رؤية تلامس موقع الدين والجيش في الدولة المصرية

يبدو أن فتح الباب أمام آراء ورؤى المهتمين بدرجاتهم المتفاوتة؛ حول الموضوع المطروح من مدة على هذه الصفحة عن «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق الأوسط الجديد»؛ كشف عن رغبة بدت صادقة؛ تحاول الخروج من أسر التعصب وجحيم العنف الدموي.. فتعود الجسور التي بناها الرواد الأوائل بين القوى والتيارات والأفكار المحركة للمجتمعات والمؤثرة في تاريخها؛ وذلك من أجل ألا يبقى العرب محاصرين في مواجهة خطر التقسيم والتفكك.
وفي السطور التالية نتناول رؤية المهندس عزت عبد المنعم هلال. مدون مصري وخبير برمجيات ومن الناشطين على شبكة «التواصل الألكتروني».. وعندما تُوصَف بأنها رؤية فهذا وصف اختاره صاحبها.. وهي فرصة توحي بالتفرقة بين الرؤية والرأي، الذي قد يكون جزئيا أو مركزا على زاوية واحدة من المشهد دون غيرها، وأرجو أن أتمكن في هذه المساحة المحدودة من عرضها بما لا يخل بما جاء فيها.. ولا بما حوت من جرأة ملحوظة اقتحمت مناطق مسكوتا عنها!!.
وهذه الرؤية توافقت مع ما طرحه الاستاذ الجامعي العراقي المتقاعد؛ علي الرفاعي، وجاء ذلك بعدد «القدس العربي» الصادر يوم السبت التاسع من هذا الشهر، وكان عن «أسس بناء الدولة الحديثة» وربطها عزت هلال بما جاء في رؤيته عن «منظومة الدولة الديمقراطية الحديثة». وبنى تصوره على أنها منظومة جامعة لكيانات مستقلة بينها رابط يستجيب لمتطلبات الدولة في تطورها المعاصر.
والكيانات المستقلة المقصودة هي: «السلطة التنفيذية، والمجلس النيابي، والقضاء، ودخلت المؤسسات الدينية ضمن المجتمع المدني، بجانب أجهزة الرقابة، ومؤسسة المعلومات، واقتراح توحيدها في كيان واحد هو الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبمسمى جديد هو «جهاز المعلومات القومي». وبذلك تدخل الأحزاب ضمن منظمات المجتمع المدني؛ بشرط تجنب تدخل السلطتين التنفيذية والقضائية، مع منح الموافقات عليها وعلى قيامها بمجرد الإعلان عنها وفق شروط متفق عليها؛ مثل أنها لا تقوم على أساس ديني، ولا تحمل سلاحا، وتنظيماتها معلنة بقوة القانون.
والسلطة التنفيذية (الحكومية) يرأسها رئيس الجمهورية، وحسب رؤية المهندس هلال يتولى رئيس الجمهورية بنفسه رئاسة الوزراء، وتتبعه المؤسسات التنفيذية والوزراء والمحافظون والقوات المسلحة والشرطة. ويحتل الرئيس منصبه بالانتخاب من بين مرشحي الأحزاب الكبيرة؛ التي يزيد عدد أعضائها عن مليون عضو، وتتوزع على أكثر من 80٪ من إجمالي المحافظات. ولا يحق ترشيح مزدوجي الجنسية، ولا قادة القوات المسلحة والشرطة إلا بعد ترك الخدمة بمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. ويكون للرئيس نائب أو أكثر يحل محله في حالة غيابه.
والبرلمان ‫(‬مجلس النواب‫)‬ ‫»‬كيان مستقل‫»‬ ويمثل سلطة مسؤولة عن التشريع، ورقابة السلطتين التنفيذية والقضائية، ويمثل الشعب تمثيلا سليما وكافيا من جميع المحافظات، ويُختار أعضاؤه بالانتخاب الحر المباشر. وتُجرى لرئيسه ولجهازه الإداري انتخابات داخلية من بين الأعضاء. ويقبل البرلمان مشروعات قوانين تقدمها السلطة التنفيذية وكافة مؤسسات الدولة. ولا يحق لرئيس السلطة التنفيذية تعيين أي عدد كأعضاء فيه. وللمجلس النيابي أن يستعين بالجامعات والمراكز البحثية في معالجة بعض الأمور بصفة غير دورية. ومراقبة البرلمان للحكومة سياسية، ولا يحق للبرلمان تشكيل حكومة، ولا ممارسة مهام تنفيذية. وإذا أصدرت الحكومة تشريعات فتكون مؤقتة؛ حتى ينعقد البرلمان. ويتمتع أعضاء البرلمان بالحصانة أثناء الجلسات وبين أروقة البرلمان وقاعاته فقط، مع عدم منح حصانة لأعضاء الحكومة‫.‬
والقضاء وفق هذه الرؤية ‫»كيان مستقل‫»؛ ويعين جميع أعضائه من بين خريجي كليات الحقوق، ولا يقبل أعضاء من الشرطة إلا بعد مرور ثلاث سنوات على ترك الخدمة على الأقل، وللقضاة وحدهم حق تشكيل الجهاز القضائي دون تدخل السلطة التنفيذية، ويُلغى منصب وزير العدل. ويقوم ‫»جهاز النيابة‫»‬، كجزء من السلطة القضائية بالرقابة على ‫»جهاز احتجاز المواطنين‫»‬ التابع لجهاز الشرطة‫.‬ ‫(‬لا يعرف كاتب هذه السطور بوجود جهاز بهذا الاسم إلا إذا التبس عليه الأمر إذا ما كان القول جزءا من الرؤية المعروضة ذاتها‫).‬ والقضاء يصدر أحكامه وفق التشريعات الصادرة عن البرلمان. وليس للقضاء حق التشريع؛ لكن له أن يقدم مشروعات تشريعية للبرلمان. والقضاة لا يتولون مناصب تنفيذية ‫(‬حكومية‫)‬. وأعضاء الحكومة لا يُعيَّنون بمناصب قضائية، والحكومة تنفذ أحكام القضاء، الذي لا يمارس عمل سياسي، ولا يشكل أو يشارك في الأحزاب السياسية‫.‬
وقاعدة ‫»الاستقلال‫» يقترحها هلال لمنظمات المجتمع المدني؛ واعتبرها ‫»كيانا مستقلا‫»؛ تتحمل مسئولية الرقابة، وتضم المؤسسات الدينية داخلها، وهي تختص بالإشراف بشكل مباشر عن أماكن العبادة وأعمال الإرشاد الديني والوعظ. وتُمنع مؤسسات المجتمع المدني ‫-‬ حسب هذا التصور ‫-‬ من تولى سلطات تنفيذية أيا كانت؛ مثل تسجيل عقود الزواج. وكل مؤسسة منها تختار جهازها التنفيذي والإداري من أعضائها بعيدا عن السلطة التنفيذية، وتنشر التشكيلات الإدارية ومصادر التمويل على الإنترنت في صفحة خاصة بكل مؤسسة على حدة‫.‬
وعن أجهزة الرقابة فإنها تراقب الأجهزة الحكومية، وباقي مؤسسات الدولة؛ ماليا وإداريا، وترفع تقاريرها إلى البرلمان وتُقيم الدعاوى القضائية إذا لزم الأمر. والأحزاب السياسية لها حق استثمار أموالها كمؤسسات غير ربحية. وجميع المؤسسات المدنية لها حق عقد ندوات دون إذن الحكومة. وعلى النقابات المهنية أن تركز اهتمامها على الارتقاء بالمهنة ورفع مستوى ممارسيها، ولا تمارس نشاطا سياسيا. وإذا كانت الأجهزة الرقابية تُمول من ميزانية الدولة، فعلى باقي مؤسسات المجتمع المدني أن تُمول نفسها ذاتيا‫.‬
وقد تطرق هلال إلى إشكاليتين في الدولة المصرية الحديثة؛ إحداهما تتعلق بوضع الدين في هذه الدولة‫..‬ وخلال العقود الأخيرة تحولت هذه الإشكالية إلى تكئة للترويع الفكري والمذهبي والبدني من فرق مذهبية عدة؛ أخطرها “السلفية المسلحة”‫..‬ وتطعن في حديث تعددت رواياته، وتجنبا لسوء الفهم نُعمل قاعدة يُعتمد عليها في حالة وجود خلاف على نص ديني؛ تلزم من يشير إليه بقول عبارة ‫»‬ما معناه‫»‬ قبل النطق بالنص وهو في حالتنا هذه‫:‬ ‫»‬من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر‫»‬.. وينطلق خبير البرمجيات المصري من إيمان إسلامي يرى أن الدين لا يمثل سلطة؛، ولا يجب أن ينحاز للحكومة أو القضاء أو البرلمان. ويقر بأن الدين عامل مهم في الحياة ويغير منها؛ بوسيلة حددها القرآن الكريم: ‫»ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين‫»‬ (125 النحل 16‫)..‬ ويشير إلى الإيمان المسيحي، الذي يُفرق بين ملكوت الله وملكوت الناس، أو بين ما يعرف باللاهوت والناسوت‫.‬
والإشكالية الثانية هي دور القوات المسلحة‫…‬ ويوضح كاتب هذه السطور أن العمل العسكري والحروب استقرت على مفهوم قال به الجنرال الألماني ‫»‬كارل فون كلاوزفيتز‫»‬ (1780 ‫-‬1831‫)‬؛ ذاعت شهرته كقائد بروسي بسبب دراساته ونظرياته في الحرب والسلام، وفي الفلسفة والتكتيك والإستراتيجية، وما زالت أساسا للعلوم العسكرية الغربية، وتدرس في الأكاديميات العسكرية وغير العسكرية، ويعتبر من أكبر المفكرين الاستراتيجيين والعسكريين شهرة وتأثيرا على مدى التاريخ العسكري القديم والحديث‫..‬ وينظر إلى الحرب كعمل سياسي؛ تبدأ وتنتهي لخدمة أهداف وغايات سياسية؛ ولهذا استقر الفكر العسكري والسياسي والاستراتيجي منذ ذلك الوقت على أن قرار الحرب لا يترك للعسكريين؛ باعتباره قرارا سياسيا أولا وأخيرا‫!!‬. وهاتان الإشكاليتان تحتاجان لمساحة أخرى نستكمل فيها رؤية عزت هلال حولهما‫.‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

رؤية تلامس موقع الدين والجيش في الدولة المصرية

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية