رائحة الفساد «بلاكووتر» تؤمن الطريق الدولي في العراق

لم يعرف العراق معنى الشركات الأمنية الخاصة أو شركات الحماية قبل 2003، إذ كانت الأجهزة الأمنية وقوات الجيش، هما من يتكفلان هذه المهمات، مثل الكثير من دول العالم.
وبعد أن أطاح الغزو الامريكي نظام صدام، وأصدر الحاكم الأمريكي المدني بول بريمر تعليماته، التي نظمت الحياة خلال السنة الانتقالية، بات هنالك فراغ أمني، بعد قرار حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، ولأن الجيش الأمريكي لم يكن له دور في حفظ الأمن الداخلي في العراق، لذلك فتح الباب على مصراعيه للشركات الأمنية، التي جلبت عشرات الآلاف من المرتزقة من أكثر من 20 دولة، لتقوم بمهمات أمنية تتضمن حماية المقرات الإدارية الامريكية، وتوفير الامن للشخصيات المهمة والوفود الاجنبية التي تزور البلد، بل تعدى الامر تلك المهمات ليصل لحماية بعض المؤسسات والشخصيات العراقية المهمة.
وكانت أبرز تلك الشركات شركة «بلاكووتر» الامريكية التي حصلت على أكبر العقود من الخارجية الأمريكية، ومن الادارة المدنية في العراق، وهي شركة يقع مقرها الرئيس في ولاية كارولينا الشمالية، قام بتأسسيها عام 1997 إريك برنس، الذي خدم سابقا في مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وهو معروف بأنه مقرب من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، ومن الذين أسهموا في دعم حملته الانتخابية، كما يضم مجلس إدارة الشركة عدداً من الذين خدموا في مناصب رفيعة في الوكالات الأمنية والدفاعية الأمريكية، مثل كوفر بلاك، الرئيس الأسبق لقسم مكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، لكن هذه الشركة خرجت من العراق بفضيحة عرفت بـ»مجزرة ساحة النسور» في بغداد، حيث فتح حراس من الشركة النار على سيارات مدنية عراقية وراح ضحية الحادث قرابة الـ40 شخصا بين قتيل وجريح، مما حدا بالبرلمان العراقي للضغط على الحكومة لطرد الشركة من العراق في سبتمبر 2007، وبقيت تداعيات الحادث تدور في فلك القضاء الامريكي، حتى ادت الاحكام القضائية إلى تفكك الشركة ومطاردة بعض اعضاء مجلس الادارة حتى عام 2010.
من المعروف أن الشركات الامنية الخاصة حصلت على شروط عمل جعلتها محصنة ضد أي مطاردة من القضاء العراقي، بسبب القرار رقم 17 لعام 2004 سيئ الصيت، الذي أصدره الحاكم المدني في العراقي، والذي منع مقاضاة أفراد الشركات الأمنية أمام المحاكم العراقية، أو حتى امام القانون العسكري الامريكي، ما خلق من افراد هذه الشركات قوات مرتزقة منفلتة في الشارع تتصرف بسفالة دون أن تخشى ردعا من أحد، لذلك لجأ ضحايا «مجزرة ساحة النسور» إلى القضاء الامريكي المدني، بوصف من قام بالقتل مواطنون امريكيون، وقد جرّم القضاء الأمريكي اربعة ممن اطلقوا النار وحكم عليهم بالسجن، ومع تداعيات الربيع العربي ظهر إريك برينس مدير بلاكووتر المنحلة، الذي كان يبحث عن مكان آمن لجيش المرتزقة الذي يقوده في إمارة «ابو ظبي» ليؤسس شركة (أولف) أو كما عرفت بـ «شركة الزيتونة للخدمات الامنية» المملوكة لحكومة ابو ظبي، وكذلك اسس شركة R2 التي قامت بتنفيذ عمليات لصالح دولة الإمارات في ليبيا واليمن وافغانستان في فترات متفرقة بعد 2010 .
دخلت شركة (أولف) الجديدة التي هي عبارة عن شركة بلاكووتر، بعد التدوير إلى العراق بعد ما عرف بحادثة الطائرة الإماراتية في العراق عام 2015، حين تعرضت لاطلاق نار أدى إلى جرح بعض الركاب واصابة الطائرة ببعض الاضرار، ما جعل حكومة الامارات تستعين بشركة (أولف) للحماية بعد التنسيق مع الحكومة العراقية، ومن هذا الباب دخلت الشركة للسوق العراقية مرة أخرى، حيث قامت بتوريد سيارات مدرعة للحكومة العراقية، وحصلت على بعض عقود الحماية للموانئ العراقية في محافظة البصرة.
مع تحرير محافظة الانبار، تزايد الحاح الحكومة المحلية للمحافظة على اعادة تأهيل وفتح الطريق الدولي، الذي يربط بغداد وعمان مرورا بمحافظة الانبار، وهو الطريق الذي سيطرعليه تنظيم «داعش» قرابة السنتين، وتعرض لأضرار كبيرة، ومنذ أن تحررت مناطق الانبار أصبح الطريق تحت سيطرة القوات الامنية والعسكرية العراقية، التي ما تزال تتعرض لهجمات متفرقة من فلول داعش المنتشرة في مناطق غرب الانبار.
وفي تصريح غير مفهوم المحتوى دعا عضو مجلس محافظة الأنبار كريم هلال الكربولي، يوم الأربعاء 10 مايو 2017 رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى الضغط على الجانب الأمريكي، أو وزارة الإعمار لإنجاز عقد الشركة الأمنية الأمريكية المكلفة بتأمين الطريق الدولي في المحافظة، وقد استمرت الضغوط حتى تم توقيع العقد مع شركة بلاكووتر، بحلتها الاماراتية الجديدة وباسمها الجديد «شركة الزيتونة لخدمات الأمن» وبمباركة جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، الذي كان حاضرا توقيع الاتفاق خلال زيارته لبغداد، وهنا يجب أن نطرح سؤالا ملحا؛ كيف ستحمي شركة امنية طريقا دوليا بطول 400 كيلومتر؟ وهل يعجز الجيش العراقي بتعداده الذي يفوق الربع مليون مجند، وقوات الامن المحلية والاتحادية وافواج التدخل السريع وقوات مكافحة الارهاب التي يفوق تعدادها الـ 350 الف مجند، وفصائل الحشد الشعبي الذي يفوق تعداده الـ 100 ألف مقاتل، وكذلك الحشد العشائري في الانبار، المكون من مقاتلين عشائريين من قبائل الانبار، هل تعجز كل هذه القوات عن تأمين الطريق الدولي؟
إن الطروحات الرسمية للحكومة العراقية، ربطت بين إعادة تأهيل الطريق ومعالجة الاضرار التي اصابته، وبناء مجمعات خدمية وتسويقية واستراحات على الطريق، بعقد حماية وتأمين الطريق، حيث أعلن أن العقد سيكون استثماريا مدته خمس سنوات، وفيه مصلحة وخدمة كبيرة للحكومة المحلية في الانبار، اعتمادا على إعادة الشريان التجاري البري الذي يربط العراق بالاردن، الذي ستؤدي عودة تشغيله إلى انتعاش الحياة الاقتصادية في المحافظة، لكن المريب في الامر أن تصريحات الشخصيات الرسمية، بدءاً من المتحدث باسم الحكومة، سعد الحديثي، مروراً بمحافظ الأنبار صهيب الراوي، وصولاً إلى رئيس لجنة الأمن والدفاع، حاكم الزاملي، ومسؤولين آخرين مثل نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار (الحكومة المحلية) فالح العيساوي، يلتزمون بعبارة «شركة أمن أمريكية خاصة». ويزيد بعضهم عبارة تعمل لأول مرة في العراق خلال إعلانهم عن الاتفاق مع شركة «أولف» التي يقول عنها حاكم الزاملي إنها «ستعمل بشكل استثماري مختلف عن الشركات التي عملت سابقاً بالعراق في مجال الأمن».
ويبقى السؤال كيف ستؤمن شركة خدمات أمنية حماية للطريق الدولي الذي شهد مؤخرا هجمات عديدة على القوات العسكرية، كان ضحيتها 18 مجندا وقعوا في فخ نصبه لهم الارهابيون؟ ويأتي الرد أن الشركة ستستخدم مروحيات لمراقبة الطريق، وتؤمن اتصالات مع دوريات حماية على طول الطريق لتأمين القوافل المتحركة عليه. وهل هذه الخدمات من الضخامة بحيث تعجز مروحيات طيران الجيش عن القيام بدوريات حماية لها، تساندها قوات الجيش والشرطة ومكافحة الارهاب في تأمين هذا الشريان الاقتصادي الحيوي؟ وهنا يشير المحلل والباحث حسام العيسى إلى ضغوط امريكية، وتحديدا من ادارة ترامب لايجاد شريك تثق به، وتستطيع العمل والتنسيق معه أكثر من القوات العراقية، وهذا ما تم بضغوط أردنية، حيث الاضرار الكبيرة التي اصابت الاردن من اغلاق الطريق، علما أن حجم التبادل بين العراق والاردن وصل قبل اغلاق الطريق إلى اكثر من 10 مليارات دولار من التبادلات التجارية سنويا، لذلك سعت الحكومة الاردنية من خلال قناة كوشنر رجل الاعمال وصهر الرئيس ترامب ليضغط على حكومة العبادي لتوقيع العقد، ويضيف العيسى أنه «من مصلحة الجيش الأمريكي وجود شريك معروف له أفضل من آخر جديد لا يملك أي فكرة عن التعامل معه في محافظة مثل الأنبار، حيث يوجد نحو 3 آلاف جندي أمريكي».
لكن من جانب آخر أثارت اعتراضات عدد من الساسة واعضاء البرلمان موجة من الاحتجاجات بوجه الاتفاقية، ومن بين المحتجين، عضو لجنة الأمن والدفاع العراقية، موفق الربيعي، وقد أرسل المحتجون تقريراً إلى مكتب رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، للمطالبة بإلغاء العقد، مؤكدين أن الشركة الإماراتية أولف هي نفسها بلاك ووتر، وهناك عملية خداع للعراقيين مارستها شركة أولف في تقديم عرضها لحماية الطريق الدولي الرابط بين بغداد وعمّان مطلع أبريل الماضي. فهل ستنجح جهود المحتجين على إيقاف الاتفاقية المريبة؟
كاتب عراقي

رائحة الفساد «بلاكووتر» تؤمن الطريق الدولي في العراق

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية