رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد حسين: شاعر الذاكرة الحيفاوية

حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي» رشا حلوة: رحل فجر أمس الأربعاء، 23 آب/ أغسطس 2017، الشاعر والأديب الفلسطيني أحمد حسين عن عمر ناهز 78 عاما، في قرية مصمص في فلسطين، القرية التي تهجرت إليها عائلته من مدينة حيفا في نكبة عام 1948. وكان قد نعــــاه، ابن أخـــــيه، الكاتب الفلسطيني رأفت آمنة جمال عبر صفحته في موقع فيسبوك قائلا: «غيب الموت قبل قليل عمي، الأديب الفلسطيني أحمد حسين (1939 ـ 2017)، وُلـــد في حيفا وتهجر منها إلى قرية مصمص في المثلث الشمالي وقال: «ما زلتُ طفلا ذبيحا في التاسعةِ من عمره، يلهو في شوارع حيفا». وواصل ابن أخيه قائلا: «هو شقيق الشهيد راشد حسين، وأحد الأدباء الذين آثروا البقاء في الظل رغم غزارة إنتاجه الأدبي، صاحب المبدأ والموقف الوطني الثابت».
رغم إنتاجه الأدبي المهم، بقي الشاعر والأديب الفلسطيني أحمد حسين في الظل لسنوات طويلة، مواقفه الوطنية والإنسانية كانت عامودا أساسيا في إنتاجه الأدبي، الذي تميز أيضا بارتباطه القريب من الواقع السياسي وأحداثه المركزية من جهة واليومية من جهة أخرى. في رصيده العديد من الإصدارات الشعرية، الروائية والمسرحية، حيث لم يكن إنتاجه الأدبي سياسيا فقط، بل كتب أيضا الشعر العاطفي والغزلي.
في قصيدته «عزف منفرد على شرف مهجورة» من ديوانه «بالحزن أفرح من جديد»، يقول أحمد حسين: «لِمَنْ يا تُرَى يَرْفَعونَ نَشيدَ الصباحِ وَلَيْسَ لَهُمْ وَطَنٌ سابِقٌ غَيْرُ آبائِهِمْ/ بَعْدَ أَنْ وُلِدوا في قِطارِ الحِكايَةِ وَهُوَ يُؤَلفُ أُغْنِيَة لِلْبَعيدِ/ وَيَسْتَل مِنْ مُدُنِ الأَمْسِ أَشْباحَها كَيْ يُحِل السلامُ عَلى الأَرْضِ/ إنْ مَسهُمْ هاجِسٌ مِنْ أَقاصي الحِكايَةِ قالوا: لِكُل بِلادٍ غَريبٌ وَلَيْسَ لِكُل غَريبٍ بِلادٌ».
أنهى الشاعر دراسته الابتدائية في حيفا ومن ثم في أم الفحم، أما المرحلة الثانوية فأنهاها في الناصرة، وبعدها واصل دراسته الأكاديمية في مواضيع التربية وعلم النفس، وكان قد عمل مدرسا على مدار 30 عاما، منذ 1960 ولغاية 1960. وكان قد عمل أيضا محررا لمجلة «الفجر»، «المرصاد» و»المصور». بدأت علاقته مع الكتابة عندما كان في المرحلة الثانوية، وكان قد نشر بعضا من إنتاجاته عبر صفحات فلسطينية. من دواوينه الشعرية ديوان «زمن الخوف»، الذي صدر عام 1973، و»ترنيمة الرب المنتظر» عام 1978 و»الخروج من الزمن الهجري»، وهي رواية شعرية صدرت عام 1982، وكذلك مجموعة قصص قصيرة بعنوان «الوجه والعجيزة» صدرت عام 1979.
كان المكان/ فلسطين بسياقه السياسي منذ النكبة، كما جغرافيا المكان وطبيعته حاضرة بقصائد أحمد حسين وإنتاجاته الأدبية والمسرحية، سواء في النص السياسي أو الوجودي وحتى في القصيدة العاطفية، يقول سامي إدريس، في مقالٍ له بعنوان «أحمد حسين عاشق حيفا»: إنك لتحسب الشاعر يكتب شعرا غزليا حسيا صرفا وهو يخاطب الحبيبة على غرار ابن الفارض، الذي يكتب شعرا صوفيا وليس غزلا إنسانيا. أما شاعرنا أحمد حسين فهو في ندائه وخطابه يتوجه الى الذات الوطنية الكامنة فيه والمعذبة له، فيرسل أعذب الشعر موسيقى ومضمونا ولوعة، ويبلغ في ذلك قمم الإبداع ممزقا ذاته فينا، جالدا إياها بدون هوادة أو رحمة». ويقتبس إدريس مقطعا من قصيدة لأحمد حسين، يقول فيها: «أُعْطيكِ رُوحي لَوْ بَقِيتُ أَنا وَأَنْتِ لِوَحْدِنا/ أَسْقيكِ مِنْ شَفَتي شِعْرا خالِصا/ كَنَبيذِ كَرْمَتِنا وَلَونِ مَسائِنا/ لَوْ ذُقْتِ أَحْزاني فَهِمْتِ قَصيدَتي/ وَعَرَفْتِ شُغْلي عَنْ سَريركِ بالمُنى/ حَطتْ عَصافيرُ الحَنينِ عَلى مَدَى/ لا أَنْتِ فيهِ وَلا الجَليلُ وَلا أَنا/ وَالقَلْبُ خَلْفَ العَيْنِ إلا أَنهُ/ رُبانُ لَهْفَتِنا وَدَرْبُ وُلوعِنا/ أَلأَرْضُ أَوْطانٌ وَأَنْتِ سَفينَةٌ/ في بَحْرهِم، وَحَمامَةٌ في بَرنا/ تَدْنو وَتَبعُدُ لا تَرى غُصْنا سِوى/ أَحْزانِنا، فَتَحُط في أَحْزاننا».

شعر التجربة والمعرفة

من ضمن إصداراته الشعرية، كان أيضا ديوان «قراءات في ساحة الإعدام»، وكان قد كتب الأديب رشاد أبو شاور مقدمة الديوان، قال فيه عن الشاعر أحمد حسين: «شاعر تغتني شاعريته بموهبة أصيلة طالعة من تراثنا وألمنا، وثقافتنا وقهرنا، يعيد بسيرته الشعرية والفكرية والإنسانية كبرياء الشعراء العرب الفرسان، الذين قرنوا الكلمة بالفعل، واغتنت شاعريتهم بالتجربة والمعرفة.
أحمد حسين يشيد مداميك عالية للشعر الفلسطيني، بل العربي، لا بالغنائية المائعة، ولا بالتعمية المدعية العمق، ولكن بالشعر الذي يقدم «معرفة» مفعمة بالإنسانية و»الرؤية» والتشوف إلى الآتي، وهو حتما آت. هذا الشاعر يمتد صوته، قُل نشيده، في سماء وطننا فوق الجبال، السهول، البحر، مناديا إنساننا في الداخل والشتات، الذي ما أن يقرأه ويسمع صوته حتى يزداد يقينا وثقة وقوة».

حيفا التي في الذاكرة والقصيدة

لم تغب حيفا الذاكرة والمدينة عن قصيدة أحمد حسين، هو الذي هُجر مع عائلته منها عام 1948 عندما كان في التاسعة من عمره. حضرت في نصوص شعرية وأدبية عديدة له، سواء كانت عنها أو ذُكرت بقصيدة أو نص أدبي بشكلٍ ما، خاصة في حديثه عن طفولته التي عاشها فيها. هو الذي قال عنها في ديوانه «قراءات في ساحة الإعدام:»وَلَدَتْكَ أُمكَ حَيْثُ أَنْتَ، وَهذهِ حَيْفا تَنامُ عَلى وَسامَتِها كَلُؤلُؤَةٍ رَماها البَحْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ». ويواصل في حديثه عن شوارع حيفا، المدينة التي يخاطبها بالكرملية نسبة إلى جبل الكرمل التي تقع حيفا على سفحه مقابل البحر وخليجها على المتوسط: «سَبَقْتُ إلَيْكِ الحُزْنَ بِالحُزْنِ باكِيا/ وَكَذبْتُ أفْراحا وَصَدقْتُ ناعِيا: سَتَخْرُجُ مِنْ حَيْفا لِأنكَ عاشِقٌ/ وَتَمْشي عَلى عَصْرٍ مِنَ النارِ حافِيا/ تَزيدُكَ حُبا كُلما ازْدَدْتَ لَوْعَة/ وَتَذْكُرُها حَتى وَلَوْ كُنْتَ ناسِيا/ تُغادِرُ طِفْلا ساحَةَ الدارِ عارِيا/ وَتَرْكُضُ بَيْنَ البَحْرِ وَالبَحْرِ عارِيا».

الحياة في الظل

بعد الإعلان عن خبر رحيل الشاعر أحمد حسين صباح أمس، كان من الصعب إيجاد إنتاجاته الأدبية والشعرية أو مواد أدبية أو مقالات كُتبت عنه عبر الإنترنت. صعوبة ترتبط ربما بشكل الحياة في الظل التي اختارها أو اختارته أو شاءت الظروف أن يكون الحال هكذا. المرجع الوحيد الذي وجدته، وكان قد نشر بعضا من إصدارات أحمد حسين في الشعر والقصة القصيرة، كما بعض المقالات التي كُتبت عنه، هو الموقع الإلكتروني للشاعر الفلسطيني فوزي ياسين البكري، الذي وُلد في القدس عام 1946. وأعتقد أنه لولا هذا الموقع الإلكتروني، لكان من الصعب جدا الوصول إلى أي مادة رقمية تخص أحمد ياسين ورصيده الشعري والأدبي.
لربما، تكمن مسؤولية كبيرة الآن على كل من يهتم بالشعر الفلسطيني خاصة والعربي عامة، على نشر إرث أحمد حسين، على الأقل في فلسطين في المرحلة الأولى، من خلال طرق عديدة، سواء في مناهج التربية والتعليم، على الرغم من صعوبة ذلك نظرا لظروف عديدة، أو من خلال المشهد الثقافي والفني، من ندوات وأمسيات شعرية تعمل على نشر المعرفة بخصوص إنتاجه الأدبي، أو من خلال أعمال فنية فلسطينية. وهنا، أرغب بالإشارة إلى أحد أعمال المسرحية الفلسطينية، مسرحية «طه» للفنان الفلسطيني عامر حليحل، التي تحكي قصة الشاعر الفلسطيني طه محمد علي، وكان لها دور مهم منذ صعودها إلى خشبة المسرح ومن ثم جولاتها في العالم، إلى التعريف بطه محمد علي، قصته وقصائده، كما أنها أصبحت بمثابة شباك على فلسطين ونكبتها، من خلال قصة أحد شعرائها. على أمل أن يحظى أيضا الشاعر والأديب أحمد حسين، ابن حيفا، الذي رحل عنا فجر الأربعاء في قرية مصمص، بهذا النوع من الإبداع الفلسطيني في حفظ ونشر إرثه الأدبي.

رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد حسين: شاعر الذاكرة الحيفاوية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية