بطرحه «رؤية السعودية 2030» قدّم الأمير محمد بن سلمان استراتيجية كبرى للمملكة تعتمد، في الدرجة الأولى، على الاقتصاد، الذي هو محرّك ثروات الأمم والعنصر الأكبر في قوّتها السياسية ووزنها في العالم.
ربط هذه «الرؤية» ببلد ضخم ومؤثر في العالم يجعل من تفحّص تفاصيلها وقراءة الإمكانيات القادرة على فتحها ضرورة كبيرة، وهو أمر واضح في هذه الرؤية حيث إن وليّ وليّ العهد السعودي أشار إلى العمق العربي والإسلامي للمملكة، وقوّتها الاستثمارية، وموقعها الجغرافيّ، باعتبارها ثلاث نقاط قوّة يمكن الاستفادة منها إلى الحدود القصوى.
ورغم أن الأمير يؤكد أن تدارس «الرؤية» وبحثها كان جاريا قبل هبوط أسعار النفط، لكنّ الواضح أيضاً أن هذا الهبوط والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تترتب عليه جعل من الخطة الجديدة أمراً ملحّاً، والأهم من ذلك أنه جعل القيادة الرسميّة للسعودية تتقبل بجرأة فكرة مستقبل مقبل من دون نفط، وأن تعتبر ذلك أمراً مصيريّاً يحدد وجود المملكة وتتوجّه نحو قرارات كبرى.
ورغم التركيز الهائل على الاقتصاد، من خلال خطط إعادة هيكلة «أرامكو»، الشركة النفطية الأكبر في العالم، والصندوق السياديّ، ومشاريع استثمار الأراضي والسياحة والترفيه، فقد تلمّست الاستراتيجية الجديدة بعض قضايا التنمية البشرية، وانتقدت البيروقراطية، وأشارت إلى ضرورة الشفافية، وفتحت آفاقا لتغيير العلاقة التي أصبحت خارج مقاييس العصر مع المواطنين من جنسيّات غير سعودية من خلال الحديث عن «الغرين كارد»، وتسهيل إقامات الأجانب وربّما الخروج من معادلة المواطن والكفيل الشهيرة.
كلّ هذه إشارات مشجّعة لكن الأكيد أن القيادة السعودية تعلم أن تطبيق استراتيجية بهذا الحجم الضخم سيواجه بمعوّقات ممن تتعارض مصالحهم الاقتصادية معها، وأن هذه المصالح المتناقضة قد تتمظهر بأشكال مختلفة من التعويق والممانعة، وخصوصاً مع وجود قوى محافظة تستشعر التهديد من أي تغيير أيّاً كان نوعه.
ورغم أن «الرؤية» لم تتطرّق إلى المخاطر السياسية والعسكرية التي تتعرّض لها المملكة فإن إشارتها إلى التصنيع العسكري الداخلي وتخطيطها لزيادة نسبة المشتريات الداخلية من 2 في المئة إلى 50 في المئة يظهر أن الدفاع عن نفوذ المملكة العسكري ووجودها في الإقليم والعالم كامن بشكل غير مباشر في تلك المقاربة.
وقد قدّم الأمير نقداً مهمّا للوضع العسكريّ السعودي بإشارته إلى أنها ثالث أو رابع أكبر دولة في العالم تنفق في المجال العسكري بينما التقييم العالمي لجيشها يضعه في خانة العشرين في العالم، وقدّم مقاربة مهمة تنتقد الهدر الكبير في هذا المجال.
يبقى القول إن هذه الرؤية الطموحة جدّا للمملكة تجعل من التطوير الاقتصادي عربة التطوير السياسيّ المأمول فدول الخليج العربيّ، وعلى رأسها السعودية، استطاعت لفترة طويلة توفير الرخاء والازدهار الاقتصادي والاستقرار الأمنيّ لشعوبها، لكنّ هذه المعادلة تعرّضت لاهتزاز كبير لأسباب تجمع بين الاقتصاد والسياسة.
أهم هذه الأسباب هو التحدّي الكبير الذي تقدّمه إيران، سياسياً واقتصاديا وأمنيّا، وحين توازى ذلك مع هبوط أسعار النفط، وصعود إمكانيات الطاقة البديلة، وتحطّم النظم والنسج المكونة للمجتمعات العربية على امتداد واسع، وصعود أخطار التطرّف السلفيّ، والنقد المتزايد لابتعاد نظم الخليج عن مقاييس المنظومة الدولية للحوكمة وحقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية، أصبح التطوير الاقتصادي والسياسيّ أمراً يتوقف عليه وجود هذه النظم، وربما، مستقبل المنطقة كلها.
رأي القدس