رحلة انهيار الجنيه المصري مستمرة

حجم الخط
8

يترنح الجنيه المصري عند مستويات متدنية غير مسبوقة بعد أن فقد 40% من قيمته خلال العام الحالي وأكثر من 70% من قيمته منذ منتصف عام 2013 حتى الآن، فيما لا يلوح في الأفق أي مؤشرات تدل على أنه سيتعافى في المنظور القريب، بل إن المعطيات تشير إلى أنه يتجه إلى مزيد من التدهور وأننا قد نرى الدولار الأمريكي عند مستوى 20 إلى 22 جنيهاً خلال فترة قصيرة من الآن، وهو ما سيشكل بكل تأكيد كارثة اقتصادية واجتماعية ومعيشية في ثاني أكبر اقتصاد عربي.
الجنيه المصري حالياً في أدنى مستوياته على الإطلاق منذ تأسّست الدولة المصرية الحديثة، إذ لم يسبق أن وصل إلى وضعه الحالي تحت أي حال من الأحوال، أما البنك المركزي فتبدو الخيارات أمامه محدودة للغاية، إذ ليس أمامه سوى واحد من خيارين، الأول هو أن يقوم بمزيد من الخفض الطوعي لسعر صرف الجنيه، لأنه لا يمتلك من احتياطيات العملة الأجنبية والذهب ما يكفي لتغطية الأوراق النقدية المتداولة، والخيار الثاني هو التعويم الكلي للجنيه – وهو مطلب صندوق النقد- وعندها يتم تحديد سعر الصرف وفقاً لعوامل السوق الحر، ما يعني أيضاً أننا سنشاهد الدولار الأمريكي بـ22 جنيهاً أو 25 أو ربما أكثر من ذلك.
لا يوجد أي بيانات اقتصادية إيجابية يمكن أن تدفع للاعتقاد بأن الجنيه المصري سيتعافى أو يخرج من عنق الزجاجة، أو أن الأزمة ستنتهي أو حتى تتقلص، فاحتياطي النقد الأجنبي لدى المركزي المصري لا يزال عند مستويات بالغة التدني (ارتفع مؤخراً من 16 إلى 19 مليار دولار، لكنه لا يزال أقل بكثير من مستويات 2010 عندما كان 36 ملياراً)، إضافة إلى أن المديونية العامة للدولة تتفاقم حيث ارتفعت بنسبة 16% خلال عام 2016 وحده لتتجاوز حالياً مستويات الــ55 مليار دولار، أي أن المديونية وحدها تزيد عن كل موجودات الدولة المصرية من العُملة الصعبة. وفيما ترتفع المديونية وتتبخر الأموال من خزائن البنك المركزي فإن القطاع السياحي الذي كان يُدر على البلاد ما بين 8% إلى 11% من إيرادات العملة الأجنبية لا يزال معطلاً ويعاني من الركود المستمر، بل إنَّ تصاعد وتيرة الأحداث الأمنية والتوترات السياسية (بما في ذلك الغموض في قضية الطالب ريجيني) قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في القطاع السياحي خلال الفترة المقبلة.
انهيار الجنيه المصري، واستمرار تدهور سعر صرفه، مع إدراك الكثيرين لهذه الحقيقة المرَّة هو الذي يُفسر كيف ولماذا تختفي السلع الأساسية والمواد التموينية بين الحين والآخر، من حليب الأطفال إلى السكَّر إلى الكثير من السلع الأخرى، حيث أن غياب هذه السلع هو عرض للمرض، إذ لا توجد أزمة سكَّر ولا أزمة حليب وإنما هي أعراض لأزمة واحدة، وهي أزمة اقتصادية شاملة بما فيها أزمة انهيار العُملة المحلية (الجنيه)، فمن يستورد اليوم أي سلعة يعلم أن تخزينها لعدة أسابيع فقط سيعني ارتفاع أسعارها أكثر فأكثر نتيجة انهيار العملة، ولذلك يمتنع عن توزيعها في الأسواق، وهذا بطبيعة الحال يُغري العديد من المسؤولين الفاسدين لأن يستفيدوا فيتجهوا لاحتكار بعض السلع ولو لفترات زمنية معينة قبل أن يُفرجوا عنها بتحقيق أرباح كبيرة.. وهكذا.
خلاصة القول هو أنَّ مصر التي تشكل ثاني أكبر اقتصاد عربي لا يمكن أن تعاني من أزمة في توافر السلع التموينية الأساسية، وانقطاع متكرر للكهرباء، وفقدان للمياه النقية، وانهيار مستمر في العُملة، وارتفاع متواصل في نسب البطالة وأعداد العاطلين عن العمل، لا يمكن أن تعاني من كل هذه الأزمات ما لم يكن ثمة عصابة من الفاسدين واللصوص الذين ينهبون الأموال ويعبثون بالاقتصاد ولا يريدون خيراً بالبلاد والعباد.
كاتب فلسطيني

رحلة انهيار الجنيه المصري مستمرة

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية