رباط هرثمة بن الأعين يفتح أبوابه للزوار من جديد

المنستير – «القدس العربي»:
على مرتفع صخري يبعد اكثر من مئة وستين كيلومترا جنوب شرق العاصمة تونس، تقع مدينة المنستير الساحلية وهي واحدة من أشهر الوجهات السياحية المعروفة في تونس. يعود تاريخ تأسيس المدينة الى القرن الرابع قبل الميلاد حيث كانت تسمى في العهد الفينيقي»روسبينا». اما اسم المنستير فقد اطلق عليها في العهد البيزنطي ثم الروماني بعد سقوط قرطاج في 146 قبل الميلاد وهو تحوير للكلمة اللاتينية «MONASTERIUM» وتعني الدير، ما يدل على ان المدينة كانت مأوى للرهبان والكهنة. ومع قدوم الفتح الاسلامي في العقد الخامس للهجرة الموافق للقرن السابع الميلادي تم اعتبار المدينة حصنا بحريا متقدما لحماية العاصمة القيروان.
لو صادف وزرت المنستير، فليس من المستبعد ان تقفز الى ذهنك صورة الرئيس التونسي الاسبق الحبيب بورقيبة. اذ في هذه المدينة ولد ومات اول رئيس لجمهورية تونس المستقلة، وهو من حولها منذ منتصف السبعينات من بلدة صغيرة الى محافظة تضم أحدث المرافق والمنشآت، وتعد واحدة من أشهر وأهم الوجهات السياحية المعروفة. وربما من أجل كل ذلك لم يكن من الغريب ان تظل المدينة على وفائها الدائم والمعهود لزعيمها الراحل على الرغم من طرده من السلطة في 1987 بانقلاب قاده وزيره الاول آنذاك زين العابدين بن علي، ثم وفاته في نيسان/ابريل عام 2000 في ظروف وصفت بالصعبة والمهينة. وتكفي جولة قصيرة في شوارعها وساحاتها حتى يدرك الزائر بوضوح تعلق السكان وارتباطهم العاطفي الشديد بالحبيب بورقيبة. فما تزال صوره تزين الكثير من المحال وتظهر على الجدران حتى خارج الاحتفالات الرسمية التي تقام في السادس من نيسان/ابريل من كل عام احياء لذكرى وفاته، وما يزال أسمه مخلدا في أكثر من مرفق او منشأة او معلم بدءا بالمطار الدولي والمستشفى الجامعي ومحطة القطار والجامع الكبير، وصولا الى مقبرة آل بورقيبة التي يطلق عليها الاهالي اسم «تربة بورقيبة» والتي تحتل مساحة شاسعة من قلب المدينة وتضم قبر الرئيس السابق وقبور عدد من أفراد أسرته هذا فضلا عن التمثال الاصفر الشهير المصنوع من البرونز والذي يبرز الزعيم في مرحلة الصبا ويتوسط واحدة من أهم ساحات المدينة . لكن الوجود الرمزي لبورقيبة لا يقتصر فقط على كل تلك المواقع، اذ في قلب احد أشهر الرباطات المعروفة وهو رباط هرثمة بن الأعين، يتواجد اول متحف للفنون الاسلامية في شمال افريقيا وقد تم تدشينه سنة 1958 اي بعد عامين فقط من اعلان استقلال تونس، واطلق عليه منذ ذلك الحين اسم علي بورقيبة، اي والد الزعيم . المتحف به ما يقرب عن الثلاثمئة قطعة أثرية معظمها من المقتنيات الثمينة التي تبرع بها المؤرخ التونسي الشهير حسن حسني عبد الوهاب عند الافتتاح ويحتل الطابق العلوي من الجهة الجنوبية للرباط كما انه يستقطب سنويا ما يربو عن المئة الف زائر، وتحتوي قاعته الاولى على قطع خشبية من القرن الثالث هجري منحوتة من جامع عقبة بن نافع بالقيروان، اما القاعة الثانية فتزخر بعدة منسوجات قبطية من مصر، تعود الى القرن الرابع هجري، فيما تختص القاعة الثالثة بعرض ثري ومتنوع لشواهد القبور بمختلف انواعها . اما رباط هرثمة الذي يحتضن المتحف باحدى طوابقه العلوية فهو أيقونة المدينة وأحد أشهر معالمها، تم بناؤه سنة 179 هجري اي ما يوافق 796 ميلادي بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد. ويعتبره المهندس المعماري الاستاذ عمر بوزقندة وهو واحد من كبار المختصين بالعمارة والفنون الاسلامية في تونس، أول معلم عسكري وديني في الشمال الأفريقي وقد كان كما يقول مركزا للعبادة وملجأ لصد هجمات الاساطيل البيزنطية ولعب كذلك دورا مهما في فترات السلم في ترويج العلوم والثقافة وقد رابط فيه في أزمنة متفرقة أفذاذ من نوابغ العلم والفقه والقانون، كالطبيب احمد أبن الجزار وأسد أبن الفرات فاتح صقلية وألامير الأغلبي ابراهيم الثاني والإمام أبن يونس والقاضي الإمام سحنون وغيرهم، ويشرف مدخله الحالي على برج متعدد الزوايا وعلى ممر مكوع محيط بحجرات تنفتح على ساحة الرباط، حيث يرتفع في الزاوية الجنوبية الشرقية برج المراقبة ذو الشكل الحلزوني. الموقع المميز للمنستير كواجهة بحرية مفتوحة لم يمنع تواجدها كذلك في ما يعرف بخط الزلازل وهي لذلك تتعرض من حين لآخر الى بعض الهزات الزلزالية متفاوتة الخطورة آخرها ما حصل اواخر شهر تشرين الاول/اكتوبر وبداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضيين من رجات كان لها انعكاس مباشر على الرباط وباقي المعالم الاسلامية.
الاضرار بحسب الاستاذ جهاد الصويد محافظ متحف الفنون الاسلامية بالمنستير تمثلت بالأساس في التصدعات التي لحقت الجدران العلوية والواجهة القبلية وأبراج الرباط الكبير او رباط هرثمة بن الأعين، وكذلك صومعة الجامع الكبير وبالتحديد قسمها العلوي او ما يعرف بالجوسق، والذي انهار بالكامل. اما الاجراءات الفورية التي اتخذتها السلطات المحلية فكانت تركيز دعامات حديدية حول السور وأهم المعالم الاخرى لحمايتها من الرجات الارتدادية وايضا تأثيرات الأمطار وذلك قبل ان تنطلق مطلع العام الحالي أشغال الترميم الرسمية باشراف المجلس الجهوي وجمعية صيانة المدينة والمعهد الوطني للتراث. ووفقا لما يضيفه الاستاذ جهاد، فانه بنهاية السنة الجارية سوف تشرف تلك الأشغال على نهايتها. وهناك بشرى اختار ان يزفها للسياح وزوار المدينة عبر «القدس العربي» وهي الاعلان عن الافتتاح الجزئي لرباط هرثمة بن الأعين، الذي يتضمن متحف الفنون الاسلامية وذلك مطلع هذا الشهر أي مع بداية الموسم السياحي الذي يعرف في العادة اقبالا شديدا من السياح على المدينة وبالأخص على الرباط.
فضلا عن ذلك توجد بالمنستير عدة معالم ومواقع اسلامية وهي بحسب المهندس عمر بوزقندة رباط سيدي ذويب ورباط السيدة أم ميلال ورباط أبن الجعد في جزيرة الغدامسي قبالة سواحل المدينة ورباط شقانص الذي تم هدمه والجامع الكبير ومسجد الامام المازري ومسجد الأنصار وسور المدينة بالاضافة الى عدة زوايا مثل زاوية الامام المازري وزاوية سيدي مسعود وغيرها من المعالم والمواقع. لكن المعضلة التي تواجهها المدينة على الرغم من كل ذلك الثراء الحضاري والتاريخي، هي سوء التوظيف وضعف الترويج اللازم لمعالمها وآثارها في الخارج باستثناء بعض الجهود التي تبذل من أجل جعل تلك المعالم نقاط جذب سياحي وثقافي من خلال تنظيم مهرجان صيفي كل عام او قيام بعض الشركات السينمائية الاجنبية بتصوير عدة أفلام داخل الرباط ويبقى الأمر مع ذلك بحاجة الى مزيد من الجهد حتى تصبح تلك المعالم مادة أولية لصناعة ثقافية رائدة ومتكاملة.
وقد اعادت الاكتشافات الأثرية التي تمت مطلع العام الحالي في احدى الأراضي داخل القصر الرئاسي السابق بسقانص، المنستير الى واجهة المواقع السياحية اذ تم العثور للمرة الاولى على بقايا شواهد دالة على جذورها الرومانية وهو ما سيعطي دونما شك في حال جرى استخدامها بشكل صحيح، فرصة لجذب المزيد من الزوار والمهتمين بالآثار الاسلامية لزيارة مدينة الأربطة والتمتمع بجمالها وسحرها الأخاذ.

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية