ألم تملوا؟ في كل يوم غفران نكرر ذنبنا، خيانتنا، خيانة الآخرين لنا والمفاهيم التي كان يفترض بنا أن نستوعبها… ولا يتغير أي شيء فاسد. أنا لا أتحدث عن طقوس التطهر التي يقوم بها المؤمنون، والتي هي شأنهم. ومثلما في ملاعب كرة القدم أو قاعات الكونسرتات، الكل يلبس ذات الغطاء أو الخرقة الجماعية أو القميص قصير القم الذي يحمل شارة الفرقة، فيهمسون أو يصرخون في نزعة جماعية كبرى يتواسون بها ويأمنون في ظلها. ما الضير؟ فلنهنأ جميعا ونستمتع باصلاح الروح. كل واحد ويوم غفرانه.
يوم غفراني هو النقد السنوي لدروس السياسة التي أدت إلى حرب يوم الغفران، إلى آلاف القتلى والجرحى وعشرات الاف العائلات المحطمة، وصعود التيار المسيحاني القومي. دروس لم تستخلص ابدا على المستوى الوطني. بل العكس: ذات سياسة الرأس في الحائط، التي أدت إلى تلك الحرب تتواصل وتتحطم على صخرة الواقع بالضبط مثلما في تلك الحرب اللعينة اياها. صحيح أن حربا على الوجود على تبدو في الافق (وفي واقع الامر حتى في حينه لم تكن كذلك)، ولكن النزف الدائم والانهيار المنهاجي لاسس ولقيم الدولة يوجد هنا كل يوم، ساعة إثر ساعة، يوم غفران إثر يوم غفران.
يوجد اجماع على ان الرجل الشرير في الحرب هو ايلي زعيرا، رئيس شعبة الاستخبارات والمقدر الوطني. هو الذي وقف أمام الجيش الإسرائيلي، السياسيين، الجمهور والإعلام وقال، لن تكون حرب. ذنب زعيرا هو التلاعب الذي نجحت غولدا وشركائها، الاستراتيجيين الحقيقيين للحرب، في زرعه في الوعي العام والتاريخي.
من قرر إلا تكون حرب بعلم واضح أن الحرب ستكون بالفعل هو مجلس حرب غولدا، دايان، غليلي والون. فقد قررت هذه العصبة، برأس بارد، إلا تتخذ أي خطوة، لا ضربة مسبقة من سلاح الجو ولا تعزيز الخطوط في القناة وفي الهضبة، وانتظار الضربة السورية ـ المصرية. من الصعب أن نفهم وحتى من الصعب أن نصدق، ولكن هذه العصبة ارادت الحرب. ثمة من يعتقدون بان ثمة حروبا تنشب سلسلة أحداث مصادفة ورصاصة صغيرة تؤدي إلى رصاصة اكبر منها، احد ما لم يفهم الامر ـ وبوم. الحقيقة المرة هي أن الحروب تنشب بين طرفين لهما مصالح متضاربة، والمنتصر بشكل عام هو ايضا المحق.
في يوم الجمعة ما قبل نشوب المعارك، يقول دايان بوضوح: «لا تحركوا القوات إلا إذا كان هذا يبدأ حقا». قبل نصف سنة من ذلك (مداولات هيئة الاركان في 21 ايار 1973) سأل نائب رئيس الاركان تليك دايان إذا كانت إسرائيل تريد الحرب. «عندما تسأل إذا كانت إسرائيل تريد الحرب»، تحفز دايان، «فان إسرائيل إذن لا تريد الحرب، ولكن السؤال هو ما العمل إذا كان العرب يريدون، وما هي النتائج المرجوة من تلك الحرب مثلما يمكننا أن نراها»….
في 1973، عندما أراد العرب الحرب، المنطق الاستراتيجي للمجلس الوزاري كان امتصاص الضربة الاولى. والسبب: ضغط أمريكي وعالمي للانسحاب من سيناء والهضبة. فاذا كانت إسرائيل تبادر أو تستعد للحرب لكانت اتهمت بالعدوان وبتعطيل الخطوة العالمية. إذا كانت إسرائيل تتعرض للهجوم وتقاتل في سبيل حياتها فهذه قصة اخرى. المنطق التكتيكي كان لادخال الجيش الإسرائيلي في ظل القتال إلى عمق سوريا ومصر، العالم يفرض وقف النار، وفي المفاوضات التي تجري تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما بعد 1967، سيناء والهضبة في أيدينا، والعالم يبرر موقفنا. وقد نجح هذا. الجيش الإسرائيلي كان في الكيلومتر 101 من القاهرة وفي الجيش السوري على مسافة مدفع من دمشق.
لقد كان فشل غولدا وشركائها هو نجاح الجيشين المصري والسوري في الخطوة الاولى. اعداد القتلى، صور الاسرى، احاسيس خيبة الامل والخوف، كل هذا اشعل احتجاج الجمهور الذي دللته القيادة بالوعود بتطيير العرب إذا ما تجرأو على رفع اليد. أما النار التي اندلعت فأكلت الحكومة وفي نهاية المطاف، في 1977، ائتلاف اليسار ايضا.
في ذاك النهار من يوم الجمعة قبل اندلاع المعارك شرح دايان في نهاية المداولات فقال: «اذا لم تكن لنا سياسة تقول بالسماح لهم ببدء الحرب (أي ذبح الجنود الإسرائيليين المتفاجئين ـ ر. أ)، فخسارة إذن تخريب القصة. يأتون فنعالجهم. ينبغي قراءة هذا النص مرة اخرى كي نفهم ما تعني الأقوال: لا تصنعوا الأمواج، دعوهم يهاجمون.
قبل ست سنوات من حرب يوم الغفران، عشية حرب الايام الستة، يأتي العقيد ايلي زعيرا إلى اجتماع ضباط وحدة «سييرت متكال» الخاصة. كرئيس وحدة جمع المعلومات في شعبة الاستخبارات، الوحدة تحت قيادته. ثلج في عروقه، عيناه (الزرقاوان) تبثان تهكما وصوته سلطوي، إن لم يكن سيدي. وهو يقول لضباط السييرت، بينهم نائب القائد الذي يسمى ايهود بروغ (لاحقا، باراك): «في غضون اسبوع ستكون حرب. سيشارك فيها جيشان ـ ثلاثة جيوش عربية ونحن سنضربها جميعها في غضون اسبوع». الكل نظر اليه بتشكك. وواصل زعيرا: «العرب سيرتكبون خطأ آخر، والمشروع الصهيوني سيتقدم خطوة اخرى نحو تحققه. بالضبط مثلما في 1948 ـ حين اخطأ العرب إذ هاجمونا ونحن وسعنا حدود التقسيم. في 1956 ارتكب العرب خطأ آخر ونحن مرة اخرى ضربناهم وثبتنا مكانتنا في المنطقة. الان، في 1967، يوشكون على ارتكاب خطأ آخر المشروع الصهيوني مرة أخرى سيتخذ خطوة إلى الأمام».
بعد نحو اسبوع اندلعت الحرب. المشروع الصهيوني بالفعل اتخذ خطوة إلى الأمام. على ما يبدو نحو خرابها. صلوات الاستجداء والندم لن تجدي نفعا هنا. ربما الحرب. مرغوب فيه ضد أعداء حقيقيين.
معاريف 11/10/2016