ذبابة البارات الرخيصة

حجم الخط
2

عندما وصلتُ إلى الأردن قادمًا من المعبر قبل 4 سنوات، كانوا قد علّقوا لافتة عند مبنى الجوازات كُتب عليها «ممنوع إدخال الحقائب». تبدو اللافتة جديدة ولا تُناسب كلّ هذا الصّفار الذي يتسلّق على الجدران شيئًا فشيئًا، جدران صفراء لا تُعبّر إلا عن الذكريات المهترئة في داخل كلّ إنسانٍ بالغ وواعٍ. لقد تجاوزتُ السنّ القانونية في المواثيق الدوليّة لأصبحَ إنسانًا يدرك معنى باكيت الدخان والبيرة الرخيصة والذكريات المهترئة، ببساطة.. دخلت إلى الجزء الآخر من البشريّة، أصبحتُ +18 بالنسبة إلى جميع المحافل والمواثيق الدولية ومراكز الشرطة والمحاكم وبيوت الدعارة، ولكن ليس بالنسبة لأمي.
«أهلا بكم في معبر وادي الأردن»، أنا في المكان المخصّص لهؤلاء الذين يملكون جوازات سفر، ولا يستطيعون اصطياد ذبابة في الهواء، مع أنّها الهواية الأقدم للبشريّة على الإطلاق، إلّا أنّ «ذبّان الغور» عصيّ على أن يكون مجرّد هواية بشريّة مقيتة لأناس يملكون جوازات سفر إسرائيليّة وأوروبيّة، ويشتكون من نظافة الحمّامات العربيّة.
قالَ لي صديق أردنيّ في بون ـ ألمانيا، هُنا لا يعرفون أينَ تقع الأردن، لقد كان ذلك كافيًا لينهي علاقة لم تبدأ بعد مع حسناء أوروبيّة في أحد البارات الرخيصة، إذ سألته من أين أنت، فأجابها: أنا من الأردن، رائحة البيرة الرخيصة التي تفوح من فمه لم تستطع إنقاذه في وصف مسقط رأسه على الخريطة لامرأة ألمانيّة ثملة. كم هو صعبٌ هذا الأمر.
حاولَ أن يصف لها موقع الأردن بلغة ألمانيّة ركيكة، خلطَ الإنكليزيّة والألمانيّة والعربيّة، أحاط الكرة الأرضيّة بيديه وهو يشرح لها الجغرافيا، بدءًا من تركيا نزولًا لسوريا ولبنان، إلى مصر والعراق واليمن، جفّ حلقه وهو يلهث في الصحراء العربيّة ليصل إلى الأردن.
ما أصعب أن تصف لهؤلاء الغرباء الثملين مسقط رأسك. قالت له ببساطة: بجانب إسرائيل؟ هي هُناك بالفعل، تركيا وسوريا ولبنان ومصر والأردن والشرق الأوسط والعالم والكون يحيطون بإسرائيل، ونحنُ مجرّد جيران سيئين وثرثارين في البارات.
أنا كذلك، من مسقط رأس لا أحبّ الخوض فيه… كيف سأشرح لإحداهنّ على الفيسبوك بأنني «From Palestine, Texas»، أو أحدّثها عن حيفا بدون أن يقفز صدر هيفا وهبي أمامها من شاشة الكمبيوتر، الجميلات الفضوليّات اللواتي يلفظن الحاءَ هاءً يفضحنك أمام نفسك، حيث يصبح الوطن مجرّد ذبابة مزعجة. الزمنُ في معبر وادي الأردن واضح جدًا. كان الأمر شديد اللهجة «ممنوع إدخال الحقائب»، الحرّ هُنا لا يُطاق يا الله، جنود بشوارب خفيفة وأسنان صفراء وسوالف مقطوعة عند بداية الأذن، جنودٌ يتحدّثون عن أشياء لا تحصل: «هاي البنت الألمانية الشقرا.. عرفتها؟ شكلها معجبة فيّ»… «وشو بدها تحب فيك؟ يزم أحمد الله إنه بتقدر تطلع عحالك في المراي».. «يزم إنت بس بدّك تِخْصي الحكي.. شو بعرفك أنت… يمكن تزبط ونوخذ جنسية…».
كان هُنالك أحد المثقفين الكاذبين الذين يقرأون في كتاب «كائن لا تحتمل خفّته» لكونديرا، ويحاولون ترويض الزمن ريثما يلبس سائق الباص الضخم جرابه المثقوب وجزمته المهترئة. لم يكنْ هنالك شيء يشبهه في هذا المكان سوى إصبع قدمه الكبير الذي يطلّ من جوربه كالأعور الدجّال، أو كالمُخبر الرديء الذي لا يتقن كتابة الهمزات في مكانها الصحيح، في الحقيقة لا يوجد مُخبر يتقن كتابة الهمزات، إنّهم لا يعرفون سوى الثلاث نقاط في نهاية كلّ فقرة…
كنتُ أنا ذلك المثقف الكذّاب الذي يقرأ كونديرا…
الجوّ عند كونديرا مختلف، كان يصف مشهدًا على شاطئ البحر، عن النهود التي تقطر مع مغيب الشمس، عن الكلبة كارنينا وتولستوي تحت المكيّف البارد في غرفة لا يمكن تصوّرها سوى بأرضيّة خشبيّة نظيفة، بيت مودرن أنيق وبسيط، كان يتحدّث عن أنّ الحبّ يبدأ في تلك اللحظة التي تسجّل امرأة دخولها في ذاكرتنا الشعريّة من خلال عبارة. هذه الأشياء لا تعني شيئًا في معبر مليء بالذباب، مهما تحدّث هذا الرجل القصير عن الحبّ والصُدف ونيتشه والعود الأبديّ والضرورة الشاعريّة والنسيان، لن يوازي مشهدًا واحدًا من مشاهده، كأن أضاجعَ إحدى شخصيّاته النحيلة الباردة على أرضيّة من الخشب، وتحت هواء المكيّف الكونديري!. كلّ شيء ثقيل هُنا، البشر والحقائب التي ليست لي وجواز السفر وأعياد الميلاد التي لا أتذكرها، كلّ شيء هُنا ثقيل… حتّى كونديرا أصبح ثقيلًا كالذباب.
«لو سمحت… شو بتكرا؟؟..».
نبرة امرأة نصراويّة حزينة، نصراويّة يلوكها الحزن ويبصقها، كلّ النصراويات يتسرّب الحزن من مسامات أجسادهنّ بدون إنذار، لم أجبها، أريتُها غلاف الكتاب، واكتفيتُ بذلك، تحدّثت معي قليلًا في أشياء غير مهمّة، كأن تسألني عن الكتاب «رومنسي ولا دراما؟»، وأجيبها «كتاب»، أنا لا أعرف التعامل مع هذه الأسئلة. إنّها لا تعرف أنّ الكتابَ مليءٌ بالذباب، أنا ذلك الرجل الذي جعل من كونديرا مصيدة للذباب، الذباب الغوراني العنيد، أعطيتُها الكتاب بدون مقدّمات، وابتسمتْ كما ابتسمَ يهوذا.
عندما دخلت إلى مبنى الجوازات، طلب منّي «خصّاء الحكي» شراء طابع بعشرين دينارًا من الشبّاك المقابل، دفعتُ عشرين دينارًا ليضع الموظّف إبهامه في فمه ويملأه بالبصاق لتثبيت الطابع. عشرون دينارًا مقابل لا شيء.
ما معنى الطابع؟ لماذا يجب أن يكون على جواز السفر؟ مجرّد غبي أراد أن يكون تاجرًا، ففكّر في طباعة الطوابع وبيعها. يا إلهي.. من سيشتري هذا الهراء؟ من سيشتري هذا الشيء الذي لا معنى له؟ لا أحد، لذلك أجبرونا على شرائه. ضرائب…
نحنُ لسنا مواطنين، نحن مجرّد دافعي ضرائب، والفرق بين لقب مواطن ولقب دافع الضرائب، تجده عند هؤلاء المثيرين للشفقة الذين لديهم هواية تجميع الطوابع. نحنُ بائسون جدًا يا عزيزتي ومنهكون تحت هذا الحرّ والذباب الكثيف.
خرجتُ من مبنى الجوازات، لم يكنْ هنالك أحد، رحلت تلك الألمانيّة الشقراء بدون أن تودّعه، والنصراويّة التي ربّما تكون قد فتحت الكتاب في الباص، ستقول مثلًا: «الله يِكِرفو شو حمار»، «شو هالكَرف هادا»، وربما سترمي الكتاب من شبّاك الباص، وربّما ستحتفظ به، ليس مهمًا، المهمّ أنّها رحلت، ورحل سائق الباص، ذهب المخبر الذي يُطلّ من جوربه المثقوب، لقد ذهبوا جميعًا ببساطة…
ذهبوا جميعًا، وصديقي الذي تتسرّب البيرة الرخيصة من مسامات جسده، أصبح محاضرًا متفرغًا في البارات الصغيرة في ألمانيا، وما زال عاجزًا عن وضع إصبعه على الخريطة.

كاتب فلسطيني

نواف رضوان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية