رثاء إلى المدنِ البهيّة

حجم الخط
2

على أسوار مدينة مسبية، مدينة مخطوفة من المكان والزمان، مدينة أُختِصِرَ ماضيها وزُرِعَ في حاضِرِها خنجر لتنزِف وتموت إلى الأبد، يكثُرُ اللاجئون والغرباء على أبوابها، فاللاجئون ينتظرون يائسين! زمنا ربما يعودُ إلى ما يُشبِه الأمس،ويتنظرون ما تبقى من المدن المهَشَمة المُهَمشة ليدخلوها ولو بخسارة المهزوم، ليوقفوا رحلة الأسى واللجوء.
والغرباء ينتظرون ربما نسوا شيئاً فيها، دبابة، حطام طائرة، رُفات جندي، أو ربما نسوا شيئاً فيها لم يُقتَل وما زال يتنفس الحياة ولم يمُت.
مدينة عشقناها، طاوَعتنا وطاوَعناها، أحببنا تفاصيلها وكلُ أجزائها، دخَلت في دمِنا وأضافت اليه رمزاً جديد لدورتنا الدموية وحرفاً جديد للأبجدية، وعند فحص فصيلة دمِنا، تخرجُ النتيجة «عشقٌ إلى الأبد» وعند تهجي حروف اسمها «يعيش فينا إلنشيد إلى الأبد».
مدينة واسعة القلب والتضاريس، كثيرة التفاصيل والأحداث، قديمة الحضور، وللعابرين، الفاتحين، وللطامعين كانت، ودائماً تكون المقصودة والهدف، سقط على أسوارها دعاة الحروب، سماسرة تقسيم المدن، وانهزم على أبوابها هواة حرق المدن سقطوا جميعاً بين لعنة مدينة رفضت الموت السهل، وبين أرواح من دافعَ عن آخر حجر في أسوارها العنيدة.
لم تنكَسِر أبوابها عند أول لقاء، أو في آخر معركة، ولم يأخذ منها المشعوذون والسحرة، والعابثون بجرحها إلا نقمة المقاومة عند أي محاولة.
يدخلها الفاتحون القادمون من خلف البحار والشمس، ومن خلفِ ظِلِ الأفق يأتي الغرباء الذين لا يعرفون أين تقع على خريطة شكل الأرض، ولا يجيدون تهجية حروف اسمها، على غفلةٍ من طرفِ عينيها دخل لصوص الليل إلى مخدعها، سرقوا مفاتيح المدينة والأضواء، وفي اليوم التالي دخلوها كالفاتحين وكجند السماء، نهبوا الشجر والحجر، حرقوا كل شيء على التراب، صادروا الحدود، أغلقوا السماء، فتغير لون النهر في خاصرتها إلى أحمر، وصراره أصبح جماجم.
جاءوا وسّبوا آخر أميرات الشرق، وفي وضح النهار، وعلى أعين فرسان الصحراء وشعرائهم، نزعوا خصلة شَعرٍ من جدائلها السمراء، مزقوا قلبها، نشروا صدرها عاريا للريح وللاغتصاب، مفتوحا لهواة التشريح والذباب، وبعد أن فرغوا من لحمّها، علقوا ملابسها على أطراف المدينة، فتقاسمته الغربان والغرباء، ولصوص الآثار وأمراء حروب داحس والغبراء، بكت المدينة وبقَت مسبية منسية، هكذا سقطت إحدى مدن الشرق.

تبكي العصافير عنف الرياح وانكسار الشجر، تطير حول أسوار المدينة، تتعب من التحليق في فضاء يملؤه الدخان والرماد، تطير للمرة الأخيرة وتسقط، خارج سماء المدينة تسقط محبطة يائسة بين المحاولة للدخول، للخروج، أو البقاء داخل الأسوار تحاول وتنتظر.
عصافير داخل المدينة – منها ما اختبأ في ظِلِ شجرة محروقة بائسة لتقيهم بردّ الحروب، أو رصاص صياد طائش لم يحدد الهدف بعدْ، ومنهم من على الأرض يحتضر وينتظر، ومن لا يجيد فن الطيران للمسافات البعيدة، طار قريباً، ليس بعيداً عن المدينة، طار وسقط.
وعلى أبواب المدينة المُفْتَرسة تقف كلاب الموت، تحرس طقوس موسم الصيد، وتنتظر النتيجة، والصيادون الذين حدّدوا الهدف (أي شيء يتحرك هو الهدف) أغلقوا سماء المدينة إلى إشعارٍ آخر، إلى أن يذاع متى تُفتَح الأجواء، ومن أي جهة يتم العبور.
تكثُر العصافير داخل المدينة، خارج المدينة، والهجرة لها طقوس وأسباب، ومن جمع جراحه وحمل دمه، وأطلق لجناحيه العنان ليمضي، على باب المدينة، افترسته الكلاب قبل الخروج، ومن لم يحفظ نشيد علم المدينه عن ظهر قلب، صُلِب على أسوارها، ومن لم يجد تقليد نباح الكلاب، ذُبِح من الوريد إلى الوريد.
تبقى المدينة تحترق، والعصافير تنتظر وتحترق، حتى يقرر الصيادون نهاية موسم الصيد، ويحصوا كم من العصافير خارج الأسوار، وكم منها داخل الأسوار نَفَقْ.

لم تبق لنا ذاكرة لنحسم بها الشكل النهائي لمدننا المخطوفة المسبية، لم تبق إلا صورٌ قديمة على بطاقات الدعايات السياحية وصورٌ ملونة في كتب الأطفال.
لم تبق في كتب تاريخنا جملة لنضيف اليها، تحديث ما صنعته حروب البسوس، ومن اختلف على شكل العمامة، وعلى لمن جاء الوحي، ومن يحمل الوصية.
هل بقيّ لنا شيء بعد مرور العاصفة، لنحتفظ به لأبنائنا أو لمتحف؟ هل بقيت في الوادي عشبة خضراء نقية، لم تدُسها أقدام الغرباء على أرضنا؟ هل بقيت لنا غزالة شاردة من حملة السَبي، لنصف رشاقة عنقها عندما نزعته من بين أسنان القدر؟ هل بقيّ لنا نشيد طالع إلى السماء، ينبت في تراب مدننا، ليحكي أغاني الحب والهوى؟ وهل بقيت مدنٌ لنا، لنسميها عواصم لنا، ونسميها بلادا؟
أما من محارب سئم جنون الحرب، ليطلق رصاصة الرحمة إلى صدره؟ أما من قديس يعكف في محراب صَلاته، ليطلب الخلاص من الغرباء والموت المقدس؟
أما من شاعر ليكتب قصيدة عشق، للمدن المسبية ليفك أسرِها؟ أما من عاشق يكْسِر أبواب المدن الممنوعة لينقذ حبيبته من الأذى؟ أما من عربي يذكر ماضيه، ليأخذ حصانه ورمحه ويتبع الريح، يبحث عن قاتل ابيه ويحرر أخته من السّبي؟ أما من مدينة بقيت كاملة، واقفة، شامخة؟ لنذْكُر اسمها بعد أن تمر العاصفة!

شاعر فلسطيني

مصطفى حمدان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية