قليلة وسائل الإعلام في إسرائيل هي التي تناولت هذا الأسبوع زيارة وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي. فيدريكا موغريني، دبلوماسية إيطالية تتولى المفوضية العليا لشؤون الخارجية في الاتحاد هي معارضة حادة لتصريح ترامب عن القدس ونقل السفارات الأوروبية إلى العاصمة. لهذا السبب، ولسبب عطفها العام على القضية الفلسطينية، قدم لها رئيس الوزراء هذا الأسبوع درسا تاريخيا في العلاقة العتيقة للشعب اليهودي بالقدس. وبعد أن التقت نتنياهو، تفرغت للقاء رئيس الكنيست يولي ادلشتاين. وهو الآخر أغرقها بالصهيونية، ولكن من نوع آخر.
اشتكى ادلشتاين أمام الضيفة رفيعة المستوى عن زعيم السلطة أبي مازن. أقوال رئيس السلطة للأوروبيين بالإنكليزية، قال المضيف الإسرائيلي، تختلف عن رسائله للجمهور العربية بلغته. بكلمات أخرى، اشتكى ادلشتاين من أن محمود عباس يتعامل مع الأوروبيين بوجهين. «بالإنكليزية عباس يقول كل الأمور التي يريدون أن يسمعوها عن وقف العنف، التعاون الأمني والاقتصادي، الحاجة إلى مفاوضات وما شابه»، قال لموغريني، «أما بالعربية فهو يدعو إلى تدمير الكيان الصهيوني وإزالته من الشرق الأوسط، ويسمينا مشروعا استيطانيا للأوروبيين. وعليه فلا يمكن أن يعجب من أن يقوم أبناء 15 بتنفيذ أعمال إرهاب».
غير أن كل من يتابع في السنوات الأخيرة خطاب أبي مازن بلغته الأم، وجد فيها اللازمات التي يدعي أدلشتاين أنها تغيب. مرات عديدة عاد وأعل رغبته في السلام وفقا لصيغة الدولتين. وبرغم الضغط من جانب حماس واتهامه بالخيانة فإنه يصر على أن يبقي على حالة التعاون الأمني مع إسرائيل. في خطاباته يدعو الفلسطينيين إلى الاحتجاج بالطرق السلمية، ويدعي أن الطريق إلى الدولة لا يمر في العنف والإرهاب. والتفسير على لسانه بسيط: إسرائيل أقوى من الفلسطينيين. ولهذا فإن استخدام القوة ضدها مآله الفشل. أما تبني خطوات قانونية ودبلوماسية بالمقابل فكفيل بوضعها في حالة دون وتسجيل إنجازات.
بخلاف أقوال رئيس الكنيست لم يدعُ أبو مازن إلى إبادة إسرائيل. في خطابه الذي يجري الحديث عنه قبل نحو أسبوعين، والذي شتم فيه ترامب بكلمات «يخرب بيتك» كرس فصلا كاملا للادعاء بأن إسرائيل هي دولة مهاجرين، ولهذا فقد خلقت من العدم. وعلى مدى دقائق طويلة، وضع امام سامعيه جملة حقائق صبيانية وغريبة عن مشروعات الهجرة في بداية عهد الدولة، ووصف إسرائيل كدولة استعمارية. والرسالة الكامنة هي أن اليهود تعود جذورهم إلى بولندا، روسيا، العراق واليمن وبالتالي لا حق لهم في دولة على هذه الأرض. يحتمل أن يكون رئيس الكنيست استخلص من هذه الأقوال ان عباس يرغب في إبادة إسرائيل.
تفيد هذه القصة بأمر او اثنين عن آلية تصميم الرأي العام. للسياسيين الإسرائيليين تأثير عظيم نسبيا في الجمهور، وهذا يساعده على بلورة موقف سياسي. والادعاء أن أبا مازن يتحدث بصوتين قابلين للاستيعاب جدا، وبوسعه أن ينغرس في الوعي بسهولة كبيرة. في حالة محمود عباس، لإن اتهامه بازدواجية الوجه يقع على أرض خصبة: فقد عزت إسرائيل هذه العادة لسلفه ياسر عرفات. والمحاولة لاظهاره كمن يتقاسم هذه الميزة مع عظيم القتلة الذي سبقه، توقع وصمة على أبي مازن.
في لقائه مع الضيفة الإيطالية ربط رئيس الكنيست بين اتهامات أبي مازن بأن إسرائيل هي مشروع استعماري ودوافع الفتيان الفلسطينيين للخروج إلى طعن الإسرائيليين. وبالفعل، يؤسفني أن أخيب أمل الطرفين: فلم يوجد بعد الولد الذي يمكنه أن ينجو من خطابات رئيس السلطة.
معاريف 26/1/2018
جاكي خوري