عمان ـ «القدس العربي»: وقع الكاتب الفلسطيني المقيم في بريطانيا ربعي المدهون روايته «مصائر» في منتدى الرواد الكبار في العاصمة الأردنية عمان في جو احتفالي برواية جمعت الحب والغربة والهوية والحنين إلى العودة.
الرواية الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، ومكتبة «كل شيء» في حيفا، هي الثانية بعد روايته «السيدة من تل أبيب» التي وضعت على القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الثالثة عام 2010.
الندوة التي قدمها الروائي إلياس فركوح تحدث فيها الناقد فيصل دراج عن الرواية التي في رأيه خرجت عن أسلوب كتّاب الجيل القديم، موضحا «يقول المدهون في «مصائر» ببداية تستمر في بدايات، فلا مكان للخاتمة أو لقول أخير، بداية تستمر من عام 1948 إلى اليوم، وليس في روايته ما يضعها إلى جانب «الرواية الغاضبة» فهي تتذكر وتتأمل وتحاور «زمناً معلقاً» لا تتسع له رواية مفردة النظر».
رسمت الرواية المأساة الفلسطينية في أبعادها كلها، مبتعدة عن الموعظة والميلودراما، فالدموع تخطئ باب الحقيقة، مجسدة ما هو مأساوي بامتياز. كشفت عن المأساوي المديد في أقدار الفلسطيني، الذي عليه أن يمحو هويته حتى يزور بيته القديم، كأن لا يعود إلى وطنه الأصلي إلا بجواز سفر بلد آخر. ويضيف «ولعل إصرار المدهون على السير مع «القضية» في أزمنتها المتعاقبة، كما قراءة الفلسطينيين وأمكنتهم المتحوّلة، داخل فلسطين وخارجها، هو الذي قاده إلى عمل روائي ذهني ملتبس: ذهني وهو يحاول القبض على المأساة الفلسطينية في مستوياتها المختلفة، التي يخترقها احتلال إسرائيلي متعدد الوجوه، وملتبس وهو يضيف الواقعي إلى المحتمل، ويقرأ الوقائع المتخيلة في مدن فلسطينية معروفة الاسم: مجدل، عسقلان، عكا، القدس، حيفا، يافا». ويرى دراج أن رواية الربعي في جملة حكايات، تتوزّع على لندن وعكا، ومونتريال وغزة والقدس التي تحتوي متحف المحرقة «يدفشم». كما وزع الروائي حكاياته على أربع «حركات»، تتوازى وتتقاطع وتنفتح على قول أخير، لن يكون أخيراً.
يقتفي الزمن آثار حكاياته، يرتد إلى قصة عشق في زمن الانتداب البريطاني، تكملها قصص ابنتها التي جاوزت الستين، ويشير، وهو سائر من «لحظة» إلى أخرى، إلى دير ياسين ومجزرتها الشهيرة، وغزة بعد 1948، وحرب الأيام الستة و«الهولوكوست»، الذي له صناعة خاصة به و«سلام أوسلو»، الذي أطلق يد التدمير الإسرائيلي بشكل جديد. وبحسب دراج اجتهد ربعي المدهون في رسم نهايات فلسطينية، لها شكل البدايات المستمرة، فالأرمنية الفلسطينية العكاوية، تستمر في ابنة إنكليزية تعيد ابنتها من جديد إلى عكا، والفلسطيني الساخر «باقي هناك»، أو الذي يثير السخرية، يستمر في رواية، وأطلال دير ياسين تنبعث مجدداً على لسان عجوز من المدينة الماضية، والشخصيات لا تعيش ولا تموت، ففيها ما يتكئ على واقع أضاف إليه المتخيّل الروائي أشياء كي يستقيم.
وتتميز روايته وفقا لدراج برسم وجوه الظلم الذي وقع على الإنسان الفلسطيني، وتأمله طويلاً ورفعه إلى مقام «ظلم الوجود»، حيث في الحاضر ماض ينفيه، وفي بيوت الماضي حكايات اندثر أهلها. يتبقى العجز والحنين وحنين عاجز تعالجه الذاكرة بالكتابة. ومع أنّ في مصائر شخصيات الرواية ما يعلن عن أسى فلسطيني صريح، فقد تعيّن هذا الأسى بلغة نثرية تكاد أن تكون فريدة، ترصد تفاصيل المكان في الروح المثلومة، وتجعل من اللغة مرآة للمكان المشتهى والروح المدحورة.
عمل ربعي المدهون على إنتاج رواية فلسطينية شاملة، فكتب عن فلسطين التي كانت، وعن الفلسطينيين الذين انتهوا إلى خارجها، وقرأ أسى الفلسطينيين في المنفى، حيث الإقامة في اللاإقامة، ومنفاهم الساخر داخل فلسطين (عرب الداخل) وغزة، وهؤلاء الموزّعين على أكثر من مكان وإقامة وتذكّر، وأكمل المشهد الروائي بحوار بين عذابات الفلسطينيين و «الهولوكوست» معطياً في التحديد الأخير «التزاماً» بفلسطين، لا التباس فيه ولا مساومة. لم يشأ ربعي أن يتوسل الرضا من أحد، عالج قضيته الوطنية بمنظور عميق، وعبّر عنها إبداعياً بتقنيات جديدة، وبلغة تنوس بين الشعر والفلسفة. انتسب في اجتهاده اللامع إلى الفلسطينيين الكبار الثلاثة: غسان الراسم الرهيف لمعنى المأساة، وإميل حبيبي في نثره الجميل الذي لا يضارع، وجبرا إبراهيم جبرا الواسع الثقافة المتعدد التجربة. لكن كتابة ربعي أضافت إلى هؤلاء جميعاً جديداً لم تعرفه الرواية الفلسطينية.
ربما يكون ربعي المدهون، في روايته «مصائر»، قد أعطى تأسيساً لرواية فلسطينية مغايرة، تقارن بين اختلاف الأزمنة، وتقف أمام الحاضر قبل غيره، وتعرف أن الرواية لا تأتي من الغضب والدموع، بل من عمل في اللغة، وفي تاريخ الرواية أيضاً.
آية الخوالدة