حتى في هذه الايام الفلسطينية العصيبة والدامية، بل في هذه الايام بالذات، ولأنها كذلك، يتوجب على القيادات الفلسطينية، وعلى الكتّاب والصحافيين، وقادة الفكر وكل من ينطبق عليهم تعبير «مشكِّلي الرأي العام»، الحرص الشديد على عدم الوقوع في خطأ الخلط بين الواجبات الوطنية، وبين الدور المطلوب ايضا، من كل واحد من الاجسام الفلسطينية الثلاثة الاساسية ومتفرعاتها. واذا كان الجسم الفلسطيني الواحد الموحَّد ظلّ قائما لغاية النكبة عام 1948، فإن هذه النكبة قد قطّعت اوصاله وجعلت منه ثلاثة اجسام، لكل واحد منها ظروفه الخاصة، المختلفة عن ظروف الآخرين.
هذا الواقع المرير، واقع تكسير وحدة الجسم الفلسطيني، الذي يناضل الفلسطينيون من اجل انهائه ودحر مسبباته، يحدد لجميع الفلسطينيين «خط النهاية» لنضالهم، وفقط خط النهاية، الذي تقود اليه مسارب وشوارع وطرقات وجادات عديدة ومختلفة، يسلك كل واحد من الاجسام الفلسطينية الثلاثة ومتفرعاتها، ما يلائمه من تلك المسارب والدروب.
والاجسام الفلسطينية الاساسية الثلاثة هي: 1- جسم «داخل الداخل»، فلسطينيو الـ 48، و2- جسم «الداخل»، فلسطينيو الـ 67، و3- جسم اللاجئين في الدول العربية وفي الشتات. ونقول متفرعات تلك الاجسام، لأن ظروف اللاجئين الفلسطينيين مثلا، ودورهم في دول الطوق، غير ما هي عليه في الدول العربية الاخرى، وهي مختلفة عن تلك في دول الشتات الاجنبية، ومختلفة عنها في الداخل، وتكاد لا تشبهها بالنسبة للاجئين في داخل الداخل. فالفلسطيني اللاجئ من قرية كفر برعم الى حيفا او من صفورية الى الناصرة وشفاعمرو، يعيش ظروفا مختلفة عن اللاجئ من حيفا الى جنين او غزة او الاردن او لبنان. أُضيف الى ذلك مثلا آخر، هو ملاحظة ان القوانين التي خضع فلسطينيو الداخل في قطاع غزة، تختلف عن القوانين التي طبقت في الضفة الغربية، وهي اليوم في القدس مختلفة عن منظومة القوانين في بقية مناطق الضفة الغربية.
نتج عن هذا الواقع المؤلم، ان وفّر لكل واحد من هذه الاجسام الفلسطينية، اسلحة مختلفة عنها في الجسمين الآخرين، ما يعني بالضرورة اعتماد اساليب نضال، ووضع برامج وتحديد اهداف مرحلية قابلة للتحقيق، مختلفة لكل واحد من الاجسام الفلسطينية، مختلفة ولكنها غير متناقضة، بل هي تكمِّل بعضها البعض.
هذا الامر يعني منع «العزف المنفرد» لكل واحد من الاجسام الفلسطينية، واعتماد «مايسترو» يضبط الايقاع لسمفونية فلسطينية وطنية مقنعة، تكسب الاعجاب والتأييد لكل الاجسام الفلسطينية، كلٌّ في ساحته. هذا المايسترو موجود، واسمه: رئيس واعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي توافق الفلسطينيون على اعتمادها واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
واذا كان هذا المايسترو يعاني من هذا المرض او ذاك، فان المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، تستدعي معالجة المرض، متأكدين مسبقا بشفاء كامل وناجز، لأن جميع دروس التاريخ تعلمنا ان شعبا بحيوية الشعب الفلسطيني، هو شعب خالد لا يزول، وهو قادر على تخطي كل العقبات والعراقيل، مهما كانت قوتها، ومهما بدت في لحظات احباط ويأس وكأنها عقبات وعراقيل لا مجال لتخطيها.
نسمع هذه الايام دعوات «تستنهض» همم الفلسطينيين في داخل الداخل «للانخراط» في الهبّة الفلسطينية الراهنة. هذه الدعوات من فتية وشباب مفهومة ومبررَّة، اما عندما تصدر عن «مفكِّرين» (!) ومسؤولين وتنظيمات وفصائل وحركات وجبهات فلسطينية، فهي دعوات مشبوهة، بل انها اكثر من ذلك: انها دعوات تصبّ في طاحونة ومصلحة رئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو وحكومته اليمينية العنصرية المنبوذة من غالبية شعوب ودول العالم، بما في ذلك شعوب ودول الغرب، التي كانت منذ خلق وانطلاق الحركة الصهيونية والى وقت قريب، من خالقي ومناصري الظلم الصهيوني، والمعادين لحقوق ومصالح ومستقبل الشعب الفلسطيني والامة العربية.
وللتوضيح نقول: هذه الهبّة الفلسطينية، هي رسالةٌ مفهومة عالميا بكل لغات الارض نطقها وصرخ بها فِتيةٌ فلسطينيون بدمائهم الزكية، وبأرواحهم الطاهرة، أكدت ما قاله الرئيس الفلسطيني وكل الفلسطينيين، من ان استهداف الاقصى، واغتصاب القدس العربية، واستمرار التنكّر للحقوق الفلسطينية المشروعة، وبناء المستعمرات الاسرائيلية، (ولا اقول «المستوطنات اليهودية»، في اراضي الدولة الفلسطينية، فهي ليست مجرّد مستوطنات يهودية، كما تقول اسرائيل)، وتهويش وتحريض وحماية اوباش وقطعان ووحوش هؤلاء المستعمِرين، باعتبارهم «دُوْل حِماية» (كما تقول كلمات احمد شفيق كامل، التي لحّنها محمد عبد الوهاب، وغناها عبد الحليم حافظ)، هو واقع ظالم ومجحف ومرفوض، ولا يمكن له ان يستمر. ولقد بلغت هذه الرسالة الفصيحة مسامع كل اهل الارض، من بان كي مون وحتى اصغر طفل يهودي في تل ابيب، مرورا بأوباما ونتنياهو وحكومته العنصرية وحزبه وكل من بين جميع هؤلاء، وبدون اي استثناء. ولقد أثمرت: انكار نتنياهو السعي للاخلال بوضع المسجد الاقصى، وأثمرت: اعتراف نتنياهو وحكومته واسرائيل كلها عمليا، وإن لم يكن بشكل معلنٍ رسميا، ان القدسَ العربية هي قدسٌ عربية، تفصلها عن قدس الـ 48 حدود وحواجز اسمنتية واسلاك شائكة ونقاط تفتيش.
وللتوضيح ايضاً نقول: ان من اسميتهم «فلسطينيو داخل الداخل» يملكون سلاحاً هو بطاقة الهوية الاسرائيلية، (ولا اقول «الهوية» وانما البطاقة، حيث ان هوية جميع هؤلاء كانت وما زالت وستبقى فلسطينية عربية). هذا السلاح الفعّال، يوفّر لجميع افراد هذا الجسم الفلسطيني الاصيل، امكانية الاحتكاك والتواصل المباشر واليومي والمتواصل مع اليهود في اسرائيل. وأُغامر هنا واقول، (ورزقي على الله)، أن الواجب الوطني والدّور الذي يجدر بكل من يملك هذا السلاح ان يلعبه، سواء كان طالبا او عاملا او تاجرا او محاميا او مهندسا او طبيبا او كاتبا، ان يبني هو وعائلته علاقات انسانية مع مقابله من اليهود في اسرائيل، طلابا وعمالا وتجارا ومحامين ومهندسين واطباء وكتّابا، يكسبهم ويقنعهم بأن نَيل الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية المشروعة، لا يعني الحاق الضرر باليهود في اسرائيل، وانما فتح آفاق تضمن مستقبل من السلام والاستقرار والازدهار للأجيال المقبلة من الشعبين.
لن أُنهي هذه المعالجة لهذا الموضوع تحديدا، دون التثبيت والتوثيق خطّياً لما قلته شفهيا مئات المرات في مناقشات مع مزاودين في «داخل الداخل»، وصار مثل شعارٍ يُنسب لي، وأعتزّ به، وهو، (بما يرمز ويشير اليه، وليس بحرفيته): عندما تُخيف ام الفحم نتانيا، فإن نابلس تدفع الثّمن، اتقوا الله!.
ماذا عن اسلحة وادوات وبرامج واهداف مرحلية للجسمين الفلسطينيين الآخرين: جسم الداخل 67، وجسم اللاجئين؟؟ لهذا حديث آخر في مقبل الايام.
لا بُدّ من رأس عاقل شجاع حكيم للاجسام الفلسطينية الثلاثة ومتفرعاتها.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور