تونس- «القدس العربي»: غيب الموت الفنانة التونسية رجاء بن عمّار مساء الثلاثاء 4 أبريل/ نيسان الجاري خلال خضوعها لعملية جراحية للقلب في أحد مصحّات العاصمة.
رجاء بن عمار الممثلة والمُخرجة المسرحية الفذّة، عاشت مواجهات فنيّةً دائمةَ مع سلطةِ الواقع، وتمرُّدًا مستمرًّا على ظلامِ المسارح، فقد أنجزت خلال مسيرتها الفنية حركةً تجديديّة لهذا الفنّ مازجة فيه بين التمثيل والرقص، مانحةً الجسدَ فرصة التحدُّثِ بجرأةٍ عن تاريخه وعن مكنونات حاضره، محفزة له أنْ ينعتقَ من قيود وحدة الموضوع الذي يؤدّيه، ووحدة الديكور الذي يلفّه، ووحدة الحركة التي يفرضها عليه النصُّ، فإذا به يتحوّل عندها إلى استعارة حُرّة وبليغة تتحرّك بوعيٍ جماليٍّ لتمحو المسافة الفاصلة بين الركح والجمهور، محوًا يُيَسِّرُ التواصلَ المباشرَ بين المشْهَدِ والمُشاهِد، ويحوِّلُ فضاء المسرح جميعه إلى ركحٍ كبير لكلٍّ فيه حقّ بناء حكايته وحقّ تأويلها، سواء أكان من الممثّلين أم من الجمهور.
أُغْرمت بن عمّار بالمسرح منذ سنوات تعليمها الثانويّ، بفضل انتمائها إلى عائلة فنية، وسعيًا إلى اكتشاف آفاق هذا الفن سافرت صحبة رفيقها الفنّان المنصف الصائم (صار زوجها في ما بعد) إلى ألمانيا وانتمت إلى جامعة ماكسيمليان في ميونيخ، حيث صقلت موهبتها المسرحية وتمكّنت من أدواتها الفنية. وما إن عادت من ألمانيا حتى انتمت إلى فرقة مدينة الكاف المسرحية، وهي أوّل فرقة مسرحية محترفة، كان قد أسّسها الراحل المنصف السويسي، وقد يكون عملها في هذه الفرقة سببا لانفتاحها لاحقا بفعلها المسرحيّ على مشاغل الناس وتبنّي قضاياهم الثقافية والاجتماعية والسياسية، والتعبير عنها بلغة فنيّة تراوغ الرّقيب الرسميَّ وسدنة النظام الحاكم.
وبعد تجربة فرقة الكاف التحقت رجاء بن عمّار بفرقة المسرح الجديد للفنّانيْن الفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، ومن خلال عملها في هاتيْن الفرقتيْن تمكّنت رجاء بن عمّار من أن تصنع لها اسما فنيّا له ميزات خاصّة، لعلّ من أهمّها الجرأة والتجديد واستثمار تعبيرية الجسد الراقص. وهو أمر مكّنها في ما بعد من الاستقلال بذاتها الفنية، فأسّست سنة 1980 مسرح «فو» (Phou) وأخرجت فيه مسرحيات عديدة منها مسرحيات، ”الأمل” (1986)، و»ساكن في حي السيدة» (1989) و»بَيّاع الهوى» (1995)، وقد نالت بها جائزة أفضل ممثلة في أيام قرطاج المسرحية خلال سنوات 1987 و1989 و1995.
لم يكن لرجاء بن عمّار شغف كبير بالسينما، فهي تؤمن بأن مكانها الحقيقي هو المسرح، ولذلك لم تشترك إلا في فيلم سينمائي واحد بعنوان «عصفور السطح» أخرجه فريد بوغدير عام 1990. ظلّت رجاء بن عمّار خلال فترة طويلة لا تجد مأوى لفرقتها المسرحية بسبب ضغوط مادية وثقافية وسياسية، وربّما انقطاعُها للمسرح وغيرتها عليه هما ما جعلاها، صحبة زوجها المنصف الصائم، تؤسّس مسرح «مدار» في ضاحية قرطاج سنة 1993، حيث أعطت الفرصة لجَمْع من المسرحيين الشباب ليكوّنوا ورشات مسرحية تقوم على التجريب والتجديد واستثمار الفنون الموسيقية والكوريغرافية وتكنولوجيات العصر لإنجاز أعمال مسرحية تتناسب وواقع المجتمع التونسي. ومن أشهر أعمال رجاء بن عمّار مسرحيات «الأمل» و«ساكن في حي السيدة» و«بياع الهوى» و«فاوست» و«وراء السكة» و«الباب إلى الجحيم» و«هوى وطني»، و«فيسبوك» و«نافذة على» (وهي آخر أعمالها).
عبدالدائم السلامي