رحيل المخرج المصري محمد كامل القليوبي: السينما كأداة من أدوات الوعي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: لا أحد يستطيع أن ينكر قيمة ودور المخرج وأستاذ السيناريو في المعهد العالي للسينما محمد كامل القليوبي (8 مايو/أيار 1943 ــ 2 فبراير/شباط 2017) في الثقافة المصرية، الذي من خلال أفلامه وكتاباته في الصحف والدوريات المتخصصة يثير دوماً حالات من صدمة الوعي، والكشف عن الزائف في التاريخ والحياة المصرية. ربما تكون الكتابة عن أستاذنا الراحل وأستاذ أجيال من السينمائيين المصريين تعد أمراً في غاية الصعوبة، فقد تعلمنا على يديه، وتابعنا أعماله ومقالاته وموضوعاته التي كانت دوماً تعيد إعمال النظر والتفكير في ما يحدث حولنا، وتفسر الكثير من الإرباكات الواقعة اليوم.
فما الكتابة الآن إلا تحيّة عابرة لمُعلم كبير، سنعاود بالتأكيد رؤية أعماله الوثائقية على وجه الخصوص، وكتاباته النقدية الثاقــــبة، وهو من أهم مثقفي مصر، من دون صخب أو الادعاء المعهود لدى النخبة المدللة، أبواق السلطة في كل وقت. وسنحاول المرور سريعاً على أهم هذه الأعمال.

محمد بيومي الرائد الأول
للسينما المصرية

كانت عمليات البحث والتنقيب وإعادة تصحيح المفاهيم المغلوطة هي همّ أستاذنا الراحل، وكان فيلمه التوثيقي عن محمد بيومي بمثابة إعادة اكتشاف للرجل المنسي. فمن بين العديد من أشرطة الأفلام المُهملة في بناية قديمة في الإسكندرية، يجمع القليوبي مادته البحثية ويبدأ رحلته في اكتشاف مؤسس السينما المصرية، ومؤسس أول استوديو لصناعة السينما في مصر عام 1922، إضافة إلى تأسيسه استوديو آخر في حي شبرا عام 1924 باسم «شركة فيلم مصر»، التي ضمت مجموعة من النجوم أمثال حسن الهلباوي وحسن مراد والمخرج محمد كريم.
محمد بيومي المتخرج في المدرسة الحربية في فبراير عام 1910، الحامل لرتبة ملازم ثان، الذي تم ترحيله إلى السودان مع الكتيبة الرابعة من العام ذاته، أصدر جريدة «آمون السينمائية» التي خصص العدد الأول فيها للزعيم سعد زغلول، واهتم بشؤون الحرب العالمية الثانية، فأصدر جريدة بعنوان «جريدة الحرب الناطقة» التي قامت على مجهودات المراسلين الحربيين، قبل أن تتوقف بانتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وأخرج فيلمه «برسوم يبحث عن وظيفة» الذي عرض عام 1924. بيومي كان عاشقا لرصد حياة الفقراء والمهمشين في الشوارع المصرية، فكانت كوميديا بيومي أقرب إلى روح الكوميديا السوداء، وقد جمعت أفلامه حالة خاصة من التعبيرية الألمانية لكن بنكهةٍ مصرية، إضافة إلى التنوع الكوميدي الساخر الذي يتناول اليوميات المصرية. فكان أول مَن وضع حجر الأساس لصناعة السينما المصرية (من كتاب «محمد بيومى الرائد الاول للسينما المصرية» لمحمد كامل القليوبي).

إسمي مصطفى خميس

«إسمي مصطفى خميس» هو الفيلم الوثائقي الذي قام بإخراجه القليوبي، والفيلم إذ يستدعي واقعة تاريخية حدثت في خمسينيات القرن الماضي، إلا أن دلالتها الآن أكثر حدة، خاصة أن مصر تكاد تمر بالمرحلة نفسها لما بعد يوليو/تموز 1952،. فالفيلم يستعرض القمع العسكري الذي وصل مداه في القضية المشهورة بـ (إعدام خميس والبقري).

الواقعة

يتناول الفيلم تحقيقا سينمائيا حول الحادثة الشهيرة لإضراب عمال مصانع «شركة مصر للغزل والنسيج» في كفر الدوار في أعقاب قيام 23 يوليو في الثاني عشر من أغسطس/آب عام 1952. فعقب إضراب عمالي في مدينة كفر الدوار، في محافظة المحلة الواقعة بشمال مصر، وخروجهم للمطالبة بتحسين أوضاعهم وزيادة أجورهم وتطهير مصانعهم من أعوان الحكم الملكي آنذاك، تم القبض عليهم من قِبل السلطة الجديدة الحاكمة ــ حكومة محمد نجيب ــ فحُكِم على الكثيرين بالسجن، وتم إعدام كل من مصطفى خميس ومحمد حسن البقري، إثر محاكمة عسكرية سريعة، أقرّت الحكم بإعدامهما، وكانت هذه المرّة الأولى التي تتم محاكمة المدنيين عسكرياً، وأن يصل الأمر إلى الإعدام. كان ذلك في الثامن من سبتمبر/أيلول عام 1952.

المسكوت عنه

تعتبر هذه القضية ضمن أهم القضايا المسكوت عنها في التاريخ المصري الحديث، خاصة ما يخص يوليو 1952 والوجه الآخر لثوريتها المزعومة، غير الوجه الإعلامي، وما تم تدوينه في كتب التاريخ، التي يتدارسها تلاميذ المدارس. فالكشف عن ملابسات هذه القضية، والبحث في تاريخ وأفكار ضحايا على شاكلة هؤلاء، هو أمر أكثر من مجرد وثائقي، بل توثيق لهذه الحادثة، سواء بالصورة أو بالحوارات المطولة للشخصيات التي أراد لها الفيلم أن تتحدث عن هذه القضية. ويبدو أن اختيار عنوان الفيلم يوحي بشخصية تريد الحديث عن نفسها، شخصية ظلت صامتة طويلاً، وحانت فرصتها للحديث، وكأنها هي التي تسرد الحكاية بضمير المتكلم، لا ضمير الغائب. وهي حيلة بلاغية حتى يتماهى المشاهد أكثر مع ما سيراه من حكاية هذا الرجل، الذي اشتهرت قضيته هو ورفيقه، واختزلت في ذاكرة الجيل الجديد كمجرد حادثة تاريخية، كلما ذُكر تاريخ النضال العمالي في مصر.

توثيق الآراء

نظراً لقِلة الوثائق الرسمية، حلت الحوارات محلها، سواء حوارات الذاكرة، للشخصيات التي كان لها صِلة بالقضية، كشقيق مصطفى خميس أو الحوارات التحليلية للقضية لكل من المفكر والمؤرخ صلاح عيسى، أو رئيس حزب التجمع ــ لسان حال اليسار المصري ــ رفعت السعيد، خاصة أن الفيلم كشف انتماء مصطفى خميس السياسي، فقد كان عضواً في جماعة «النجم الأحمر»، وهي من الجماعات الشيوعية الكثيرة التي كانت منتشرة في تلك الفترة، والتي كانت بالطبع تناهض النظام الملكي، وتبحث عن العدالة الاجتماعية، وربما كان اتفاقها في الكثير من المبادئ التي نادت بها حركة يوليو، لكن على أرض الواقع دفع الرجل حياته ثمناً للخروج عن النظام الذي استنته الثورة.

اللحظة الراهنة

وكما جاء في أحد أحاديث المخرج الراحل بأنه فكّر في هذا العمل منذ عام 1979، لكن ندرة الوثائق والمعلومات عن هذه القضية أجّلت الموضوع طوال هذه السنوات، الذي استغرق إنجازه الفعلي ــ بعد التحضير ــ ما يُقارب العامين. ويروي مخرجنا عن الفيلم قائلاً: «إن هذا الملف شائك ويثير حساسيات كثيرة لدى أطراف عديدة، إذ بعد تولي السلطة بوقت قصير جداً، وتحديداً في الثالث عشر من أغسطس من عام 1952 أضرب عمال مصنع (الغزل والنسيج) الشهير آنذاك احتجاجا على أعوان الملك الذين لم يتم تطهير إدارة المصنع منهم، فقام الجيش بقمع الإضراب بعنف مفرط، ثم اعتقالهم آخذا معهم بالمصادفة شابين في عمر التاسعة عشرة، ثم حوكم الجميع خلال أسبوع وأعدم منهم عدد من العمال، وكان هذان الشابان من بينهم.
وكانت محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية تحدث لأول مرة في تاريخ مصر المعاصرة، ما أثار خيبة أمل لدى الذين ساندوا الثورة، كما أدى إلى صمت مخيف في الحركة العمالية جعلها تصمت حتى عام 1968 عندما عادت المظاهرات ثانية إلى الشارع المصري». ويضيف القليوبي «البحث في الوثائق وأقوال الشهود أوصلنا إلى أن الشابين كانا بريئين، واكتشفنا أن قانون الإصلاح الزراعي الشهير، صدر بعد الإعدام بيومين للتغطية على تلك الفضيحة، كما أن الذين كان لهم دور من المسؤولين العسكريين آنذاك قاموا بإبعادهم عن المشهد تماما، بل أخفوا أيضا».

السينما المستقلة ودورها

يقول القليوبي في أحد حواراته عن السينما المستقلة «أعتــــقد أن السينما المستقلة هي مستقبل الفن السابع في العالم، فالشـــباب يعملون في السينما من منطلق حبهم لهذا المجال، ومع تقدم التكنولوجيا والأجهزة المتاحـــة قدموا أعمــــالهم بأنفسهم دون انتظار موافقة منتج، أو غيرها من معوقات. إنهم فعلاً أمل السينما العربية عموماً، ولو كانت أتيحت لجيلي هــــذه الفرصة كان الوضع اختلف تماماً. اليوم حرية العمل السينمائي مكفولة للجميع.
من يريد أن ينتج فيلماً عليه إحضار كاميرا ديجيتال والاتفاق مع زملائه على السيناريو. واللافت في هذا المجال أن الشــــباب موهــــوبون في التمثــــيل والإخــــراج والسيناريو، لذلك أتفاءل بهم.
هكذا كانت رؤيــــة الرجل ومحاولاته الكشف والتصحيح لوقائع وأزمات المجتمع المصري، وحالة التردي التي وصل إليها. رحم الله أستاذنا ويكفيه ما قدمه للفن السينمائي والثقافة المصرية كأحد أهم رموزها وأكثرهم وعياً.

ببليوغرافيا

محمد كامل القليوبي، من مواليد 8 مايو 1943، تخرج في كلية الهندسة، وعمل لفترة في هذا المجال، ثم تركه وتوجه إلى دراسة السينما، حتى حصل على درجة الدكتوراه في علوم السينما. تنوعت أعماله ما بين الأفلام الروائية والوثائقية، منها.. «البحر بيضحك ليه، خريف آدم، أحلام مسروقة، اتفرج يا سلام. ومحمد بيومي، أسطورة روز اليوسف، نجيب الريحاني في ستين ألف سلامة، إسمي مصطفى خميس».
كما شغل منصب أستاذ قسم السيناريو في المعهد العالي للسينما، في أكاديمية الفنون، ثم أستاذاً متفرغاً لمادة السيناريو في المعهد. كما كان رئيساً لمؤسسة (نون) للثقافة والفنون، التي تنظم مهرجان شرم الشيخ السينمائي للسينما المصرية والأوروبية. حصلت أعماله على العديد من الجوائز المصرية والدولية، وحصل أخيراً على جائزة الدولة التقديرية.

رحيل المخرج المصري محمد كامل القليوبي: السينما كأداة من أدوات الوعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية