بيروت ـ «القدس العربي»: أن توثّق الكاميرا حياة النازحين من الشعب السوري إلى البقاع اللبناني، أمر ينبئك قبل بدء المشاهدة بأنك ستواجه بؤساً حدوده الأرض برمتها. وأن يشارك شباب لبنانيون بتوثيق حياتهم أو ما يؤلمهم، فهذا لا يعني أن اللون زهرياً. كاميرا تعمل وتدور بهدف «بناء السلام». هو محرك فعّال، انما الأمل هو المطلوب اولاً. لكن، من البؤس المتغلغل في مفاصل حياة النزوح يتسلل الأمل. بدونه لما كان استمرار. هذا ما تفيد به سبعة أفلام فيديو صورها وأخرجها في البقاع اللبناني شبان سوريون ولبنانيون. فوجود اللبنانيين على أرضهم ليس له حمايتهم من قلق الحاضر والمستقبل. بات واضحاً لكل عين ترى أن المواطن اللبناني متروك لمصيره خاصة في الأطراف. ذهبت الدولة في إجازة ولم تعد، فكيف حال السوريين عندنا؟
سبعة أفلام اختار المتدربون على استعمال الكاميرا موضوعاتها ذاتياً. التعليم والعلم كان سمة أكثر الأفلام التي نفّذها الشباب من سوريا. على الدوام ظهر طفل يقرأ. الحاجة للتعليم هي الهدف. سينتهي النزوح يوماً، لكن التعلُم ليس له أن ينتظر توقف آلة الموت، وهذا أكيد. فلا بد أن ينتظم العلم في حياة من يحتاجونه.
في موعد مضروب في مسرح المدينة في بيروت لعرض أفلام الفيديو السبعة، وبحضور مهتمين، صحافيين وأصحاب الأفلام والعديد من الشباب، كان لقاء شفاف، إنساني يتسلل عميقاً في ذكريات ناس كانت لهم يوماً أحلام وحياة هادئة، فتحطمت. صارت حياة المخيم هي حدود الأحلام القائمة. ومن كانت له قدرة ابتكار الحلم وخلقه من العدم، لم يتوان.
«مع التيار» ليس فيلماً من مفاعيل النزوح أو تداعياته. لمى تزوجت في عمر الخامسة عشرة. أغراها فستان العرس واهتمام الآخرين بها. راودتها فرصة «اتخاذ القرار» قد يمنحها الزواج. هي الأم لثلاثة أطفال تفتح دفتر حياتها. «قبل العرس بأيام تذكرت أني سوف افارق المدرسة.. أحلى ذكريات حياتي المدرسة». الخيار موفق، التصوير رشيق، وما قالته بطلة الفيلم مؤثر، هي تجربة حياة في الزواج المبكّر. ندم يجتاح الكثير من الفتيات، وكان للمى أن تعبر بالكثير من الدقة عن امنياتها كامرأة. وكان للمخرجتين «ان صح الوصف» شهد خيطو ولما الجندي حركة كاميرا جيدة جداً، واختيار زوايا تصوير رائعة، ومن ثم تقديم شخصية مميزة جداً وقادرة في التعبير عن الموضوع.
محمد ومي الجندي وانس عبيد قدموا شريطاً يمكن وصفه بالاحترافي. لم يتسن لهم الحضور إلى مسرح المدينة لمناقشة المشاهدين ورؤية عملهم عبر شاشة كبيرة، لديهم مشاكل في الاقامة التي فرضتها الحكومة اللبنانية على كافة السوريين في لبنان بمن فيهم اللاجئون. فيلم الثلاثي الغائب عن الحضور حمل عنوان «مشيت»، ويتضمن عناصر جمة من التشويق. منتصر شاب سوري يشكل نموذجاً للملايين من شباب سوريا. هو اولاً وأخيراً نموذج في الحيوية والصبر والمثابرة، والبحث عن أمل جديد. قبيل الثورة كان يدرس هندسة الميكانيك. مشاركته في الثورة أفقدته مقعده الجامعي. فشل في التسجيل في جامعة القاهرة فلا أوراق رسمية لديه. «ينكسر حلمك ومستقبلك مو سهلة». هو حال منتصر، وأعداد لا تحصى من الشباب في سوريا وكل الوطن العربي. في لبنان كافح منتصر. لأن العلم حسرته التي لا ينساها، قرر مع شقيقته التطوع لتعليم الأطفال في المخيم. منتصر هو رمز للتحدي. كافح على كافة الجبهات. لم ينس حلمه الأساسي: متابعة الدراسة الجامعية. حصل على منحة لمتابعة دراسته في أهم الجامعات في كندا.
لماذا اخترتم منتصر كنموذج لشباب سوريا في لبنان؟ نعرف بأن للشباب الذين صوروا الفيلم حصيلة مؤكدة عن الحروب، فالشباب هم من الفئات الأكثر تضرراً. في اللجوء يبحث الجميع عن بدائل لحياتهم، والشباب هم أكثرهم. من حملوا الكاميرا لتصوير «مشيت» تمكنوا من التصويب جيداً على الهدف. تمكنوا من خلق التشويق المطلوب عبر الكلمة والصورة. قدموا فيلماً مميزاً بتقطيعه. جميعنا كان بشوق لمعرفة كل تطور في حياة منتصر. فرحنا لفرحه بالمنحة التي حصل عليها في كندا. اللبنانيون مقيمون في وطنهم. حال الكثير من الشبان في البقاع يشبه حال الشبان النازحين من سوريا. محمد الجندي النازح السوري اختار تصوير موضوع لبناني. عنوانه مثير للاهتمام. «ناصر ـ دين ـ الطفّار». وكما هو ملاحظ فأفلام هؤلاء الشباب تركز على هوية شخص بعينه، وتبحر بحثاً في أفكاره وبالتأكيد أحلامه. «بو ناصر الطفّار» شخصية نقف حيالها بحب، لما تقوله من تفاصيل مهمة في حياة الشباب أولاً، وللهجته البعلبكية المحببة ثانياً. اختار بو ناصر الموسيقى مساراً لحياته. بدأ مع زملاء له يعزفون الموسيقى بأدوات بدائية. سطول بلاستيك وأي وسيلة لإحداث الايقاع. كان فريقاً موسيقياً، أحيى حفلاً بعنوان «بالعرس جيناكم». اختار بو ناصر الموسيقى «ما بدي ضل اتزلل عند حدا». بو ناصر مناصر للمناضل جورج عبد الله المسجون منذ 30 سنة في فرنسا. لأجله كتب أغنية «يا حضرة الرئيس انت وعم تستقبل اساتذة من باريس». هو طبعاً يخاطب الرئيس اللبناني «قبل الفراغ الدستوري» كي يطلب الافراج عن عبدالله لدى اجتماعه بمسؤولين فرنسيين. بو ناصر منشغل كذلك بعاصمته بيروت التي الغي وجهها الايجابي الإنساني والشعبي، وتمّ تحويلها لمملكة باطون شاهقة الطول. بو ناصر يعبر عن وجع الشعب. وصاحب الفيلم محمد الجندي بدا شديد التأثر ببطل فيلمه، واعتبره «ايقونة». محمد الجندي النازح من سوريا إلى لبنان تمكن من الإضاءة على اشكالية لبنانية يمثلها بو ناصر. والعنوان الذي اختاره يُعبر بامتياز عن حالة لبنانية سائدة، لكنها مرفوضة من فئة كبيرة من الشعب. «ناصر ـ دين ـ الطفار»، الـ»دين» هو اشكالية يتوقف عندها الشباب الرافضون لمكسب ينالونه لأنهم ينتمون لهذا المذهب أو ذاك. ولهذا يكثر «الطفّار» بينهم. بو ناصر وجد خلاصه من اشكاليات وطنه المفروضة عليه بالموسيقى.
«بتمنّى» مجدداً إلى مخيمات اللجوء السوري. زهراء دحّوس ووئام كنعان يمتازان بكاميرا متحركة وسريعة، وبلقطات غير مباشرة للناس. هو بوح من سوريين ولبنانيين أحدهما نحو الآخر. كل يقرأ في نظرة الآخر له. يشعر السوري بـ»أنهم يكرهونا». وتقول لبنانية بدرس تعلمته «لا نحكم على أحد قبل التعرّف إليه». في كافة الأفلام لا ينفك السوريون عن التعبير «كنا نعيش في بيوتنا». هو البيت الذي استبدل بخيمة. دعوة منطقية بضرورة تحمل الحياة بين اللبنانيين والسوريين بمحبة واخوة. فهل يحدث؟ «بتمنى» أن تحل الاخوة بيننا، وأن نرفض التعميم، تقول صــبــية ســـورية. أمـــا الطفلة: بتمنى اخلص دراستي وارجع ع الضيعة ونروح ع الشام عند بيت خالي.
«دا حلمنا طول عمرنا حضن يلمنا طول عمرنا». موسيقى ترافق فيلم «بتمنى». فالطفل في مخيم النزوح السوري قال: «بتمنى كل الشعب العربي يحب بعضو». ومشى مسرعاً إلى اللعب.
«التواصل» لمعتز بالله صالح. وسائل التواصل الحديثة بين الجيل الصاعد وكذلك المخضرم ما هو حالها؟ التواصل عبر كبسة زر مع كل العالم. لا حياة خارج «السوشال ميديا وسمارت فون» حتى لو اعدمت الحياة الاجتماعية. صالح اتقن جيداً التعبير عن فكرته، ولم يغفل رأياً مخضرماً يقول «أن يعيش الانسان مع الناس ويتفاعل معهم، وأن يكف قليلاً عن كونه ملحقاً بالالة».
«الهجرة» لمريام جاويش واسامة محمد. رب عائلة هجر إلى لبنان «كنا نعيش لا هم ولا غم ومن أحلى ما يكون.. شردتنا الحرب.. ترك الأبناء المدارس ليساعدونا كي نعيش في لبنان». دمعة تقطر من عيني الرجل لغياب اولاده ولاختلاف الاحوال. يحمل لوائح باسماء النازحين، ويرشد من يرغب بمساعدتهم. للمخيم مشاكله وافراحه. الزواج لم يتوقف. الاعراس قائمة والزغاريد ترتفع. المنسف للرجال وكذلك اللبن. والحياة لا تستمر. مواطن لبناني من بلدة غزة في البقاع الغربي يقول للرجل الذي أصبح صديقه كما بدا: بدكن حرية؟ يا ويلي شو طلع من الحرية؟
إلى «الليطاني» در. مع معتز بالله صالح ووفاء دحوس. قديماً كانت الأنهر ومجاري المياه مقدسة، فهي صنو الحياة المقدسة. في لبنان صار النهر «العظيم الليطاني» الذي عملت اسرائيل بكل قواها لمنع اقامة أية مشاريع انمائية على ضفافه، مكباً لكافة أنواع النفايات، من صناعية وطبية. صارت مياهه مرفوضة من الحيوانات. هو اختيار مهم لاثنين في مطلع الشباب، تسليط الضوء على كارثة يلحقها المعنيون بمياهنا نظراً لصمتهم أو مشاركتهم بالجريمة. فيلم يشبه الموقف. لعله يكبر ويؤدي لعملية انقاذ. هو فيلم يشبه التحقيق الصحافي الموسع. دلّ على المشكلة. ودلّ على الحل. وفي الوقت عينه كان للفيلم اهتمامه التقني والجمالي. وكذلك موسيقاه. عــزف على العود رافق البداية. أوتـــار عـــود بــقــرب مياه جارية في نهر هو دورة حياة جديدة. فكيف بنهر الليطاني حيث تنتهي الصورة بالموسيقى والعناق بين فتاتين؟
في حكاية أفلام الفيديو السبع، أن «جمعية مهرجان الصورة ـ ذاكرة» وبالتعاون مع مشروع «بناء السلام» في لبنان التابع لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي» تمّ تدريب ثلاثين شاباً وشابة، تتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ25 عاماً على تصوير الفيديو وعلى مدى ثلاثة أشهر. ورشة احتضنتها بلدة المنصورة في البقاع الغربي، وشارك فيها شباب من لبنان وسوريا. في هذه الأفلام برزت مواهب تستحق الاحتضان. أوقات شكلت تعبيراً حقيقياً وصادقاً عن هؤلاء الشباب. وأكدوا قدرتهم على اختيار الموضوعات والعناوين المميزة. أفلام تستحق ان يكون لها دورها الذي يبتعد عن عرض رسمي وللصحافيين فقط. لها دورها في مكانها وبيئتها نظراً للرسائل المهمة التي تتضمنها. هي موضوعات تتساوى في أهميتها سواء كانت بعين لبنانية أو سورية.
زهرة مرعي