ربيع بيروت…

حجم الخط
0

صيف بيروت المشتعل على وقع حرارة «آب اللّهاب»، كما يوصف هنا هذا الشَّهْر من الصّيف، الذي تضاف إليه من صفات حسّية هذا العام، روائح النفايات المُوَزّعة في مناطق لبنان المختلفة، بساحله وجبله.. وبيروت.
أمّا أين الرّبيع وسط ذلك؟
فالشّارع، الذي عاد ينبض، رغم كلّ الكلام الذي قيل أو يقال لنقد الاحتجاجات التي بدأها ناشطون بيئيون وأعضاء في جمعيات غير حكومية ومناضلون يساريّون، لا يلغي حقيقة الانقسام السّياسي الذي لا يزال طاغيا في بلاد تنعم باستقرار نسبيّ محيّر، وسط منطقة تشتعل بالثورات والحروب الأهليّة والصّراعات الإقليمية والدوليّة المسلّحة. ليست المسألة هنا أن الشارع لم يتحرّك.. بل أنّ تحرّكه هو الأصدق أو الأكثر استقلالية منذ حقبة التسعينيات من القرن الماضي.. فهذه الحقبة على ما حملته من تحرّكات شعبيّة، كانت محكومة في كثير من الأحيان بأطراف الصراع السّياسي، الذي كان أقلّ ضجيجاً آنذاك بسبب وصاية النظام السوري وقبضته السياسية والأمنيّة.
تلك الفترة التي شهدت اصطفافات متغيّرة، أخذت في الركون إلى قسمة نهائية مع أفول سيطرة النظام السوري واشتداد أزمته اللبنانية.. وفي لبنان. وبقيّة القصّة التي أفضت إلى عنوانين لقوى سياسية ومصالح تتناحر باسم الرابع عشر من آذار والثّامن منه معروفة.
حرَّكت أطنان النّفايات التي طافت بها بيروت والمناطق، الشارع اللبناني بطريقة بدا فيها تحدّ لسلطة مختلف الأفرقاء السّياسيين.. وفي برجا، البلدة ذات الغالبيّة السّنيّة التي تقع على مقربة من السّاحل اللبناني، وتتبع انتخابيا بسبب موقعها في الشّوف في جبل لبنان، لنفوذي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والزعيم السُّني سعد الحريري، تحرّك النّاس مدفوعين بعصب من الشّباب، رفضاً لمشروع مكبّ للنفايات يجاور بلدتهم، ليتحدّوا كلّا من الحريري وجنبلاط.. الأوّل لم يستطع أن يمون على رئيس المجلس البلدي في برجا الذي أيَّد التّحرك، وهو المنتمي إلى تياره السّياسي، والثّاني تهكّم على هذه البلدة وحراكها واصفا، في زلّة لسان، تَحرُّكها بتحرّك الفلاحين اللبنانيين، وجلِّهم من الموارنة، في القرن التاسع عشر، بوجه الاقطاعيين الدّروز والمارون آنذاك. وهكذا، كان التتالي الذي أفضى إلى تظاهرات بيروت، سريعا ومفاجئاً، للقوى التي تحكم البلاد.
لست ملمّاً بكلّ تفاصيل الحراك، ولم أسر إِلَّا في مظاهرة يتيمة، انتهت بصدامات عنيفة بين جزء من المتظاهرين، ممن هم عادة أو على غير عادة في الطّليعة..
لكنّني أعترف بأنني كنتُ متفرّجاً أكثر بكثير من أيّ مشاركة، ربّما بسبب نقص حماس، لكنّني أظن أنني أعرف أيضاٌ، لأنني اعتدت على المشاركة في مظاهرات شتّى في مراحل عمريّة سابقة.. أنّ الخليط الَّذِي شاهدته في مظاهرة الأحد الماضي، كان يمثّل فئات متضرّرة من سياسات النّظام اللبناني وقواه الحاكمة والنّافذة، ومن بيئات أكثر تنوّعاً وشباباً من بيئة الشّارع المصطفّ إلى هذا الفريق من الصّراع اللبناني أو ذاك. فتح الصِّدام العنيف مع قوى الأمن اللبناني من شرطة وقوات مكافحة شغب ومخابرات وجيش، الباب مشرّعاً أمام مئات الأسئلة المحقّة أو الخبيثة بشأن خلفيّات ما جرى، التي صدمت بعض البيئات اللبنانية التي إن لم تكن متحمّسة في البداية، فكانت على الحياد الإيجابي بشكل عامّ.
كان يكفي لوسائل إعلام «تيّار المستقبل» وبعض وسائل إعلام تحالف الرّابع عشر من آذار، أن ينقل صور فئة من المتظاهرين تكسّر المحال التّجاريّة في وسط بيروت التّجاري شبه الخالي من أيّ حركة تجارية منذ سنوات، أو تكتب شعارات مهينة على قبر رفيق الحريري، حتّى يخرج شبّان قلّة من منطقة سنيّة في ضواحي بيروت ليقطعوا الطّريق احتجاجاً.. وتتبعهم تصريحات ناريّة لعضو كتلة المستقبل معين المرعبي تحذّر وتتوعّد متظاهري بيروت من تكرار هذه الفعلة الشّنيعة!
ولم يقتصر استنكار الشّغب هذا على «تيار المستقبل» وإعلامه المباشر.. صحيفة «لوريان لو جور» الناطقة بالفرنسية التي طالما كانت منبر البرجوازية المسيحية، خرجت بعنوان استفزازي إن لم يكن عنصريّاً، لتتساءل من الذي أفلت الكلاب في الشوارع.. كان من الطَّبِيعِي جدًّا، أن تنتفض السّلطة الائتلافية في بيروت وتسخّر كلّ جهودها لتطلق النَّار معنويّاً على تحرّك يستهدفها.. الحال أن كثيراً من هذه القوى فضّل بدل ذلك إطلاق مواقف متضامنة مع تحرّك الشباب، مستخدما وسائل إعلامه، إِلَّا «تيار المستقبل» الذي بدا وكأنّه وحده الذي يضطلع بمهام «الثّورة المضادة».
صحيح أن هذا لم ينطل ربّما على النّاشطين، وصحيح أن العديد منهم لا يزال يصرّ على مواجهة السّلطة بكلّ مكوّناتها، ورغم كلّ الضّبابية في تحرّك اختار أن يتصرّف حملةُ الشّعار فيه على طريقة تشابه لا نريد شيئاً، ونريد كلّ شيء.. كلّ هذا صحيح ربّما، لكنّ الصّحيح أيضاً، أن الغضب الاحتجاجيّ، يبقى عرضة لمخاطر القسمة والاستهداف والجرّ إلى الاصطفاف.. فهل يكفي أن يكون الشّعار عابراً للطّوائف فيما جمهور الاعتراض معرّض للقسمة عند أوّل صدام؟
كلّها أسئلة تبدو لي مقلقة ومحيّرة..
الشّارع أن يتحرّك ليرفع عن نفسه القمامة التي قادت سياسات السلطة إليها، هو الأمر الصحّيّ والطبيعيّ وسط كُلِّ ذلك.

٭ صحافي لبناني

وائل حجار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية