لعل في ردة فعل الرئيس الإيراني الذي يوصف بالمعتدل حسن روحاني، حين سمع نبأ تعرض رئيس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، إلى أزمة قلبية ودخوله مستشفى «شهداء تجريش» الحكومية، ما يرسم ملامح المرحلة المقبلة التي يمكن أن يكون عليها نظام الجمهورية الإسلامية مائلاً إلى التشدد خصوصاً وهو يستقبل عهد الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب.
فقد سارع روحاني كغيره من المقربين إلى رفسنجاني، الوصول إلى المستشفى الواقع شمال طهران بالقرب من منزل الفقيد، لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، في مشهد يختصر كثيراً الهوية المقبلة للجمهورية الإسلامية من دون رفسنجاني الذي يوصف بأنه «الأب الروحي» ليس فقط للرئيس حسن روحاني، بل وحتى للإصلاحيين الذين وقفوا خلفه -بدعم من رفسنجاني-في الانتخابات الرئاسية لعام 2103.
وكتب روحاني في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» بيان تعزية لرحيل رفسنجاني قائلاً «رجعت إلى السماء روح رجل الثورة والسياسة الكبير ومظهر الصبر والاستقامة».
وفِي أول جمعة بعد دفنه إلى جوار ضريح أستاذه الإمام الخميني في مقبرة «جنة الزهراء» زار الرئيس روحاني، رفسنجاني ووصفه بالحصن الذي كان الناس يلجأون له في المهمات، وقال «إن رحيل رفسنجاني مصيبة عظمى بالنسبة لإيران». معتبراً أن «الحضور الجماهيري (نحو 4 ملايين) في تشييعه كشف حجم الظلم الذي تعرض له قبل وفاته وأنه مثل الشهيد بهشي (رئيس القضاء الذي اغتيل عام 1981) كان مظلوماً». وأوضح «أن المشاركة الواسعة في مراسم تشييع هذا الرجل العظيم أظهرت حجم الظلم الذي تعرّض له قبل وفاته من قبل البعض».
في إشارة إلى الاتهامات التي تعرض لها في حياته، وكانت من المتدثرين بعباءة الاصلاح (أكبر كنجي وأمثاله) وغلاة المحافظين (الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد وداعميه).
وقال روحاني الجمعة، إن رفسنجاني واجه تلك الضغوط والاتهامات بالعقلانية والاعتدال والوسطية، وأن وفاته ستدفع جميع الشرائح والجماعات نحو الوحدة.
وأشار رفسنجاني نفسه إلى مظلوميته في فيلم عن حملته الانتخابية لعام 2005 بقوله: «عندما سألت الدكتور بهشتي ألا تضايقك تلك الاتهامات المريرة؟ نظر إلي وقال: هذه رحى تطحن الناس حسب الدور، وأنت سيحين دورك يوماً ما. كم هذه الأيام تمر علينا بمرارة. يا صديقي أن وصلت لمنتصف الطريق، كانت مشيئة الله أن أبقى مستمرا في هذه الطريق حتى يحين دوري وأن أطحن بين حجري الرحى».
دعم الاعتدال
كان رفسنجاني خطط بذكائه المعهود لكي يصل روحاني إلى الرئاسة مضحياً بسمعته بعد أن رشح هو نفسه في الساعات الأخيرة من انتهاء مهلة الترشيح، فقد صوت أكثر من ثمانية عشر مليون إيراني لصالح روحاني وحملوا معه «المفتاح الثقيل» ليفتح به أولا القصر الرئاسي في شارع باستور على مقربة عدة أمتار من مقر المرشد سيد علي خامنئي، وليحقق لرفسنجاني تفاؤله بقدوم دولة الاعتدال والنصر.
ويمثل انتصار روحاني نجاحاً لخطة بديلة لجأ إليها رفسنجاني للتعويض عن فشله الشخصي في الترشح للانتخابات الرئاسية.
فمع اقتراب موعد التقدم بطلبات الترشيح للانتخابات، أبقى رفسنجاني على موقفه في المنطقة الرمادية وسط تكهنات متباينة بأنه لن يرشح نفسه، ولكنه بدا وكأنه أكل «الطُعم» بعد أن رفض البرلمان توصية شرط السن من حكومة الرئيس (آنذاك) أحمدي نجاد التي كان يراد بها منعه من الترشيح، فاعتبر أن الطريق صار سالكاً أمامه ليرشح نفسه للانتخابات. وسبقت خطوة رفسنجاني، قيامه باستدعاء نجله مهدي من لندن التي كان يقيم فيها، ليمثل أمام القضاء بتهم خطيرة منها الفساد ودعم الاضطرابات والاحتجاجات وتلويح الادعاء العام بعقوبة قاسية تصل للإعدام. فقد كان على رفسنجاني أن يتخلص من عبء محاكمة نجله مهدي وبنته فائزة لدورها في تلك الاحتجاجات، ليخوض الانتخابات بملف نظيف.
حسابات الحقل وحصاد البيدر
لكن حسابات الحقل وحصاد البيدر لم يأتيا متطابقين لما كان يتوقعه «الشيخ الرئيس» فهو نسي أن إقصاءه من إمامة صلاة الجمعة المنبر الاعلامي الهام، ومن رئاسة مجلس الخبراء، مخطط يعمل عليه غلاة المتشددين لإنهاء حياته السياسية.
لقد تقدم رفسنجاني بطلب الترشيح لتلك الانتخابات في اللحظات الأخيرة من الوقت المحدد، وتم إقصاؤه بخطة «ذكية» من السباق مع نسيب أحمدي نجاد، رحيم مشائي، وكانت بحق ضربة معلم من قبل مجلس الصيانة، رغم أن رفسنجاني كان الإمام الخميني الراحل وصفه بعد نجاته من محاولة اغتيال العام 1980 قائلاً: «الثورة حية ما كان رفسنجاني حيا».
وبما أن الحال يغني عن الاستصحاب، كما عبر المتشددون في مجلس صيانة الدستور مبررين إقصاء رفسنجاني بكبر سنه ودوره في «الفتنة» أي احتجاجات ما بعد انتخابات 2009 وكلاهما عذر أقبح من فعل، لأن شرط السن غير موجود في قانون الانتخابات، والقضاء لم يتحرك ضد رفسنجاني في أي قضية خصوصا الاحتجاجات «الفتنة» التي أعقبت الإعلان عن نتائج تلك الانتخابات. فهل يسكت «أمير كبير» وهو اللقب الذي أطلقه على رفسنجاني مساعده السابق عطاء الله مهاجراني؟
الخطة باء
إثر ذلك، لجأ رفسنجاني المعروف بأنه رائد البراغماتية الحديثة في إيران للخطة «باء» وهي التحول إلى مرشح بديل لا يستطيع مجلس صيانة الدستور الذي وافق عليه، وكان أعده لليوم الأسود، وهو حجة الإسلام حسن روحاني العضو شبه المجمد في جماعة علماء الدين المجاهدين (روحانيت مبارز) اليمينية المتطرفة، والعضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام برئاسة رفسنجاني، والذي يحمل من اعتدال الرئيس الاصلاحي الأسبق محمد خاتمي ما يجعله مرشح الأغلبية الصامتة: الاصلاحيون، وأصوليون محافظون نهجوا خط الاعتدال.
وبعد فوز روحاني قال رفسنجاني وكأنه ينعى نفسه:» الآن وبعد أن وصلت البلاد لما وصلت إليه، ووصل الشعب إلى هذا الوعي، أستطيع أن أضع رأسي على وسادة الموت وأنا مرتاح».
في آخر حوار صحافي أجري معه في الأسابيع الأخيرة تحدث رفسنجاني مرة أخرى عن روحاني وقال: «روحاني بات يتمتع بإصرار أكبر من ذي قبل للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تحدثت إليه مؤخراً، هو يعتقد بأنه يقوم بواجبه في الفترة الأولى من رئاسته» وأضاف «عندما شارك روحاني في انتخابات 2013 لم تكن الأوضاع تشجع على المشاركة، نحن جميعا طلبنا منه المشاركة، ثم وافق وشارك». ومن هنا يمكن للإيرانيين أن يعتبروا توصية رفسنجاني لروحاني بالمشاركة في الانتخابات المقبلة، آخر وصية سياسية يوصي بها الإيرانيين قبل رحيله، وهي ربما تعوض عن حجم الفراغ الذي خلفه رحيله خصوصاً لدعم الاعتدال في إيران.
خلفاء الاعتدال
رحيل رفسنجاني سيجعل ظهر الاعتدال «رخواً» في إيران وأيضاً في المنطقة وحتى في علاقات إيران الدولية، لكن الأمر برمته يعتمد على من سيخلف «الشيخ الرئيس» في منصبه.
صحيح أن مجمع تشخيص مصلحة النظام ليس إلا مؤسسة استشارية تابعة للولي الفقيه القائد، لكنها أيضاً تفصل في المنازعات القانونية بين مجلس الشورى (البرلمان) ومجلس صيانة الدستور لتمرير القوانين واللوائح.
وترددت عدة أسماء لشغل هذا المنصب منها الرئيس روحاني نفسه، ورئيس القضاء السابق آية الله محمود شاهرودي، ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في المجمع مستشار خامئني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، ورئيس البرلمان الأسبق علي أكبر ناطق نوري، وسادن الروضة الرضوية في مشهد إبراهيم رئيسي الذي هو مرشح أيضاً لخلافة آية الله علي خامنئي.
لكن المقربين من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، روجوا أن خامنئي، يعتزم تعيين أحمدي نجاد رئيسًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام، خلفًا للراحل رفسنجاني.
وأحمدي نجاد الذي رفض خامنئي مشاركته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، عيّنه في آب/أغسطس 2013 بعد ولايته الرئاسية الثانية، عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام.
ويتكون مجمع تشخيص مصلحة النظام من 44 عضوًا من الخبراء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومهمته حلُّ الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور في حال نشوب أزمة بينهما، وتصبح قراراته بشأن خصومة الهيئتين نافذة بعد مصادقة الولي الفقيه عليها.
كما يتولَّى تقديم المشورة للوليّ الفقيه عندما تستعصي على الحل مشكلة ما تتعلق بسياسات الدولة العامة، وكذلك من وظائفه اختيار قائد أعلى للبلاد (مجلس قيادي ثلاثي) بشكل مؤقت في حال موته أو عجزه عن القيام بمهامه بقرار من مجلس الخبراء، حتى انتخاب قائد جديد.
ومنذ 18 آذار/مارس1997 ترأس المجمع الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، حتى وفاته يوم الأحد الماضي إثر نوبة قلبية مفاجئة.
فهل رحل بوفاة رفسنجاني عهد الاعتدال في إيران؟
نجاح محمد علي