادرة، ولكن ليست متعذرة. وليس اليهود وحدهم سيكونون ضحيتها.
هاتان الرسالتان تستويان الواحدة مع الأخرى، ولكن يبدو أن وعي الجماهير يستصعب استيعابهما من دون أن تدحر الأولى نظيرتها. فالإعلام الصهيوني يميل لأن يشدد على الرسالة المميزة التي تعطي لإسرائيل مكاسب كبرى، غير أن أثر مصيبتنا آخذ بالاندثار بتأثير الزمن المنقضي وبتأثير فظائع أخرى. فالرسالة الكونية دحرت الرسالة الخاصة. الكارثة كانت قتل شعب آخر، واحد من بين كثر.
سأحاول وصف المسيرة. بداية وجه الانتباه إلى أن النازيين لم يقتلوا فقط يهوداً بل وقتلوا الغجر، اللوطيين، المرضى النفسيين والمعانين من تخلف عقلي. ولاحقاً بدأ الكثيرون يتساءلون ما هو، في حقيقة الامر، الفارق بين إبادة اليهود وأحداث أخرى نسب لها تعبير «جينوسايد»، أي قتل شعب.
ودار التساؤل حول أحداث تاريخية كذبح الأمريكيين الاصليين على أيدي الاسبان في جنوب أمريكا ووسطها، مذبحة الاصليين في شمال أمريكا، مذبحة الاوبرجينيين في استراليا، وإماتة ملايين العبيد الافارقة في طريقهم إلى ولايات العبودية في أمريكا، إبادة جموع الاصليين على ايدي البلجيكيين في الكونغو، تقتيل الارمن على أيدي الاتراك، قتل ما لا يقل عن مليون شخص على أيدي الأمريكيين في فيتنام، مذبحة أبناء التوتسي على أيدي أبناء الهوتو في رواندا، التجويع حتى الموت لسكان اقليم يافرا في نيجيريا، الاماتة المنهاجية للمتعلمين في كمبوديا، والكثير غيرها من أعمال الذبح التي أعداد ضحاياها أكبر بكثير من الملايين الستة الذين فقدناهم.
والآن نجد أن الكثير من هذه الاحداث تأخذ لقب «الكارثة» الذي يستخدم في الخطاب الشعبي المنتشر في العالم ككارثة بمعنى «جينوسايد». والمرحلة التالية هي انتشار التعبير أيضاً إلى أمور ليست أجساد البشر. فيتحدث الناس عن «كارثة ثقافية»، التي هي جهد مقصود لشطب ثقافة جماعة معينة، أو حتى عن كارثة حيوانات تذبح للأكل.
وفي ضوء اضمحلال معنى تعبير الكارثة، يحاول بعض المؤرخين العنيدين تعريفنا على أن ابادة اليهود كانت فعلاً مميزاً. حتى فترة الكارثة لم يحصل أن خططت دولة ونفذت بمنهاجية قتل جمهور ما لاعتبارات عديمة السبب القابل للتفسير العقلاني. فالاستعماريون صفوا ملايين بني البشر كي يسيطروا على أراضيهم وعلى مقدراتهم الطبيعية الكامنة فيها، ومؤمنو دين ما أبادوا بالنار وبالخراب المؤمنين بدين منافس، وعبيد ماتوا كالذباب في السفن التي أقلتهم من إفريقيا، وشعوب ذبحوا جيرانهم خوفا من أن يهاجموهم، وطغاة قتلوا كي يضمنوا حكمهم. أي من هذه التفسيرات لا ينطبق على أفعال النازيين. فاليهود لم ينافسوا الألمان على المقدرات المالية، لم يحتلوا ليكونوا عبيداً كي تستغل قوة عبوديتهم، لم يكونوا أبناء طبقة استغلالية يجب إسقاطها من الحكم ولم يتبنوا أيديولوجيا مشتركة تعرض فكر الحكم للخطر. فقد أبيدوا، وفقاً لفكر النازيين، لإنقاذ الإنسانية من كائنات حية ليست بشراً، بل شيء ما بين الانسان والقرد. وبالذات بسبب شبهه المعين للإنسان قادر هذا المخلوق، اليهودي، على العمل كجرثومة تتسلل إلى النسيج السليم للعنصر الآري. والفارق بينه وبين الانسان هو بيولوجي، غير قابل للاصلاح، وعليه فقد زعم بأنه يجب إبادته. ومن أجل هذه المهمة المقدسة، كما شرحوا، يجب التضحية بكل شيء، حتى إذا كان الجهد يسلب مقدرات تحتاج إلى الانتصار في الحرب.
هل يوجد احتمال لأن توضح هذه التفسيرات المنمقة للكثيرين لماذا هي الكارثة حدث جد خاص؟ أميل لأن أشكّك في ذلك. بعد سنوات قليلة ستذوب التفاصيل في بحر النسيان. هذا محزن جداً محظور الاستسلام ولكن يجب الاستعداد.
يديعوت 11/4/2018