القاهرة ـ «القدس العربي»: أسس مدرسة في شعر العامية انتسب إليها مئات الشعراء، ونقل إيقاعا مختلفا في الأداء. بلهجته الجنوبية صار تقليدا عاما عند من يتمثلونه في الصوت والصورة من الجنوبيين وغيرهم حتى بدت محاكاته في الإلقاء كأنها جواز مرور لمن يريد الاعتراف به شاعرا شعبيا معتمدا من الجمهور، ورغم التقليد والمحاكاة ومحاولة الوثب على خصائصه وخصاله الفنية والأدبية ظل هو ـ هو عبد الرحمن الأبنودي حالة فريدة وحيدة غير قابلة للاستنساخ والطبع، وبقدر الحضور والحب والوجود الطاغي كان الهجوم والاتهام وكانت الشائعات، تلك طبيعة الحياة الثقافية وضريبة الثبات على القمة لنصف قرن أو يزيد.
كتب الأبنودي شعرا ونثرا ملغومين بالبلاغة والسياسة، فدفع الثمن أحيانا وحصد الثمار أحيانا أخرى. اختلف واتفق مع الأنظمة، لكنه تحصن بالجماهير التي حفظت شعره عن ظهر قلب «جوابات حراج القط ـ يا منه – الموت على الأسفلت ـ الأرض والعيال»، وامتد صداه إلى المحيط العربي فكانت القاعدة الشعبية الأوسع، وبالطبع كانت فلسطين بؤرة القصائد ووهج الشعر وفي المحافل الثقافية المصرية والعربية، كانت هي القضية الرئيسية المدرجة في جدول أعماله، لم يغفل عنها كما لم يغفل قضاياه الأخرى ومن رموزها تحلق حوله الأصدقاء، محمود درويش وسميح القاسم وفريد البرغوثي وغيرهم.
تأسست القاعدة الإبداعية على قناعات وثوابت قومية ووطنية عبر عنها في القصائد والأغاني، وتوافق حلمه مع أحلام الملايين من المحيط إلى الخليج فذابت الهوية المصرية في الهوية العربية فهو المصري ابن الوطن الكبير.
لم يفرق عبد الرحمن الأبنودي بين مصر وسوريا والعراق ولبنان والأردن وليبيا والحبيبة فلسطين وعاش يتمدد بشعره متواصلا ومتصلا عابرا للحدود ونقاط التفتيش حاملا جواز السفر والحلم والقصيدة، متشابكا مع الإبداع الجميل في صوت صباح ووردة الجزائرية وعبد الحليم حافظ ونجاح سلام وماجدة الرومي ووديع الصافي، ظافرا جدائل أغانيه في موسيقى بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي وعلي إسماعيل وأحمد فؤاد حسن، في اتزان مضبوط على عصا المايسترو بغير نشاز أو اختلال.
كتب الأبنودي مواويل السنابل والغيطان وحكايات الفلاحين ومياه السواقي، وسجل الملاحم وسير الأبطال الشعبيين أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة وأدهم الشرقاوي وعاش مع مصر معارك المصير عدوان 56 وبناء السد العالي ونكسة 67 وحرب الاستنزاف وانتصر 73 وصرخ بأعلى صوته أحلف بسماها وبترابها، وعدى النهار وابنك يقولك يا بطل، وفدائي، وبالأحضان يا سينا، كان حاضرا في كل المواقف لم يتخلف ولم يتراجع فقد حملت الحناجر الغنائية كلماته وطافت بها ربوع الوطن العربي كله.
ولما استقر به المقام في مدينة الإسماعيلية بعد أن اشتد عليه المرض وبات زحام القاهرة وغبارها يشكل خطرا عليه، لم ينس قضاياه ولا دوره ولا إبداعه، أرسل صوته إلى أبعد من محيط إقامته الجبرية، وفي ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران حضر شعره حضوره المعتاد واحتلت أغانيه مكانتها في الصدارة، فكتب قصيدة «دم ده ولا ربيع» فتأججت المشاعر الوطنية مجددا، ولم يبرح إبداعه الميادين حتى الرمق الأخير. رحل الشاعر الكبير أبو آية ونور مخلفا وراءه تراثا عظيما سيعيش طويلا، وسيبقى بوصلة المستقبل للأجيال القادمة ودليلها الثقافي والمعرفي، فهكذا تظل المواهب الكبرى مضيئة عبر الأزمنة والعصور رحل عبد الرحمن الأبنودي وبقي الشعر والنثر والتاريخ.
كمال القاضي