رحلتان مشتركتان بين فنانين عراقي وسويدي حين يكون تحّول الأمكنة باعثاً لفنٍّ مغاير

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» صفاء ذياب: على قاعات متحف فالبيكدنس في مدينة فالشوبنك وسط السويد قدمت تجربة متفردة في الجمع بين فنانين اثنين من ثقافتين مختلفتين، الأول فنان مهاجر له بصمته الخاصة وهو العراقي كريم سعدون، والثاني فنان من البلد نفسه، وهو الفنان السويدي ماتس سفينسون.
«رحلتان» هو عنوان المعرض الذي افتتح في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول، واستمر حتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اختلفت التجربتان اللتان جمعتا في هذا المعرض، فالفنان كريم سعدون عرف كفنان تشكيلي، ينظر للعمل الفني بأنه لم يعد محكوماً بأطر خارجية تتحكم في عملية صنعه وتقصر الدلالة عليه، بل أصبح يحتكم لقواعد عمل ذاتية وهي قواعد منفتحة وبلا أطر، وكفنان يعيش عصره لابد من الامتثال لقواعد عمل متحركة باتجاه تسهيل عملية البث، فالقماشة لم تعد مجالاً يتسع لذلك، بل إن الاشتغال خارجها أصبح هدفاً، وهو جزء من عملية تجاوز للأنساق بشكل عام في محاولة دائمة للاستحواذ على أنساق تعبيرية جديدة تكسر اشتراطات التلقي السابقة.
في حين كان الفنان ماتس سفينسون فناناً كرافيكياً له تجربة في الهجرة من استوكهولم مسقط رأسه إلى مدينة شوفده وسط السويد، ويشتغل في الحفر على النحاس بطريقة كرافيكية قديمة تعود للقرن الثامن عشر معتقداً أنها الأقرب تمثيلاً لما يريد إنتاجه فنياً كوسيط مادي.
كان هذا المعرض بدعوة من الفنانة إيفا ليل وهي إحدى المهتمات بتجربة الهجرة من مكان إلى آخر، لإقامة معرض في صالة العرض الخاصة بمتحف فالبيكدنس. وهذه السيدة المسوؤلة عن انتخاب الأعمال الفنية والفنانين للعرض في صالة العرض الخاصة بهذا المتحف وأشرفت على مجموعة من النقاشات في سبيل الاستقرار على اسم المعرض، كما كانت للتداول فيما بين الفنانين كعرضين، ومن ثمَّ أشرفت على تنظيم العرض في القاعة.
قدم الفنان كريم سعدون مجموعة من الأعمال التي اختلفت في تقنياتها وأسلوبها، منها العمل التركيبي (بعض ما تبقى) الذي عرضه في أكثر من مكان (باريس 2010، السويد 2011، بغداد 2013، والآن في فالشوبنك 2016) وفيه محاولة لإعادة إنتاج جدار من المكتبة العامة ودار الوثائق في بغداد اللتين أحرقتا في عام 2003، وعمل آخر (ترميم الذاكرة)، وعمل كرافيكي يتكون من 64 صورة باستخدام كليشة لصورة شخصية من القرن التاسع عشر، والصورة المطبوعة مسحت ملامح الوجه فيها، العمل معروض وتحته لافته يقول فيها: حاول أن تضع وجهاً، وهو عمل يتعلق بالهجرة واللجوء، مع بعض الأعمال التشكيلية المرسومة بالزيت والأكريليك.
في حين قدم ماتس سفينسون مجموعة من أعمال الطباعة الكرافيكية، ومن ضمنها خمسة أعمال تمثل مراحل التغييرات التي حدثت على سطح اللوحة المطبوعة، وفيها يؤكد على فهمه الخاص لطبيعة الانتقال من مكان إلى آخر، وقد كانت الأعمال مهيأة لطبعها بعدة نسخ، فقد طبع منها طبعتها الأولى التي يسميها الكرافيكيون (بروف برنتك- نموذج للطباعة) وهي النسخة الأولى التي يختبر فيها الفنان العمل بشكله المقنع ويهيئه للطباعة. وبين هذين التجربتين حاول كلا الفنانين طرح رؤيتيهما عن مفهوم الانتقال والتحول، فقد قدم سعدون نصاً بسيطاً عما يراه في مفهوم الانتقال من مكان إلى آخر بالنسبة له كلاجئ إلى السويد، وقدم سفينسون فيما بعد نصاً في فهمه للانتقال أيضاً من مكان إلى آخر كما في حالته.
وبحسب الفنان عبد الكريم سعدون، فإن الانتقال من مكان إلى آخر، هو انقطاع عن تاريخ كامل من العلاقات والأفكار والمفاهيم التي نشترك بها مع الآخرين، ومحاولة لتأسيس وجود آخر غير الذي كان، إذ إن المكان الجديد يمتلك أشياء أخرى يجب أن تشترك فيها مع آخر مختلف عنك، وهو أمر يتطلب الكثير من الجهد لتسهيل فرصة التواصل معه. «ففي عام 2002، عندما وصلت السويد، كنت محملاً بإرث كامل من الأفكار والمفاهيم والعلامات التي تخص إنتاج العمل الفني ووظيفته، الحياة هنا تسير بنظام مختلف وتوفر كل شيء يمكن الاستفادة منه، وبالنسبة لي انشغلت في كيفية التواصل مع المتلقي، خصوصاً أن ما أضعه من علامات في اللوحة قد لا تعطي الدلالة نفسها، ولكن في المحصلة استطعت أن أتلاءم مع الأمر، إذ إنني أتناول في أعمالي قضايا تخص الوجود الإنساني مثل مفاهيم الحرية والحقوق المدنية للإنسان واستطعت استخدام علامات تقترب من فهم المتلقي الجديد وتدعوه للاقتراب منها والتفاعل معها.
في أعمال سعدون غالباً ما يتناول ما خلفته الحروب من آثار على بنية الثقافة والمجتمع في العراق، وهو موضوع يلازمه ولكن بطرق تعبيرية جديدة، مثل أعمال التركيب التي لم يكن يستخدمها سابقاً، وهي بالتأكيد من تأثيرات البيئة الفنية الجديدة في السويد، وكذلك في الكثير من أعماله تجد مزجاً للكثير من أنواع الفن، كالنحت والغرافيك والرسم والمونوتايب والتركيب والكتابة. مفهوم الوطن في أعمال سعدون لم يعد متعلقاً بأرض فيها كل ما يخص وجوده من حياة سابقة وذكريات ومشتركات مع أناس آخرين، بل أصبح الوطن المكان الذي يوفر له قدراً كافياً من الأمان والحرية، و»مع ذلك ما كان لدي من ذكريات من بغداد لم أستطع نسيانه، بل يظهر في أعمالي بصياغات مختلفة وبأدوات تعبير جديدة تمليها البيئة السويدية التي تتسم بالوضوح الحاد وظهر تأثيرها في الكثير من أعمالي في سنوات 2004- 2007 تحديداً، إذ تناولت المدينة وما فيها من حركة الناس وعلامات الشوارع».
اشتغل سعدون كثيراً على سلسلة من الأعمال التي عرضها في السويد وفي خارجه تحت اسم «بعض ما تبقى» الذي تبقى هو في مجمله من نتاج الحروب التي عاشها هناك والتي تركت آثاراً لا يمكن نسيانها لأنها تخص الوجود الإنساني المهدد بثقافته ووجوده.
من جهته، اشتغل الفنان ماتس سفينسون على موضوع آخر، كان بعنوان «في حدود الوطن»، مقدماً تساؤلات لا تنتهي، منها: ما الواقع؟ ما الخيال؟ ما الهروب من الواقع؟ ما الصحيح؟ ما غير الصحيح: وهم، ابتداع، مبالغة، إمساك بالهواء، حلم؟ في الحياة اليومية، الممارسة من أجل المعرفة أو لإقناع النفس بمعرفة غير المعرف. ويستدرك: ولكن في عالم الفن هناك قواعد أخرى يجري تقبلها، هناك تتوسع وتمتد حدود الإدراك المعتادة. مبيناً، أنه لتشكيل تجربة، حلم، رؤية من خلال وسيط (في حالتي الوسيط هو الحفر على النحاس) هي رحلة إلى وجهة غير مؤكدة. «أحدد لنفسي اتجاهاً واحداً وأتبع إحساساً معيناً، حتى لو كان الهدف المحدد في أحيان كثيرة غامضاً. الأمل في أنني سأصل ولكن لا أعرف أين ومتى. وهذا هو المعنى الشخصي لعملية الإبداع أو التكوين». ويؤكد سفينسون على أن العملية الإبداعية مليئة بالفتحات، ممرات للرجوع ومحطات يمكن للمرء أن ينتظر فيها ويتأمل. في بعض الأحيان يضيع المرء طريقه، أي طريق تؤدي به إلى الهدف غير تلك التي يعتقد في البداية أنها ستوصله. ومتى ما وجدها يشعر بالراحة، «خطر لي ذلك مرة واحدة على الأكثر، ولكن الحزن يتسلل على الرغم من ذلك. في هذا الوقت تكون الرحلة قد انتهت». وينهي سفينسون كلامه بقوله: كل عمل فني هو عملية جديدة، مغامرة جديدة ورحلة جديدة.

رحلتان مشتركتان بين فنانين عراقي وسويدي حين يكون تحّول الأمكنة باعثاً لفنٍّ مغاير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية