رحلة لاجئة سورية في مركب الموت

حجم الخط
0

(قصة حقيقية مع تغيير أسماء الشخصيات)
كانت عشق تتكلم مع صديقتها نور الكاتبة الصحافية المشهورة في جريدة «العقرب» عبر سكايب بعد أن امتنعت الأخيرة عن التواصل معها لمدة شهر بسبب وعكة عاطفية لادغة. فحبيبها ضربها في السوق أمام الجميع لمجرد أنها أخبرته عن رغبتها في السفر لحضور مؤتمر صحافي في الإمارات.
– صباح الخير شو اشتقتلك يا نوارة وكتير مشغول بالي عليك.
– بعد ما اتخطيت الأزمة يا عشق وموجوعة نفسياً كتير.
– نور نحنا ما منطلع من أزمتنا غير بالكتابة .. شو رأيك خلينا نسكر الخط لمدة ساعتين تلاتة وكل واحدة منا بتكتب نص وبعدين منقرأ النصوص لبعض؟
– اتفقنا
انتهت المكالمة لتستعد عشق لولادة نص جديد يداوي جراح صديقتها ولكنها تفاجأت برسالة على فيسبوك من صديقة سورية اسمها ليلى.
ليلى من عائلة كاثوليكية محافظة وأم لطفلين… نشأت صداقة قوية بينها وبين عشق منذ الطفولة… كانت عشق تلعب مع ليلى في ساحة اللاذقية عندما كانت تزور جدتها مريم.
كانت ليلى تجمع لها حبات الـ «بون بون» بنكهة الفراولة طول الشتاء حتى لقائهما على أبواب الصيف… رغم أن تلك الحبات كانت تغري ليلى وبشدة، فمرات عدة كانت تفتح غلافها المزركش تنظر إليها وتعود لإغلاقها.
وأحياناً كانت تقبلها وتعود لتضعها في سلة القش الصغيرة.
دخلت عشق على inbox بشغف … فقد اشتاقت لأخبار صديقتها الوفية وكانت دائمة القلق عليها خاصة بعد سيطرة داعش على المنطقة المحيطة بمكان إقامتها.
– يسعد صباحك يا عشق …
كيف أخبرك عن رحلة الموت يا عزيزتي …
هم يتاجرون بنا ليمنحونا اللجوء…
هل أخبرك عن رحلة الموت من تركيا إلى اليونان؟
لقد تكلم الموت معي بلغات كثيرة لم أفهمها… فهو يتقن كل اللغات واللهجات إلا السورية وأنا لا أعرف سواها….
و لكن لا أدري إن أعاننا على الوصول ولكننا اليوم في جزيرة رودوس.
رجوت الله أن يتجسّد لأجل شآم … ورجوت موسى أن يشق البحر بعصاه مرة أخرى ويحمل شآم فوق كتفه.
ولكنه تركني وحيدة أتخبط وأنوح وأضرب صدري….
أغلقت صلواتي في وجهه … ورميت مسبحتي في البحر وأنا أصرخ وأبكي وأشتم وأحاول التشبث بأيدي أطفالي..
ورأيت حبات المسبحة تطفو على سطح الماء وترسم وجه طفل حزين..
بدأت رحلتنا الساعة التاسعة مساءً …. فقد جمعونا في باص وكان يتوقف كل مئة متر ليصعد إليه المزيد من المهاجرين اليائسين حتى أصبحنا مكدسين فوق بعضنا البعض كعلب سردين.. علبة تنطح علبة … فتشعر وكأن الباص سيتفسخ من الأطراف وستخرج الرؤوس والأرجل والأيادي من بين الأجزاء المخلّعة ….واستمرت رحلة الاختناق ساعتين ..كنت أتنفس بالتقسيط.
وأشعر بأني أسرق النفس من الركاب الآخرين… فأشفق على حالهم وأحبس نفسي قليلاً كي نتشارك الهواء.
وصلنا وأنزلونا من الباص وكأننا بهائم تساق إلى الذبح …
وعلى ضوء القمر صعدنا الجبل العالي وانا أمسك بأولادي أخشى أن أفقدهم وأخشى ان أفقد الدرب وأتوه عن المجموعة.
وبقينا نتسلق حوالي ساعتين … وصلنا إلى القمة متعبين ولاهثين. لم نتوقع رحلة دامية فنحن دفعنا على كل فرد ألفين يورو. كانت بعض النسوة يلبسن الأحذية الخفيفة وبعضهن أحذية بكعوب متوسطة العلو فبدأن يصرخن من الألم. أقدامهن قد تمزقت وسالت منها الدماء، فبات الدرب الطويل أحمر.
استرحنا حوالي الساعة إلى أن جاءت البشرى .. كان علينا النزول من الجهة الأخرى وبسرعة …. منحدر شديد القسوة تضاهي قسوته الحرب وبراميلها المتفجرة، فلم يمزق أقدامنا فحسب بل أدمى أجسادنا … وقعنا على الصخر عشرات المرات والمرات ولم يكن لنا الحق لا بالبكاء لا بإصدار أي صوت. ساقونا للأسفل وبعد حوالي ساعة من العذاب وصلنا حاملين الحقائب على ظهورنا.. كنت أحمل بيد سترة الإنقاذ، وبالأخرى أبحث عن أولادي لأتمسك بهم.
اكتمل العدد في الأسفل، وبدأوا يحمّلونا بمركب هوائي يتوجه إلى يخت كبير … يحمل المركب كل ثمانية أشخاص ليوصلهم على متن اليخت.. وهكذا حتى أصبح عددنا على المركب سبعة وتسعين شخصاً.. بدأ المركب بالسير، ولم يعد بإمكاني التنفس فأنا يا صديقتي كما تعرفين أعاني من الربو .. لم يكن هناك أي حل أمامي سوى التسلق على ظهور ورؤوس الرجال لأصل إلى الأعلى، ووجدت نفسي أقف بالقرب من المهرب العظيم.
بدأ يصرخ ويهدد ويعد بقتلي إن لم أعد إلى الأسفل ولكني تجاهلت تهديداته فسحب سلاحه ليخيفني .. لم أتحرك من مكاني وفضّلت الموت برصاصة على الموت اختناقاً..
أما أولادي فكانوا في غرفة في أسفل اليخت فلم استطع الوصول إليهم ولكن الحمد لله كان هناك شباك صغيرففتحوه.
وصل المركب بعد حوالي ساعتين للجزيرة اليونانية .. سألت المهرب ما أسم الجزيرة، لكنه لم يجبني سوى بالصراخ والتهديد مجدداً بقتلي. صعدنا إلى الجزيرة لتبدأ رحلة موت أخرى فوق الصخور …
عفواً نسيت أن أخبرك كيف كانوا يرمون بنا على المركب المطاطي الذي أوصلنا إلى جزيرة .. بعض الأطفال سقطوا في المياه وبدأ الشباب يقفزون بسرعة ليعيدوهم إلى المركب المطاطي.
وعندما حان موعد ابني لم يكتف المهرب برميه بل أعجب بالجاكيت فأخذها منه بوحشية.
المهم يا صديقتي تسلقنا الصخور بمساعدة الشباب والرجال .. وجدت مغارة صغيرة فاحتمينا أنا وأولادي داخلها ريثما يأتي خفر السواحل … ساعة …ساعتان… ولم يأتِ أحد لإنقاذنا وأصبحنا كلما رأينا مركبا من بعيد نشعل العشب ونلوح له بثيابنا وبستر النجاة ولكن بدون جدوى.
شغلت جهاز الآي باد واتصلت بزوجي بأزمير وقلت له ان يوقف رحلة طائرته وأن يساعدني .. اتصل فوراً بأصدقائنا في السعودية. ورفع فاتورة خطي الدولي إلى خمسمئة يورو …. اتصلت بالأقمار الصناعية وحددت مكان الجزيرة وبدأت الاتصال بخفر السواحل والصليب الأحمر اليوناني، وكان زوجي يجري اتصالات عديدة بغية مساعدتنا.
في كل مرة كان للصليب الأحمر حجة جديدة تمنعه عن الوصول.. عطشنا.. وعطشنا.. جعنا ..والأطفال يبكون وأنا أكرر اتصالاتي حتى صارت الساعة السابعة عصراً فاعترفوا لي وببساطة بأنهم لن يأتوا إلينا…. حينها بكيت. حاول البعض مراراً وتكراراً سرقة هاتفي فهددتهم قائلة: سأكسر الجهاز في الحال إن حاولتم سرقته.. أحسست أنني كالفريسة المحاطة بذئاب جائعة تنتظر فرصتها لتفتك بي … اتصل زوجي وأعطاني رقم جمعية حقوق الأنسان لأتصل بها … وبالفعل أتصلت وأخبرت المسؤولين ما حدث وأرسلت لهم موقعنا على «جيبي أر أس» … وقالوا لي: سيدة ليلى لا تخافي سنسعى بجهد لإنقاذكم اليوم..
عندها أخبرت الجميع بالخبر السعيد .. نزلت الجبل وأنا جالسة خوفاً من الانزلاق … هكذا حتى وصلت للبحر.. سبحت وبكيت وشربت من مياهه التي روت ظمأي بالرغم من ملوحتها وناديت أولادي ليفعلوا بالمثل…
كانت في البحر رحمة وفي ملحه حياة….
نسيت أن أخبرك أن خفر السواحل اليوناني أرسلوا لنا مركباً ورموا في البحر صناديق المياه ورحلوا .. وللأسف استولى الشباب الطيبون على الصناديق وشربوها ولم يعطوا أحداً منا جرعة ماء واحدة.
عندما أصبحت الساعة التاسعة مساءً رأينا مركباً آتياً من بعيد باتجاهنا … توقف وأنزل في البحر مركباً مطاطياً اتجه نحونا وبدأ الرجال بإنقاذنا.
هل تذكرين يا عِشق حبات الـ «بون بون» بنكهة الفراولة؟ كنت أقاومها لأني أحبك وكأني بها أستعد لمقاومة أكبر.

شاعرة لبنانية

مريم مشتاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية