ذبح «فولي» يسلط الأضواء على مهمة الصحافيين المستحيلة في سوريا

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: أعاد ذبح الصحافي الأمريكي المختطف منذ عام 2012 تسليط الضوء على عمل الصحافيين في مناطق الحرب خاصة تلك التي تسيطر عليها الجماعات الإسلامية ودور الجهاديين الأجانب فيما يجري في العراق وسوريا.
وأصبح الصحافيون وقودا للحرب الأهلية السورية بدلا من كونهم شهودا. وقتل منذ اندلاع الانتفاضة في 15 آذار/مارس2011 نحو 69 صحافيا وهناك 80 لا يعرف مصيرهم، وهدد تنظيم داعش الولايات المتحدة بذبح صحافي آخر وهو ستيفن ستولوف الذي اختطف قبل عام فيما واصلت الإدارة الأمريكية غاراتها على مواقع الدولة الإسلامية في العراق والشام.
وأصبحت مهمة الصحافيين في تغطية الأحداث في سوريا معقدة لكونهم تحولوا لصيد ثمين ووسيلة للحصول على ملايين الدولارات في عمليات تبادلهم مع حكومات بلادهم. وتحدث الصحافي البريطاني روبرت فيسك في مقالة له نشرتها صحيفة «اندبندنت» البريطانية عن حال الصحافيين الأجانب الذين كانت أعمالهم محل اهتمام وامتنان من العرب، أي من 30 عاما، لكنهم تحولوا لضحايا لم تعد دولهم تهتم بهم وبمصيرهم لانها لا تتحاور مع «الإرهابيين».
وقال انه على الأقل عندما قابل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لم يخش على حياته مثلما يخشى أي صحافي «متهور» على حياته لو أراد مقابلة زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي. وأضاف فيسك ان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الأمريكي باراك أوباما سيتخذان من ذبح الصحافي الأمريكي ذريعة لمواصلة الغارات، مؤكدا ان الولايات المتحدة لا تعرف الكثيرعن «خلافة» البغدادي وعن سبب تقبل السنة لها، لان الغزو الانكلو- أمريكي أطلق العنان لهذه النزعة الوحشية في الذبح والقتل. ورغم ان العديد من الصحافيين قتلوا أثناء الغزو الأمريكي لكن سوريا تظل وبلا منازع «مقبرة» الصحافيين، فبحسب اللجنة الدولة لحماية الصحافيين التي تابعت مصير 1070 صحافيا منذ عام 1992 تظل سوريا أخطر مكان على الصحافيين في العالم، وقتل منذ بداية هذا العام خمسة صحافيين. يضاف إلى اختفاء 20 صحافيا آخر ولا يعرف شيء عنهم.
وترى «منظمة صحافيين بلا حدود» ان سوريا اصبحت من أخطر الدول على حياة الصحافيين، وفي العام الماضي أصدرت تقريرا تحت عنوان «الصحافة في سوريا، مهمة مستحيلة» وحللت فيه الظروف الصعبة التي تواجه الصحافيين الأجانب والمحليين للقيام بمهامهم الإعلامية.
ولا تعتبر هذه ظاهرة جديدة فقد كانت سوريا في أعلى قائمة الدول الخطيرة على الصحافيين حيث قتل فيها 24 صحافيا عام 2013 و31 عام 2012. ويضاف لهذه الأرقام أعداد من الصحافيين غير المتفرغين مع صحف بعينها مثل فولي. طبعا هناك أعداد من الصحافيين قتلوا في مناطق متفرقة من العالم من أوكرانيا إلى غزة التي استهدفت فيها القوات الإسرائيلية المؤسسات الإعلامية والصحافيين الذين كانوا على الأرض يغطون ولا يزالون العمليات العسكرية في غزة.

لماذا لم تدفع الفدية؟

وفي هذا السياق يثور سؤال حول ما فعلته واشنطن من انقاذ حياة مواطنها فولي؟ وان فعلت ما يكفي، وهو ما أشار إليه انتوني لويد، مراسل صحيفة «التايمز» الذي تعرض لمحاولة اختطاف وأصيب برجليه بداية هذا العام وتحدث عن معاذير الحكومات الغربية خاصة بريطانيا وأمريكا لعدم انقاذ مواطنيها من يد داعش، فالحكومة الأمريكية تعرف عن اعتقال فولي منذ فترة.
ويرى ان مشكلة مواطني بريطانيا والولايات المتحدة ممن وقعوا في يد داعش وغيرها ان بلادهم ترفض التحاور مع الإرهابيين، وهذه السياسة عوقت المفاوضات لإطلاق سراحهم، مقارنة مع دول كفرنسا والدانمارك وإيطاليا وإسبانيا التي أشترت حرية مواطنيها الذين اختطفوا في سوريا. وهنا يشير لويد إلى اعتزاز بريطانيا بسياستها ضد الإرهاب والتي ترى ان دفع الفدية لن يزيد إلا من الإرهاب ويشجع على الخطف. ورغم هذا لم تتردد أمريكا وبريطانيا من الدخول في مفاوضات سرية للإفراج عن رهائن عندما ناسبهما الأمر.
ويذكر بالصفقة الأخيرة التي عقدتها امريكا للإفراج عن الجندي باوي بيرغدال في أفغانستان مقابل معتقلين لطالبان في غوانتانامو.
أما بريطانيا فقد وافقت على دفع ملايين لجماعات صومالية مقابل الإفراج عن كل من راشل تشاندلر وجوديق تيبوت. وفي العراق قامت المخابرات البريطانية بمحادثات سرية مع «عصائب الحق» الميليشيا الشيعية للإفراج عن خبير الكمبيوتر بيتر مور عام 2009 مما يعني ان بريطانيا مرنة عندما تريد.
كما ان هناك تناقضا بين القول والفعل، ففي العام الماضي اقترح كاميرون على مجموعة الثمانية تشريعا يمنع دفع الفدية للجماعات الإرهابية مع ان الدول الغربية دفعت منذ عام 2008 أكثر من 165 مليون دولار للقاعدة والجماعات المرتبطة بها.
ويرى الكاتب ان سياسة التشدد لم ولن توقف عمليات الخطف لان الجماعات الإرهابية انتهازية وتنتهز أية فرصة للاختطاف.

مطالب

وفي حالة فولي تقول صحيفة «نيويورك تايمز» ان داعش كان قد أرسل قبل قطع رأس فولي سلسلة من المطالب التي قدمها للولايات المتحدة منها مبلغ كبير ـ ملايين الدولارات- مقابل الإفراج عنه.
ومنها إطلاق سراح خبيرة الدماغ عافية صديقي التي حكم عليها بالسجن مدى الحياة في نيويورك تقضيها بسجن بتكساس، وذلك حسب ممثل لعائلته ورهينة سجن معه وهو طلب رفضت واشنطن تلبيته. فقد اعتبرت إدارة أوباما الموضوع محرجا خاصة ان هناك رهائن أمريكيين غير فولي لدى داعش. وتوصلت الصحيفة خلال مقابلات مع عائلات ضحايا ورهائن سابقين ووسطاء حدوث مطالب للفدية.
ومن هنا لجأت إدارة أوباما لمواجهة نقد محتمل بانها لم تفعل ما يجب لتأمين حياة فولي عن قيام القوات الخاصة بداية الصيف بعملية عسكرية داخل سوريا واشتباكها مع مقاتلين لداعش ولكنها لم تعثر على فولي أو أي من الرهائن، ولم تقل وزارة الدفاع ـ البنتاغون- أين حصلت المعركة. وتحدثت الصحيفة عن موقف الحكومة الأمريكية الذي ترفض فيه التفاوض مع الإرهاب مشيرة لمقال كتبه ديفيد رود في خدمة وكالة رويترز والذي اختطفته حركة طالبان سابقا قائلا ان مدخل الحكومة الأمريكية غير المتناسب من الاختطاف قد يكون كلف فولي حياته. ودعا رود لمناقشة موضوع الفدية واختطاف الأجانب « ويجب ان تحاسب أمريكا والدول الأوروبية على أفعالها».

الجهاديون

الملمح الثاني الذي أثارته عملية قتل فولي تنبع من كون القتيل أمريكيا والقاتل بريطانيا- وعلى ما يبدو لندني اللهجة وعضوا في الكتيبة الجهادية البريطانية التي يقدر عددها بحوالي 600 من الشباب الذين انضموا لداعش أو جبهة النصرة الممثلة لتنظيم القاعدة في سوريا.
وكون القاتل بريطانيا لم يكن اختياره عبثيا، فقد قطع كاميرون إجازته الصيفية للتباحث مع مسؤولي حكومته البارزين وتحديد هوية القاتل، والتي تم فيها تجنيد كل شيء، فحتى الان أخبرنا خبير لغويات في جامعة يورك ان القاتل «تحدث لهجة لندن المتعددة ثقافيا»ـ والتي يتم التحدث بها في شرق لندن «قد يكون من أصول لغوية مختلفة ولكن لكنته تعبر عن تعددية ثقافية كتلك التي يمتزج فيها الناس من كل الأرضيات الاجتماعية في شرق لندن- كوكني جديدة»، ولكن كلير هاردكير من جامعة لانكستر تقول ان لهجته تشبه لكنة سكان جنوب- شرق انكلترا وهي أقرب للندن «بالتأكيد نبحث عن بريطاني بلهجة جنوبية وربما لندن، إيسكس أو كينت».
ويرى مدير المركز الدولي لدراسة الراديكالية والعنف السياسي في جامعة كينغز- لندن بيتر نيومان، ان اختيار متحدث بالانكليزية قصد منه لإحداث أكبر تأثير على الغرب «فهي تهديد ويقولون سنلاحقكم في عقر داركم لو قصفتمونا».
وتنفيذ الإعدام يؤكد حسب قول نيومان مشاركة البريطانيين بعمليات قتل وذبح منذ فترة، حيث رصد المركز تحولهم هذا منذ فترة»ليس مهما مشاركة البريطانيين في قطع الرؤوس والتعذيب لان هذا يحدث منذ عام ونصف».

الفعل ورد الفعل

وبعيدا عن مواقف «خبراء» الإرهاب والبعد الدعائي إلا ان صحيفة «الغارديان» ذكرتنا ان لا «فعل في الشرق الأوسط بدون رد فعل» على الأقل منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وفي كل مرة حاولت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها التأثير على سياسات أعدائهم كانت تؤدي لمقتل رجل أو إمرأة وأمام الكاميرا اليوم.
وأضافت ان لهذا بعدا آخر متعلق بالكيفية التي نفذ فيها شاب بريطاني عملية قتل تؤثر تحديدا على مسار الشرق الأوسط حيث لم يعد للحدود التي تفصل بين الدول والطبقات معنى.
وترى الصحيفة ان الفيديو المثير للرعب لن يغير من واقع العملية العسكرية المحدودة شيئا، فالظروف ليست بنفس الخطورة كما في عام 2001، ويخطط الرئيس الفرنسي وكاميرون لعقد مؤتمر دولي حول تهديدات داعش، لكن الفيديو يظل واحدا من التطورات التي فتحت ذهننا للمخاطر التي تحملها أية عملية عسكرية مهما كانت محدودة، لتفجير أشخاص أو أشياء لن تكون بدون آثار «لا تستطيع القصف ولا تتوقع ردا، لا تتوقع من داعش التمسك بقوانين لا يؤمن بها». وبصراحة أكثر «عندما نستهدفهم فانهم يستهدفوننا» وكان فيليب هاموند وزير الخارجية محقا عندما قال ان بريطانيا والولايات المتحدة ضمن أهداف داعش منذ مدة، فتسليح الأكراد وقصف سد الموصل أفعال لم تكن لتمر بدون آثار إقليمية وربما محلية وجعلتنا «عدوا قريبا».
ولوضع حد لظاهرة داعش لاننا سنكون حمقى لو فكرنا باستمرارها يجب انهاء كل الخلافات الإقليمية التي فتحت الباب أمام صعود داعش- تركيا والسعودية وقطر وإيران وحتى سوريا. ولكن أحسن طريقة لاحتواء الحرب ومنع توسعها هو التحرك نحو حل سياسي، وهذا رهن بمواقف سكان المنطقة.
ولن يتم تحقيق شيء بدون دعم دولي ينهي حالة عدم الثقة بين السنة والعرب وحكومة بغداد الطائفية والبحث عن طريقة جديدة لحل الأزمة في دمشق ونزع فتيل النزاع السني- الشيعي. وهذا كاف بالتخلص من تهديد داعش.

كراهية بدأت من البيت

لكن صحيفة «اندبندنت» ترى ان المسألة قريبة من البيت «والكراهية» نابعة منه، وترى ان القوى الدافعة لهذا الطريق هي أكبر من قدرة الحكومات للسيطرة عليها أو مؤسسات الأمن لردعها. وتعترف ان اختيار شاب بريطاني، ربما عاش في نفس الشارع أو ركب الحافلة ودرس في نفس الكلية لم يكن مصادفة، وهو محاولة من داعش إلقاء مسؤولية ما يجري في العراق على التدخل الأمريكي عام 2003، «وعلينا ان لا نرضخ لهذا المنطق المعوج» وعلينا تسمية هذا الفعل بما يناسبه «ذبح إرهابي». وهذا لا يمنع بل يجب علينا البحث في دواخلنا عن السبب الذي دعا الشاب القيام بما فعل، مذكرة ان راية داعش لم ترفع فقط في العراق وسوريا وفي لندن. وترى ان هناك مشكلة تواجه المسلمين في بريطانيا. ولا يمكن حلها باتباع السياسات نفسها التي طبقت بعد هجمات 9/11 و7/7 حيث جرمت المسلمين عامة.
ورغم ان تعديلا جرى على هذه السياسة في عهد وزيرة الداخلية الحالية تيريزا مي التي فرقت بين سياسات مكافحة الإرهاب والعمل مع المجتمعات المسلمة لمواجهته. ويمكن زيادة التعاون مع تصاعد التهديد، وهو متعدد الوجوه عسكريا وإعلاميا وسياسيا.

دعاية

وفي هذا الإطار التفتت صحيفة «دايلي تلغراف» لملامح هذا الخطر في افتتاحيتها قائلة ان الطريقة البشعة التي قتل فيها الصحافي الأمريكي تذكرنا بالمأساة على المستوى الانساني والعائلي حيث فقدت عائلته عزيزا، وتذكرنا أيضا بشجاعته والصحافيين الذين وضعوا حياتهم في مرمى النار لتصوير وتغطية النزاع السوري، وهذا يصدق على الأطباء والممرضين وعمال الإغاثة.
وتذكرنا ثالثا بدور إعلام التواصل الاجتماعي واستغلاله بشكل كبير من الجهاديين «للصدمة والترويع» بشكل لا يستطيع أحد وقف نشر دعايتهم، فهم يستخدمون الأفعال الوحشية لزرع الرعب في قلوب أعدائهم وتجنيد أتباع لهم.
ويذكرنا الشريط أيضا بدور البريطانيين، مشيرة إلى ان الإعلان عن «الخلافة» حفز أعدادا كبيرة منهم للهجرة إلى العراق إضافة للأعداد الأخرى من الذين تطوعوا في سوريا.
وعددهم يتجاوز أعداد من تطوعوا في نزاعات سابقة مثل الشيشان والبوسنة وليبيا وأفغانستان . كما ان مشاركة بريطانيين في أعمال قتل مثلما فعل عمر شيخ الذي قتل الصحافي الأمريكي دانيال بيرل قبل 12 عاما ليست جديدة ولكن على ما يبدو فالتهديد زاد.
وترى ان الشاب الذي وقف إلى جانب الصحافي قبل قتله يمثل فشل سياسة الحكومة في مواجهة مرحلة ما بعد 9/11 وبالتالي دفعت هذا وغيره للانضمام لجماعات خطيرة كداعش.
والمشكلة ان هذا وغيره ممن يعيثون فسادا في سوريا والعراق يعيشون في أرض بعيدة، فالمشكلة تتعلق ببريطانيا وأمنها الوطني حسبما قال كاميرون قبل أيام. وما يزيد من قلق الحكومة هو ان البريطانيين يشكلون أكبر تجمع من المتطوعين في العراق وسوريا حسب توماس هيغهامر «أضخم فرقة مسلمة أوروبية اجنبية وأكبر من أية فرقة في التاريخ الحديث».

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية