في منتصف شهر نيسان/ابريل 1992 وكان قد مضى عام كامل على تحرير الكويت ؛ (من عروبتها) .؟ وبدعوة لي كعضو في منظمة (أطباء للعالم الثالث) في حملة طبية عالمية لإنقاذ أطفال العراق نظمتها وتولت رعايتها (لجنة الطوارئ) الأردنية، وبعد (ملحمّة) مع المسؤولين الأردنيين خرجنا في اليوم الثاني بعد وصولنا لعمان بالباصات عبر الصحراء، فلقد كان الطيران متوقفا من والى العراق؛ وبعد وصولنا أرادت زوجتي استعمال (مجفف الشعر) بسبب غبار الصحراء ولمسافة أكثر من 1000 كم ؛؛ لم تتمكن زوجتي من وصل المجفف بالتيار الكهربائي لكون نظام التوصيل (الفيشة) يختلف عن النظام في أوروبا؛ حضر لنا (كهربائي) وتيسر الأمر؛ ولاحظت هدوء العامل وعدم محاولته التحدث خلال عمله؟ فاتحته الحديث بكلمات عادية؛ ولمست على الفور من خلال الكلمات القليلة بأنه غير عراقي اللهجة؛ وأجابني على سؤالي بأنه …تونسـي؛ وكان يعمل في القوات المسلحة العراقية ككهربائي؛ وبعد الحرب قامت السلطات بتأمين عمل له حيث هو هنا الآن؛ ثم أضاف نحن لا تطلق علينا هنا سمة أجنبي أو وافد ..الخ نحن هنا جالية عربية حقنا بالحياة والعمل كأي عراقي آخر . سكني مجانا، راتبي العائلي لزوجتي وأطفالي كامل اضافة لراتبي والذي يساوي (ضعف راتب المواطن العراقي .؟ حليب الأطفال يصلنا للبيت في حين الكثير من أطفال العراق لا يجدونه في السوق بعد تدمير الأمريكان لمصنع حليب الأطفال الوحيد ؛وعندما سألته لماذا لم يعد الى تونس ويتجنب عناء الحياة هنا ؟ أجابني وبوجه وصوت متفجّر.. كيف أترك هذا البلد وأتخلى عنه في ايام محنته.. وقد (شبعت خيراته وكرم أهله وأصالتهم.؟ لا، لن أغدر وأتخلى؛ فالفضل أكبر من كبير؛ وفي يوم كهذا اليوم تمتحن الأشخاص، بشرفها وأصالتها ووفائها ؛لا ..أنا لن ولن أترك هذا العرين حتى يتم النصر على أعدائنا أو أن ادفن هنا وفي هذا التراب الطاهر؛ هذا بلد الرجال يا أخي . وقبل خروجه حاولت أن اضع في جيبه بعض الدنانير .؛ فارتد رافضا ومقسما ؛وقال لي ما لن أنساه مدى الحياة ؛ ان أردت أن تساعد . فساعد هؤلاء العاملين في الفندق (فكلهم) أحق مني.. وفجأة وجدتني اضمه إلى صدري وينفجر كلانا بالبكاء العنيف، فبكت زوجتي مرددة ؛ أنتم شعب يستحيل على سواكم فهمكم بأصالتكم وخلقكم الكريمة.
٭ من القوميين العرب
د. طارق الخطيب