رحيل إدوار الخراط: غاب صاحب رامة وبقي ترابها الزعفران

حجم الخط
0

قبل أيام قليلة رحل عن عالمنا الروائي والأديب المصري إدوار الخراط عن 89 عاماً، ولعل إعادة قراءة إدوار الخراط، يعد فعلاً اعتيادياً نتج بفعل الموت الذي يتحول إلى مناسبة لاسترجاع حالة إبداعية. غير أن الواقعة هنا ليست اعتيادية، لكون الخراط لم يكن نمطاً مألوفاً، إنما كان حالة لا تخضع لنمذجة معينة، فكتابته لم تكن عابرة، فثمة دوماً دهشة قائمة، وعبور خفي إلى مساحات لم تؤتلف في أعمال هذا الروائي، ومع أن ثمة ضيقا في الأحداث، غير أن هنالك رحابة مجهولة المصدر، وهنا نتساءل هل ثمة شخصيات ورقية يمكن أن تحتمل هذا القدر من التأثير؟ إذ كنا نقرأ عنها، ونراها في مدينة الإسكندرية، كما الشقة، والمكان، والشارع، والحارة، وتلك الحكايات التي تأتي، وتذهب بخفة مع الطفل الذي ينمو في «ترابها زعفران».
إذن ليست قراءة إدوار الخراط حالة يومية، مألوفة بوصفها قيمة جمالية لغوية تقنية، إنما قيمة واعية بحدود الفعل الإبداعي، إنها قراءة لصوغ مفهوم الكتابة، أو شكل الكتابة، مع كثير من إحساس الكتابة، وهذا ما يعني أن إدوار الخراط قد عبر بكتبه، ورواياته، ونصوصه كافة من عالم الكتابة إلى عوالم أخرى، أو لمساحات جديدة، وهذا ما يجعل الكتابة تتحول لديه إلى قيمة متفردة، غير استثنائية، مصاغة بعناية من لدن الوعي، فثمة قيمة جمالية، فضلا عن هذا التدفق بين تيارات الأفكار، واللغة، والمجتمع، والإنسان، والخصوصية، والثقافة.
الخراط يعني أن تكتب في مرحلة التجاوز للكتابة، أو لإلغاء الكتابة إلى الكتابة غير المتجسدة، غير المتعينة، غير المختبرة، أو المألوفة هو شيء لا نمتلكه أو لا نقع عليه لدى العديد من الأعمال، والــروايـــات التــي تمضي… ولكن من دون أي أثر، سوى أثر اللحظات التي نمارس فيها فعل القراءة.
في رواية «رامة والتنين» 1980، ليس ثمة تلك الحدود بين ما يقال، وكيف يقال، فقط ثمة سرد مثقل بخفة اللغة، وجمال بحدود بؤس هذا العالم، وحلم بلا يقظة، ورواية تنتهي، ولكن في الوعي الذي يجتر فائض الأحاسيس، وظلال المعاني، وتلك المقاصد، هي تنتقل من سماء إلى سماء، هكذا الكتابة لدى إدوار الخراط سماوات مفتوحة بلا حدود، تجاوز للتقاليد، ولكل مستويات ما أنجز في سياقات أفضت إلى عالم مهزوم، وبائس وحزين، إنها فعل لتجاوز تلك التقاليد إلى الكسر، أو إلى اللاتقاليد، فعل انحراف نحو لا قيد سوى الذات في حدودها المعرّفة. والذات تضيق بذاتها، إذ تستنفد اللغة كافة القيم العاطفية، ولكن ثمة توالدا مستمرا من أمكنة لا تعرف من أين جاءت! هذا السرد، وتلك الشخصيات تعبر أمكنة وتاريخاً، ولكنها تفتعل وعيها، وحينا تخرج من اللاوعي، تتداعى بانسيابية مفرطة، وحين تتوقع أن ثمة ما يعوق ما هي فيه من تقدم، تصطدم، لينتج السرد حالة أخرى، افتعالا، مساحة لم تكن تتوقعها، هي تلك القدرة على اختبار القراءة، وتوليد ما يتوقع من حيث لا يتوقع، هي رواية الحساسية الجديدة، مفارقة عالم محفوظي شاسع، ومحكم بعناية… وفي الكتابة قلة من يتركون علامات على الكتابة، فالكل يمارس الكتابة بحدود الكتابة، أو بين الكتابة، أو بمحاذاة الكتابة، ولكن الكتابة التي تتجاوز توقع الكتابة هي تلك التي تبقى، وتنتظر من يأتي لنفيها مرة أخرى، ولكن لا يمكن أن ينفى الأثر، فالقراءة الأولى فعل لا يمكن أن يكرر، وهي من تلك الأشياء التي لا يمكن أن تستعاد.
كان الناقد الفرنسي رولان بارت مهووسا بفعل الكتابة، وكان ثمة هوس خاص لديه بقدرة اللغة على أن تكون في اللامجال، في المرحلة التي تنبثق فيها من الدرجة الصفر، أو كي يلاحق هسهسة اللغة، ربما لدى إدوار الخراط شيء من هذا التجسيد عبر تحويل أنساق الكتابة، فهو من ساق الرواية أو لنقل الكتابة العربية، ولاسيما السردية منها إلى اللغة الأخرى، إذ دفع بها إلى الشارع، والتاريخ، والحب، والألم، مضى بها، كان يكتشف وعياً جديداً، ولا سيما في ذلك السرد غير المتجسد، غير الحاصل على هوية سابقة، أو بصمة آخر، ذلك الأثر من الانبثاق باللغة، والحدث، والوصف، والسرد، ولكن إلى ما لا يمكن أن تتوقع، إنما عبر ما يمتلك من القدرة على الإحساس والتكيف، ومن ثم نعثر على أنفسنا، وقد مضينا في عوالم الخراط، بلا حتى فعل تأهيل، نمضي به، أو يمضي بنا إلى دهاليز أعماله، ونبقى نتحسس الإسكندرية في ترابها زعفران، تلك السياحة اللغوية في الشوارع، وأحداث، كما في تلمس الطفل لذاته، أو للعالم الذي حوله، لا شك أن المنظور أو التمركز السردي كان فعلاً لتجاوز تلك الانخلاعات المفصلية بين ثنايا السرد، ليس ثمة إقحام، إنما تجاوز لأسس الوعي بالسرد، حيث نذهب إلى أفق التاريخ، وطبقات جيواجتماعية، مع فيض الجمالي، والإنساني، إنها نفي للمرجعية، والواقع، كما جاء في مقدمة «ترابها زعفران»، هي تجاوز لكل ما سبق نحو المرجعية، ولكن بقدر يحتمي باللغة، والحرفة، وشيء من الخيال، والتذكر، والأحلام، ويبقى ضمير الامتلاك حاسماً في اصطياد وعي القارئ إلى ملامسة ما يراه إدوار الخراط، أو الطفل، أو أي كان، ربما من يقرأ لا بد أن يقع على تنصل من الحدود التي تتهاوى، ليس ثمة وعي سوى وعي القراءة بنسقها الفوقي، ولكنك تمضي في ما بعد إلى طبقات من التمثيلات، للمكان، بشخوصه وحيويته الفائقة.
في «ترابها زعفران» نقع على فعل إرسال الأم لطفلها كي يشتري شيئا من الدقيق، هي مرحلة عايشها كل ابن مدينة ينزوي في أحد الأحياء الشعبية… وفي الطريق… يلتقط الطفل إشارات المكان، يستمع إلى إيقاع المدينة، وجمالها النابض والحي، يكتشف الوجوه، يحمل معه روائح لن تفارقه، وهكذا يعيد تشكيل المشهد بوعي جديد، إنه وعي اللحظة الطفولية القائمة على الاندهاش، ولكن ليس هنالك من تزييف، وليس هنالك من تكلف سردي بائس، فقط تشكيل الكتابة في قيمــها التي لا تفتقر للموهبة المطلقة.
قراءة إدوار الخراط تجربة لا يمكن أن تفضي إلا بآثار وجروح وأحلام ونكبة وزيف وشيء من الحب، وإدراك أن ثمة شيئا جميلاً فقدناه في عبورنا على الزمن، أو في عبور الزمن علينا، هل نعيد ترتيب رحلة إدوار الخراط في وعينا الآخر؟ أم نسير على خطى حروفه، ونعشق أمكنته التي عشقها؟ فأحببنا الإسكندرية كما تجسدت بالكتابة، بذلك المتخيل، بالتمثيل، وهل ثمة شيء ما فقد هنا أو هنالك؟ هل فارق المكان حدود الكتابة، أم أن الكتابة تمارس خدعة، أم أن الخراط سرقنا من أنفسنا إلى تلك اللغة؟ إنها اللغة التي لا بد أن تعلق بكل من يحتفي بها، ولكنها تبقى… في حين تمضي كل الأشياء، كما قطعة الحلوى التي أعطتها حسنية بنت الجيران للطفل، الذي احتفظ بها طويلاً حتى محيت علامتها وآثارها وصورة الغلاف، إنه تقدير لضغط الزمن، وذلك الصراع بين الحاضر والماضي، وذلك التقدم الحتمي للزمن، الذي يطوي كل ما يعبرنا، هل كانت هذه الحادثة من الكتاب حادثة عابرة، أم لغة فائضة؟ ربما كانت انعكاساً لرؤية ما، ربما تحمل معها طابعاً خفياً أن هذا الوجود ما هو إلا قيمة زائلة، والخراط يقف ليتأمل الزمن، وهو يمضي، ولكنه لا بد أن يجعل اللغة تحتفي به، وتجعله باقياً خالداً، رحل إدوار الخراط وبقيت لغته، في فتنتها، وسحرها، وبقي التراب، ورامة والتنين، وبقيت شخوصه تفتح لنا أفقاً من الإنساني، أو لعالم بات يقترب شيئا فشيئا من فقدان ذلك اليقين… بأن ثمة شيئا ما خلف هذا العالم، في زمن بات يطوي الحدود، ويمضي إلى اللامركز، وشيء من التيه.

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية