جين أوستن (1775 ـ 1817): أحيت بريطانيا، ومعظم العالم الناطق بالإنكليزية، الذكرى الـ200 لرحيل الروائية البريطانية التي اقترن اسمها بالآداب الإنكليزية خلال القرن الثامن عشر، وكذلك بطبقة ملاك الأراضي وأجواء القصور والمجتمع الفكتوري، وامتدّ تأثيرها طيلة العقود اللاحقة، وذلك رغم أنّ السمات الفنية لأعمالها لم تعد تحمل جاذبيتها الأولى. روايتها الأولى كانت «عقل وعاطفة» وصدرت سنة 1881، لكنّ روايتها الثانية «كبرياء وهوى» باتت الأشهر بين أعمالها، التي ضمت أيضاً «تحامل»، و»منتزه مانسفيلد» و»دير نورثانغر» و»إقناع». وقد ألهمت اعمالها الكثير من الأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية، كما أثارت الكثير من السجالات حول الطابع الطبقي والنخبوي للشخصيات الاجتماعية التي حرصت على انتقائها في رواياتها.
ولعل أبرز مظاهر الاحتفاء بالذكرى الـ200 كان المعرض الذي احتضنته «المكتبة البريطانية» في لندن، واستعاد عشرات الوثائق، والمخطوطات، والمقتنيات الشخصية. كما قررت الحكومة، على صعيد الحياة العملية، إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 باوند، وقطعة نقدية بقيمة جنيهَيْن، تحملان صورتها. كذلك شهدت دور السينما والمسارح والمكتبات، فضلاً عن أروقة الجامعات والمعاهد ومراكز البحث والأقنية الفضائية، عشرات الأنشطة التكريمية.
وكانت فيونا ماكدونالد قد أجرت تحقيقاً استقصائياً عن الأعمال التي ألفتها أوستن في مرحلة المراهقة، فتوصلت على نتيجة مفاجئة هي أنّ بعض كتاباتها الأولى أكثر احتواء على مشاهد جنسية مما يظنّ الناس المعتادون على رواياتها «المحتشمة» عموماً. وفي الولايات المتحدة هنالك مجموعة من عشاق أوستن يطلقون على أنفسهم لقب «جين آيتس»، يرتدون قلنسوات وثياباً على الطراز الذي كان سائداً في مطلع القرن التاسع عشر، في حفلاتٍ كتلك التي كانت تُقام عام 1817، الذي تدور فيه أحداث رواية «كبرياء وهوى».
وفي كتابه «الثقافة والإمبريالية»، 1993، ضمن قسم بعنوان «جين أوستن والإمبراطورية»؛ استكشف إدوارد سعيد الروابط ـ غير المباشرة للوهلة الأولى، والمباشرة أيضاً في نماذج كثيرة ـ بين أدب أوستن والمشروع الاستعماري والإمبراطوري البريطاني، وتحديداً في رواية «منتزه مانسفيلد»، 1814. ورأى أنّ ذلك يتجلى في نظرة الراوية فاني برايس (أوستن نفسها، في الواقع) تجاه مزارع قصب السكر التي يمتلكها السير توماس بيرترام ما وراء البحار، وكذلك مبدأ العبودية وتشغيل العبيد. ومن خلال اتكاء على كتاب رايموند وليامز «الريف والمدينة»، وأفكار جون ستوارت مل حول «الواجبات المقدسة التي تقع على عاتق الأمم المتحضرة» تجاه الشعوب المستعمَرة أو المستعبَدة؛ استخلص سعيد أنّ الإيديولوجيا الاستعمارية، التي أتاحت للقيم الإنسانية البريطانية أن تترعرع جنباً إلى جنب مع تبخيس الثقافات المستعمَرة، واضحة أو حتى مركزية في الروايات ما قبل الإمبريالية، والتي لا تُصنّف عموماً في خانة الأعمال ذات الموضوعات الاستعمارية الصريحة.
فدوى طوقان (1917 ـ 2003)
الذكرى المئوية لولادة الشاعرة الفلسطينية الرائدة، التي ـ رغم أنها ترعرعت في بيت أدب وشعر، وكان شقيقها إبراهيم طوقان أحد أبرز شعراء فلسطين في تلك الحقبة ـ حُرمت من الجهر بشعرها، أو المشاركة في الشأن العام، فكتبت تحت اسم مستعار. درست طوقان في نابلس، ثم سافرت على لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي، حيث أتاحت لها إقامة سنتين هناك أن تحتك بالأوساط الأدبية والثقافية، وأن تطور معرفتها بفنون الشعر.
وعند عودتها كان بروز حركة «شعراء الأرض المحتلة»، أمثال توفيق زياد وسالم جبران ومحمود درويش وسميح القاسم، أتاح لها هامش انفتاح أوسع، فأخذت تشارك في الأمسيات والندوات، وتتبادل القصائد مع أبناء بلدها، وتنشر شعرها على نطاق فلسطيني وعربي. وهكذا، ابتداء من العام 1952، صدرت لها المجموعات الشعرية التالية: «وحدي مع الأيام»، «وجدتها»، «الليل والفرسان»، «اللحن الأخير»، «على قمة الدنيا وحيداً»، و»تموز والشيء الآخر» وصدرت في عام 1989. أعمالها النثرية: «أخي إبراهيم»، «رحلة جبلية رحلة صعبة»، و»الرحلة الأصعب».
كانت طوقان امرأة كتبت الشعر من قلب بيئة محافظة، ومن وراء أستار وأسوار بيت عريق تسيّجه تقاليد صارمة؛ ولكنها أيضاً كانت فلسطينية عاشت، قرابة ثلاثة عقود، تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. مكانتها المتميزة في حركة تطوّر الشعر العربي الحديث تتضح، خصوصاً، حين تُوضع نصب الأعين حقيقة أن تجربتها تبدّلت وتحوّلت وتقدّمت تارة، وسكنت وجمدت وارتدّت طوراً، وذلك على امتداد خمسة عقود تقريباً. وعنها تقول الشاعرة والناقدة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي: «في الخمسينيات والستينيات، استطاع كثير من الفلسطينيين (حيثما وجدوا أنفسهم) القيام بدور ناشط في خلق شعر طليعي ونقد شعري. ولكن، في نهاية الأربعينيات كانت طاقتهم الإبداعية متجمّدة. ولم يبق في الضفة الغربية من الأردن سوى صوت شعري مهم واحد، هو صوت فدوى طوقان، أخت ابراهيم الصغرى. وفدوى فتاة رقيقة ذات موهبة وخلق قوي، استطاعت خلال السنوات اللاحقة أن تواصل كتابة شعر يتميز بجزالة غير متوقعة وصدق عاطفي في معقل المحافظة في نابلس، حيث ولدت ونشأت. لكن وجهة نظرها لم تكن في ذلك الوقت من الشمولية، ولا دراستها من التمكن، بحيث يعينها على القيام بدور رائد في التغيرات العامة في الرؤيا والأسلوب التي كانت على وشك الحدوث، في الشعر العربي».
عبد الرحمن بدوي (1917 – 2002)
في إحياء الذكرى المئوية لولادة هذا الفيلسوف والمؤلف الفلسفي المصر الرائد تُستعاد حقيقتان بارزتان: أنه كان الاغزر نتاجاً، في ميادين التأليف والترجمة، إذْ أصدر أكثر من 150 كتاباً، باللغات العربية والألمانية والفرنسية؛ وأنه، ثانياً، كان أوّل فيلسوف وجودي عربي، نقل تأثيرات الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، قبل أن تصبح وجودية جان ـ بول سارتر وألبير كامو رائجة في العالم العربي خلال ستينيات القرن الماضي.
درس بدوي في القاهرة، وتخرج من كلية الآداب ـ قسم الفلسفة سنة 1934، ثم سافر في بعثات دراسية إلى ألمانيا وإيطاليا بناء على توصية من عميد الأدب العربي طه حسين، ثم عاد إلى القاهرة وناقش أطروحة دكتوراه بعنوان «الزمان الوجودي». درّس بعد تخرجه في جامعة فؤاد، ثم أنشأ قسم الفلسفة في جامعة عين شمس، وغادر للتدريس في جامعات سويسرا وفرنسا ولبنان وإيران والكويت وليبيا، واستقر به المقام في باريس.
ويرى كريم الصياد أن مشروع بدوي الفكري يمكن تقسيمه إلى خمسة أغراض:
ـ تأسيس التراث الفلسفي المدرسي، وهو خيار شمل التخصصات الفلسفية المعروفة، مثل تاريخ الفلسفة، ومناهج البحث، والموسوعات، والاستشراق، وصولاً إلى الإسلاميات وإشكالات السياسة والقانون والأخلاق والمصطلح والمذهب.
ـ التعريف بالوجودية عربياً، واشتمل هذا الغرض على مؤلفات مثل «مشكلة الموت في الوجودية» وكان أطروحة الماجستير، و»دراسات في الفلسفة الوجودية».
ـ أصيل الوجودية عربياً، حيث سعى بدوي إلى البرهنة على أنّ ليست نزعة جديدة تماماً، وأن لها سوابق في التراث الإسلامي، وخاصة التراث الصوفي. وفي هذا تندرج مؤلفات مثل «شهيدة العشق الإلهي» و»الإنسانية والوجودية في الفكر العربي».
ـ «حصار اليسار»، على حد تعبير بدوي نفسه في «سيرة حياتي»، سيرته الذاتية، إذْ قدّم الفلسفة المثالية الألمانية، كانط وفخته وشلنغ وشوبنهور وهيغل، في مجابهة المادية التاريخية والماركسية.
ـ الإبداع، الذي يشتمل على «الزمان الوجودي»، و»هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟».
وفي عام 2000 أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر مذكرات بدوي في مجلدين، بعنوان «سيرة حياتي». وقد أثارت السيرة سجالات ساخنة في الأوساط الثقافية العربية والمصرية خصوصاً، لأنّ بدوي هاجم العديد من المثقفين المصريين والعرب، كما صفى حساباته مع نظام جمال عبد الناصر، واتهم سعد زغلول بالعمالة للبريطانيين، وطه حسين بالعمالة للأجهزة الأمنية المصرية، وجزم بأن لجوء عبد الناصر إلى تأميم قناة السويس كان هدفه الشهرة وليس مصلحة مصر!
أوغست رودان (1840 ـ 1917)
تخليداً للذكرى المئوية لرحيل نحاتها الكبير رودان، افتتحت فرنسا سلسلة من الأنشطة الاحتفائية الرسمية والعامة، كان أبرزها المعرض الذي احتضنته أروقة «القصر الكبير» في العاصمة باريس، وضمّ عدداً كبيراً من الأعمال، للنحات نفسه أو لفنانين تأثروا بأعماله. صالات السينما، من جانبها، شهدت عروض فيلم الفرنسي جاك دوايون، «رودان»، الذي يستعيد فصولاً منتقاة من سيرة حافلة بتقلّب الإخفاقات والنجاحات، لعلّ أبرز محطاتها تلك العلاقة العاطفية العاصفة مع النحاتة كامي كلوديل، شقيقة الشاعر الشهير بول كلوديل.
في سنة 1876 سافر رودان إلى إيطاليا، مارّاً بعدد من المدن الفرنسية التي تضم كاتدرائيات عريقة، طوّرت عنده ميلاً نحو العمارة القروسطية لن يفارقه أبداً. هذا، إلى جانب تأثره بأعمال ميكيلانجيلو، أسفر عن منحوتات مبكرة متميزة مثل «عصر البرونز»، «القديس يوحنا المعمدان»، والنماذج الأولى لـ»آدم»، أو «خلق الإنسان»، العمل الذي ستقتنيه وزارة الفنون الجميلة الفرنسية وتعرضه في حديقة لوكسمبورغ ليكون أوّل اعتراف رسمي بفنّ رودان. كذلك سوف تكلفه الحكومة بنحت واجهة لمتحف الفنون التزيينية، الذي سيصبح متحف أورساي، فاختار موضوعاً من دانتي و»الكوميديا الإلهية»، أسماه «بوابة الجحيم»، لكنه لن يُصبّ بالبرونز خلال حياة الفنان، نظراً لصعوبات فنية تتعلق بضخامته أولاً، والتشكيل المتصل لعناصره البشرية بصفة خاصة.
بعد الآثار الفاجعة للحرب الفرنسية ـ البروسية، وعلى سبيل رفع المعنويات وتخليد أبطال فرنسا، أوصت بلدية كاليه بإقامة نصب تذكاري كُلّف رودان بتنفيذه، فولد تمثال «مواطنو كاليه»، الذي يُعرف أيضاً باسم «برجوازيو كاليه». وسرعان ما تعاقبت الطلبات على النحات، الذي بات يحظى بمساندة واسعة من كبار نقاد الفنون في فرنسا، فأنجز تماثيل جول باستيان ـ لوباج (1886)، وكلود لوران (1889)، وفكتور هوغو وأونوريه دو بلزاك (1891). الأعمال الأخرى الأشهر، مثل «المفكر» و»الظل» و»الرجل الماضي» و»يد الله» و»الربيع الدائم»، سوف تتعاقب وتكرّس شخصية رودان كواحد من أعظم نحاتي عصره.
وترى كلير فنسنت، من متحف المتروبوليتان، أن ازدياد النزعة الإيروتيكية في أعمال رودان، خاصة بعد ثمانينيات القرن التاسع عشر، يعود إلى انشغاله باثنين من المراجع الأدبية ذات التأثير العميق على جماليات النحت عنده: «الجحيم» للإيطالي دانتي، و»أزهار الشرّ» للشاعر الفرنسي شارل بودلير.
جوائز
«الكتاب الفلسطيني»:
ـ الأكاديمية: مناصفة بين ليلى بارسونز، عن «القائد: فوزي القاوقجي والكفاح من أجل الاستقلال العربي، 1914ـ1948»؛ وبيورن برينر، عن «غزّة تحت حكم حماس: من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلاموي».
ـ الذاكرة: إيللا شوحات، عن «حول اليهودي ـ العربي، فلسطين، واقتلاعات أخرى».
ـ الإبداع: سامية حلبي، عن «رسم مجزرة كفر قاسم».
ـ الإنجاز: المؤرخ إيلان بابيه.
الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي:
ـ فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية
المركز الأول: فيليب فيجرو، عن ترجمة «مقامات الهمذاني».
المركز الثاني: فريدريك لاغرانج، عن ترجمة «ترمي بشرر» لعبده خال.
المركز الثاني مكرر، مي عبد الكريم محمود، عن ترجمة «بابا سارتر» لعلي بدر.
ـ فئة الترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية
المركز الأول: محمود طرشونة، عن ترجمة كتابي «اليمن السعيد» و»اليمن الإسلامي» لراضي دغفوس.
المركز الأول مكرر: جان ماجد جبور، عن ترجمة «زمن المذلولين» لبرتران بديع.
المركز الثاني، جمال شحيد، عن ترجمة «المسرات والأيام» لمارسيل بروست
المركز الثالث: محمد حاتمي ومحمد جادور، عن ترجمة كتاب «الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية» لعبد الله العروي.
المركز الثالث مكرر: أحمد الصادقي، عن ترجمة كتاب «ابن عربي: سيرته» وفكره لكلود عداس.
ـ فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية
المركز الأول: بول ستاركي، عن ترجمة رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة.
المركز الأول مكرر: كاثرين هولز وآدم طالب، عن ترجمة رواية «طوق الحمام» لرجاء عالم.
المركز الثاني: جبرائيل فؤاد حداد، عن ترجمة «أنوار التنزيل في أسرار التأويل» للبيضاوي.
ـ فئة الترجمة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية
المركز الأول: مجاب الإمام ومعين الإمام، عن ترجمة كتابي «أصول النظام السياسي»، و»النظام السياسي والانحطاط السياسي» لفرانسيس فوكوياما.
المركز الثاني: يوسف بن عثمان، عن ترجمة كتاب «دراسات نيوتنية» لألكسندر كويريه.
المركز الثالث: حمزة بن قبلان المزيني، عن ترجمة كتاب «أي نوع من المخلوقات نحن؟» لنعوم تشومسكي.
ـ جائزة الإنجاز
دار سندباد.
ـ دراسات الترجمة والمعاجم
عيسى مميشي، محمد الديداوي، حسن سعيد غزالة.
ـ الإنجاز في اللغات الشرقية
(الأردية والصينية والفارسية والمالاوية واليابانية): عبد الجبار الرفاعي، شوي تشينغ قوه (بسام)، محمد السعيد جمال الدين، عبد العزيز حمدي عبد العزيز، ذاكر حافظ إكرام الحق، جلال السعيد الحفناوي، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية.
رحيل
أحمد دحبور (1946 ـ 2017)
ولد الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور في مخيم فلسطيني في مدينة حمص السورية، ونشأ وترعرع هناك قبل أن يلتحق بصفوف المقاومة الفلسطينية، ويتولى مسؤوليات صحفية وثقافية متعددة، بينها تحرير مجلة «لوتس» والدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية واتحاد الكتاب الفلسطينيين.
ومنذ قصائده الأولى، التي أخذ ينشرها في صحف ومجلات عربية متعددة، خاصة شهرية «الآداب» اللبنانية، لفت دحبور الأنظار إلى الغنائية العالية في شعره، وإلى استلهامه رموز التراث الكنعاني الفلسطيني، وكذلك العربي الإسلامي. في سنة 1964 أصدر مجموعته الأولى «الضواري وعيون الأطفال»، التي كانت بمثابة تجربة أولى شابة، سرعان ما ستختمر عناصرها بعد سبع سنوات فتنضج في المجموعة اللافتة «حكاية الولد الفلسطيني». أعماله اللاحقة تتضمن: «طائر الوحدات»، «بغير هذا جئت»، «اختلاط الليل والنهار»، «واحد وعشرون بحراً»، «شهادة بالأصابع الخمس»، «الكسور العشرية»، «هكذا»، «هنا، هناك»، «جبل الذبيحة»، و»كشيء لا لزوم له»؛ بالإضافة إلى الديوان، الذي احتوى على مجموعاته حتى 1983.
وفي سنة 1977 كان دحبور قد ساهم في تأسيس «فرقة العاشقين»، بمبادرة من دائرة الثقافة والفنون في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، والموسيقار الفلسطيني حسين نازك. وقد كتب دحبوؤ معظم كلمات أغاني الفرقة، التي انتشرت في العالم العربي؛ مثل «والله لازرعك بالدار يا عود اللوز الأخضر»، و»اشهد يا عالم علينا وعلى بيروت»، و»بالنار خرجت من رماد الحقب».
وعن تجربة دحبور كتب الناقد الفلسطيني عادل الأسطة: «كانت قصائد أبي يسار ذات سمة غنائية بارزة تضاهي النزعة الغنائية في أشعار محمود درويش، وبقيت أطرب لقصائدهما الغنائية، ولم يحل بيني وبين بعض قصائد أخي أحمد إلا النزعة العقلية والمنطقية التي بدأت تبرز في قصائده منذ أخذ يكتب المقال النقدي الأسبوعي، حيث تراجعت السمة الغنائية، وبقدر ما أفادنا أبو يسار وأطلعنا على كتابات جديدة لم نكن نعرفها أو نعرف أصحابها، وذلك من خلال زاويته (عيد الأربعاء) أو (دمعة الأربعاء)، فاننا بدأنا نخسر قصيدته الغنائية. وحين عاد إلى (الجزء المتاح لنا من الوطن) على حد تعبيره، انفعل بالعودة وتفاعل معها».
خوان غويتيسولو (1931 ـ 2017)
اتفقت غالبية من نقاد الأدب الأوروبي ومؤرخيه على اعتبار الأديب الإسباني خوان غويتيسولو أعظم كتّاب إسبانيا الأحياء، ليس لأنّ أعماله تظل الأكثر ترجمة إلى اللغات الحية بعد ثيربانتيس، صاحب «دون كيخوته»، فحسب؛ بل كذلك لأنّ تلك الأعمال مدّت الكثير من جسور التواصل مع الثقافات واللغات الأخرى، ولا سيما الثقافة العربية والإسلامية، وأرست ركائز راسخة للاغتناء المشترك والاحترام المتبادل. وكتابات غويتيسولو، الإبداعية والفكرية والصحفية، حول استقلال الجزائر والقضية الفلسطينية والبوسنة والشيشان وغزو العراق ونقد أنظمة الاستبداد العربية؛ شكّلت، من جانبها، أدب انحياز صريح إلى الحقيقة، وامتداح نبيل للحقّ في المقاومة، وهجاء مرير للتاريخ الاستعماري الغربي.
وكان غويتيسولو قد أخضع الثقافة الإسبانية إلى نقد معمّق، ولاذع تماماً، وشدّد على العواقب الوخيمة التي نجمت عن الموقف السلبي من المنجز الأندلسي، والانغلاق على الذات، وإطلاق أطوار شمولية ورجعية خيّمت ظلماتها على روح إسبانيا طيلة قرون. وفي ثلاثيته الشهيرة، «علامات الهوية» و»الكونت جوليان» وخوان بلا أرض»، التي صدرت خلال سنوات 1970 ـ 1975؛ هزّ غويتيسولو الضمير الإسباني باحتفائه بسبعة قرون من الثقافة التعددية التي أدخلها العرب إلى البلاد، وبفضائل اللغة والآداب العربية، لا سيما الشعر؛ مقابل الردّة التي تمثلت في محاكم التفتيش، وطرد العرب، والركود الفكري، وتعطيل الحداثة.
وعلى امتداد قرابة 50 مؤلفاً، في الرواية والسيرة والمقالات الصحفية وأدب الرحلات، عكس غويتيسولو ذلك البغض المبكّر لأنساق القهر كافة، والتي كان وعيه قد تفتّح عليها حين سقطت أمّه ضحية إحدى الغارات التي شنتها قوّات الجنرال فرانكو على مدينة برشلونة، خلال الحرب الأهلية لسنوات 1936 ـ 1939.
ولقد صودرت كتبه، ومُنعت، فصار شهيراً لدى أقسام الشرطة أكثر من شهرته في المكتبات كما عبّر ذات مرّة؛ فغادر إسبانيا إلى فرنسا، حيث عقد صداقات أدبية وفكرية مع صفوة مثقفي باريس والمهاجرين إليها، من أمثال صمويل بيكيت وإرنست همنغواي وغي دوبور وجان جينيه، وكان الأخير صديقه الأقرب إلى نفسه.
أبو بكر سالم (1939 ـ 2017)
فقد فنّ الغناء العربي واحداً من كبار رموزه، ممّن جمع الأصالة إلى الطرب، والموروث الشعبي إلى الحداثة الموسيقية، ونقل الأغنية الخليجية إلى موقع التذوق الواسع في أرجاء العالم العربي كافة. وكانت ثقافته العالية، في الشعر الشعبي والفصيح اسوة بالموسيقى العربية والشرقية، واحتكاكه بالناس في موطنه اليمني ثمّ في بلدان الخليج العربي، عناصر تكوينية أساسية أتاحت له أداء ألوان غنائية متعددة، بعضها كان بالغ الصعوبة. وكانت أغنيات «صنعانية» الطابع، مثل «أحبة ربى صنعاء» و»مسكين يا ناس» و»بات ساجي الطرف»، تترابط مباشرة مع مغامراته الناجحة في غناء شعر أبي القاسم الشابي («الصباح الجديد» التي يقول مطلعها: اسكني يا جراح/ واسكتي يا شجون/ مات عهد النواح/ وزمان الجنون»)، وقصائد أخرى بالفصحى.
مال الراحل إلى تضمين أغانيه معاني التأمل الفلسفي والحكمة والدفق الوجداني في آن معاً، كما عبّر عن تجربة الغربة بالنظر إلى اغترابه أصلاً عن موطنه الحضرمي.
كذلك تميز بجمع الغناء الشجي إلى اللحن المشبع بالأصالة، فلم يلحن أغانيه فقط بل أهدى الكثير من الألحان الشجية إلى أمثال وردة الجزائرية ونازك ونجاح سلام وطلال مداح. وعن أسلوبه الفني قالت موسوعة «المعرفة» إنه «رائد من روُاد الطرب الأصيل والمغنى الرائد على مر العقود» و»ومن أعظم الاصوات في العالم حيث أنه تشرب الفن والأدب من أنقى ينابيعه الأصيلة وغدا علماً من أعلام الفن الحضرمي خاصة والعربي عامة وأسس لنفسه مدرسة خاصة سميت باسمه وتتلمذ على يده جيل بأكمله».
يشار إلى أنّ سالم كتب الشعر أيضاً، وله ديوان مطبوع بعنوان «شاعر قبل الطرب»، يعكس البعد الصوفي في تجربته الروحية والجمالية، التي تجلت أيضاً في أغنيات مثل «إلهي في الفلاة دعاك عبد» و»يا رب يا عالم الحال» و»الرشفات».