«رائية» ظبية خميس وتجليات الماورائي

حجم الخط
0

تصدر المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة الإماراتية ظبية خميس بعنوان رمزي صوفي لافت ومثير للتأمل والتساؤل، حول ميزة دلالته البعيدة وفردية انتقاء الراء، كمقام يأتلف فيه العشق الكوني بإيقاع الروح، ليبحر القارئ في النصوص الشفيفة المفعمة بالوجدان النبيل والنبض الحدسي والاغتناء بحروف الطبيعة المولودة من هالات المقام الرائي المفتون برمزيته العالية. نصوص مفعمة بالطواف الحر حول ضفاف الروح المرتحلة في المجهول والسؤال والغيب بتفاصيله ومكنوناته، البالغة القرب من الرّب والضوء والملائكة والكثير من الرؤى والجاذبية والأحلام.
(الراء) لا شك أنه أقدم حرف استعمله الإنسان في احتكاكه مع الطبيعة، حرف يرمز نحو دلالات بعيدة كونية تفيض بالطبيعة والتكرر على متن الحياة وسيرورة العالم من الأزل وإلى الأبد، فلا تنهض كلمة من كلمات الطبيعة إلا وتجد حرف الراء فيها.
أرض/ بحر/ مطر/ قمر/ شرق/غرب/ صحراء/ صخر/ نهر/ شجر/ حجر / رمل/ ربيع/ أخضر… وغيرها من مفردات الطبيعة التي زخرت بالراء بصورة ملغزة، وانسابت بعذوبة وعفوية وحياة في المجموعة الشعرية، ولعل سر وجود الراء في مفردات الطبيعة يكمن في ارتباطها بصفة مشتركة دالة على الربوبية (رب)!
الراء روح ورحمة، وروح الشاعرة ظبية تهيم في الطبيعة المنسوبة للرحمن، تشاركها في ذلك التجلي الشعري روح في الطرف الآخر من الوجود ، اخترقت كل الحجب والأسرار، و قفلت عائدة لترتوي من الإيقاع اليومي الحر لظبية في صورة مكتملة أو ناقصة في نظر الشاعرة، وتملي موتها على الحياة متجولة في حرف جرّد نفسه من النقاط، فالنقاط هي المباهج المزيفة للحرف التي تكشف غموضه الآسر، وإنما تكمن جاذبية الحرف بلا نقاط، وكان حرف الراء له شكل ريشة، ريشة منطلقة في الزمن، سقطت من عالم آخر، وفي الزمن الحلمي على قصائد المجموعة الشعرية:

طيف من هذا الذي يلح عليّ
في صورة غرامية
مكتملة، وناقصة
روح، أم رجل
فكرة، أم عشق

في رائية ظبية خميس تبحر الذات في أحاسيس الوحدة اللذيذة، وتتوه في القلق والحيرة المرتكزة على ثنائية السفر الذي لا عودة منه/ والعودة التي لم يكن لها سفر أصلاً، ذاتٌ قلقة من مفاجأة الموت وفجائية العودة منه، فثمة قصائد تعلن فيها ظبية موت العالم المنشغل في رؤيتنا، وموت الإنسان المشغول في رؤية العالم، ثم تلجأ إلى تذكيرنا بموت جديد يؤسس نفسه، فالرؤية والمشهد واللوحة والإطار هي أيضاً في عداد الموتى:

أحياناً، يموت العالم بالنسبة لك،
وتموت بالنسبة له
ومع أنه يراك،
وتراه،
لا يرى أحدكما الآخر أبداً.

ونقرأ في المجموعة قصائد أخرى تذهب فيها الشاعرة إلى خارج المألوف في معنى الموت، فالميت لم يمت، لا سفر للميت، له البقاء والتجول في العالم، التنفس في الحب، في الشعر، نحن الميتون والموت يُفسّر بنا، والإنسان ينطلق في كتابة القصائد بعد الموت ليكون شاعراً بحق، القصيدة الخالدة الصادقة تكتب بعد الموت، وقد كتبتها روح ذلك الزائر الذي باغت الشاعرة لأشهر طويلة عبر مساءات الدهشة والفرح المكتنز بالدمع والشوق والحنين في بيت الشارقة.
تشير ظبية خميس إلى أن مقام الإعرابية الرائية ولد في إمارة الشارقة ورأى النور فيها، لذا كان هذا المولود روح الشارقة وعشها ودفأها وسلامها وأمانها وشاعريتها الساحرة وراءها المتوسطة اسمها النوراني الجميل ش ا (ر) ق ة.
يبقى أمر انتقاء ظبية خميس لمقام الراء عنواناً ملغزاً للقارئ، ولا شك بأن الشاعرة وحدها تعرف التأويل الساحر في هذا الاختيار.
يُذكر أن «مقام الإعرابية الرائية» مجموعة شعرية حديثة للشاعرة ظبية خميس صدرت من اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2015 بغلاف ذي فضاءات رمزية (166) صفحة، بعد سلسلة مجموعات شعرية وقصصية وأعمال مترجمة نشرت للمؤلفة عبر مختلف دور النشر المحلية والعربية، وتتميز عناوين المجموعة الجديدة بالتوظيف الدلالي والحدسي والارتباط بالكونيات مثل (كأن لن تراني/ متاهة عشق/ خلاخيل الفناء/ يموت العالم/ راحلتي من هواء/ محامل الغرق/ منطق الطير).

كاتبة اماراتية

لولوة المنصوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية