هذه سطور أنعي بها الكاتب والصحافي والمفكر القدير «الأستاذ» محمد حسنين هيكل، الذي احترم قلمه واعتز بنفسه وثبت على موقفه، وهو الذي تربع على عرش العقول، واحتل أعلى قمة لمهنة فيها من الجاذبية بقدر ما فيها من المعاناة.. وقبض على جمرها حتى النزع الأخير.. وبرحيله فقدت مصر هرمها الصحافي الرابع؛ وقد بُني بالدأب والإصرار والتفاني في العطاء، وافتقده العرب كأحرص الناس على كشف مواطن قوتهم، وأكثر ما يكون سعيا لمعالجة نقاط ضعفهم.
كان «الاستاذ» رسول العرب إلى العالم، وجسر العالم إلى العرب. ومنذ تغطيته لمجريات الحرب العالمية الثانية في مقتبل شبابه المهني؛ استمر متابعا ومعاصرا لتطورات ما بعدها؛ ومن قلب مناطق العالم الساخنة؛ ذهب إلى حرب فلسطين 1948. ومنها تعرف على الزعيم الراحل جمال عبد الناصر؛ تابع الحرب الكورية كمراسل حربي، واقترب من صراع الإرادات في «الهند الصينية».. وكان طرفا فيما جرى لمصر والوطن العربي بعد ثورة يوليو 1952؛ بكل تعقيدات وتشابكات وتناقضات وتضارب المصالح الإقليمية والعالمية.. وكان شاهدا على صعود حركات التحرر وفي مقدمتها حركة التحرر العربية.. وكان للقضية الفلسطينية والوحدة العربية مكان الصدارة فيها؛ وجاء انتصار الثورة الجزائرية على الاستيطان الفرنسي لتفتح بابا للأمل – المؤجل – لتفكيك الاستيطان الصهيوني في فلسطين، كذلك خرجت اليمن من ظلام العصور الوسطى، ورحيل الاحتلال البريطاني عن إمارات ومشيخات الخليج العربي.
والعرب يعيشون اليوم مرحلة لا يصح فيها قول «ما أشبه الليلة بالبارحة».. فحالهم لا يسر؛ بعد أن تفرقوا شيعا وفرقا وجماعات متناحرة ومتقاتلة؛ تبيد بعضها بعضا.. وكما كان الراحل الكبير فاعلا ومنحازا إلى موجبات القوة والتقدم والنهوض في خمسينات وستينات القرن الماضي.. ومع الانحسار تحول إلى مقاوم وناصح وراصد ومتابع بعين فاحصة ورؤية ثاقبة لحال أمة؛ خرج من بين المنتسبين إليها من فرط في ثوابتها وتخلى عن أوراق قوتها، وتنازل عنها مجانا؛ وادعى زورا أن 99٪ من هذه الأوراق بيد واشنطن!!.
وعن مفاتيح شخصية «الأستاذ» ذكر لي نقيب الصحافيين الأسبق؛ الراحل حسين فهمي، وكان ذلك بلندن في مطلع ثمانينات القرن الماضي قال: أنه كان من بين رؤساء التحرير الذين رافقوا الرئيس عبد الناصر إلى المؤتمر الآسيوي الإفريقي بباندونغ؛ في الفترة ما بين 18 إلى 26 نيسان/إبريل 1955.. وهو المؤتمر الذي وضع الأساس لسياسة الحياد الإيجابي واللبنة الأولى لحركة عدم الانحياز.. وكان من أبرز شخصياته رئيس وزراء الهند العظيم جواهر لال نهرو، ورئيس وزراء الصين الحكيم شو إن لاي ورئيس مصر الثائر جمال عبد الناصر.. وقال: جرت العادة على أن الصحافيين المرافقين للرؤساء في زياراتهم ومؤتمراتهم الخارجية يحرصون على التواصل مع الرئيس قبيل الجلسات وبعدها.. فهو بالنسبة لهم مصدر مباشر يتعرفون منه على ما ينوي عرضه، وعلى ما تناوله، وما يكون قد خرج به من باقي الرؤساء والمشاركين، ويبرقونه لصحفهم ووكالاتهم وأجهزة إعلامهم المسموعة والمرئية..
وعبد الناصر المعتاد على الاستيقاظ مبكرا ليمارس رياضة المشي كان يجد حرصا من «هيكل» على مصاحبته.. وبحث المرحوم حسين فهمي مع زملائه في سر هذه الصحبة.. فاكتشفوا أنهم بينما ينتظرون الرئيس ليحصلوا منه على تصريحات ومعلومات عما جرى في الجلسات وداخل الأروقة؛ كان «هيكل» يبحث ويدقق ويرصد ردود الفعل ويستمع للأخبار وتعليقات وتحليلات الإذاعات ووكالات الأنباء عن المؤتمر، ويأتي الصباح وهيكل محمل بحصيلة معلومات وتحليلات تساعد في استجلاء المواقف المحلية والإقليمية والعالمية؛ وهذا ما كان يحتاجه عبدالناصر.. وما أراح عبد الناصر في «الأستاذ» ضاق به غيره، وقال المرحوم حسين فهمي أن هذه ميزة هيكل؛ في جَلَده وقدرته على التواصل مع العالم، وكان ذلك محط اهتمام عبد الناصر وأساس الحوار والثقة المتبادلة بين الاثنين.
وتشاء الأقدار أن يرحل «الأستاذ» قبيل أيام من الذكرى الثامنة والخمسين لإعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وكانت حدثا اهتزت له الأوساط السياسية والعسكرية الغربية؛ قلقا على مستقبل ومصير الدولة الصهيونية.. وكانت لم تبلغ عشريتها الأولى من عمرها بعد، وبدت بقيام الدولة الجديدة بين فكي كماشة مصرية سورية يمكن أن تطبق عليها في أي لحظة.
وذلك يفسر حجم العداء، واختلاق المشاكل ووضع العراقيل أمام دولة الوحدة الوليدة، فالقوى الاستعمارية الغربية بأحلافها وقواعدها ورديفها الإقليمي والصهيوني، وقدرتها على تحريك «أصحاب المصالح»، واستنفارهم، وقاومت بذلك اعتدال ميزان القوى لتغيير واقع التقسيم والتفتيت والتخلف والجهل، مع معاناة تداعيات اتفاق سايكس – بيكو.. الذي مر عليه قرن هذا العام..
وعلى الرغم من الزخم الشعبي والجماهيري الذي صاحب قيام الوحدة، فإن الحرب النفسية وحجم الاستنفار والحشد الموجه ضدها أعاد الخلل إلى ميزان ليكون في صالح القوى الاستعمارية والانعزالية والانفصالية. وكان انفصال سوريا عن مصر بداية لتداعيات انتهت بنكسة 1967، وليثبت أن الظهير الصهيوني بقي بمثابة خنجر سام في خاصرة العرب.. وفي تلك الفترة قاد فيها لأستاذ معركة إعادة الثقة في النفس وفي مستقبل الأمة العربية، وفي ضرورة الوحدة كطريق لا بديل عنه لتحقيق التقدم والنهضة كأساس اللنهوض وتحرير الأراضي السليبة في فلسطين..
ولم يحدث ذلك منفصلا عن بذرة المشروع الصهيوني التي غرست في المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية الهجرات اليهودية إليها، وتقسيمها بموجب اتفاق سايكس – بيكو ثم وعد بلفور (2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917) قبل أن تضع الحرب العظمى أوزارها، وكان الوعد حلقة مكملة لحلقات سابقة وأساس لحلقات قادمة.. والهزيمة أعادت بدورها الاعتبار لثقافة التجزئة والانعزالية، ونجحت ؛ثقافتها في توليد أيديولوجية معاونة إذا جاز التعبير، وهي أيديولوجية الإضعاف.. واعتنقها مثقفون وسياسيون ومسؤولون يعملون على إحكام قبضتهم بثلاثة رهانات..
الأول: نشر مبررات الضعف؛ وتعزيز ثقافة القبيلة والطائفة والمذهب مع الاستسلام للانكفاء على الذات وتزكية الاقتتال البَيْنِي..
الثاني: تأييد المخططات والمشاريع الصهيو غربية؛ بكل ما تحوي من خداع واستنزاف سياسي واقتصادي وعسكري وبشري ونفسي، وهذا أوصل العرب إلى ما هم فيه من تردي..
الثالث: إلغاء الذاكرة التاريخية والوطنية للعرب.. وقد قطع هذا الرهان شوطا كبيرا؛ بدا مهددا للهوية القومية والثقافة الوطنية وللوجود العربي ذاته!!.
وقد قام «الأستاذ» بدور عز نظيره في مواجهة هذه الرهانات، ونجح في ترميم الذاكرة التاريخية والوطنية للشعب والأمة.. ولا يجب أن يذهب ذلك الجهد سدى، ومواصلة تعرية وكشف مخططات التشويه المتعمد في البرامج الإعلامية والمناهج التعليمية وداخل حواضن الثقافة والفكر والفنون والآداب.. ومن المهم مواصلة مسيرة «الأستاذ». على أن تكون الذكرى الثامنة والخمسين لقيام «الجمهورية العربية المتحدة» مناسبة للتصدي للفكر الانعزالي والقبلي والمذهبي والطائفي، وكشف عوراته وسوءاته، وتعرية رموزه..
وإذا كان «الاستاذ» قد ترك فراغا فلا بد من ملئه.. وهذا تحدٍ حقيقي يواجه أجيالا اتخذته معلما وقدوة ولو كان حيا بينهم لاستجاب لهذه الدعوة؛ ولكان أول من يلبيها. رحم الله «الأستاذ» والدعاء بأن يتغمده الله بواسع رحمته ويلهم أسرته وذويه وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان..
مثله سوف يبقى في ضمير أمته، وبين مفكري وكتاب العالم؛ كواحد من أهم وألمع صحافيي ومفكري القرن العشرين.. وفي الختام فإن ما يمكن قوله: «في الليلة الظلماء يفتقد البدر!».
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب