رحيل مكاوي سعيد : صوت عالم المدينة السرّي وثوراتها

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «لم أعد أجرؤ أن أجالس المسيّسين حتى على المقاهى هربت إلى الخارج، وعندما عدت اختفيت خلف كاميرا تمتلكها أمريكية، ما الفرق بيني وبين من يملكون دكاكين حقوق الإنسان، ومنع التمييز، وحقوق المرأة؟ زملاؤنا القدامى جاهروا بالسرية وتاجروا بأسابيع اعتقالهم، وملأوا الفضائيات فخراً بنضالهم. هم باعوا وقبضوا الثمن، ونحن وصِمنا بالجبن والتنازل» (تغريدة البجعة). هكذا يتحدث بطل مكاوي سعيد (6 يوليو/تموز 1956 ــ 2 ديسمبر/كانون الأول 2017) في عمله الأشهر «تغريدة البجعة»، حديثه هذا لم يتأت سوى من سمة الاستهانة بكل شيء، وكأنها مصير حتمي لما يحدث، وإن كانت هذه السمة تبدو على الشخصيات، إلا أنها في الحقيقة تتشكل عبر العديد من المواقف المأساوية، والكفر بكل شيء في عالم تسويق المعاناة، والتباهي والكسب من خلاله، أو الضياع في عالم بلا يقين، خاصة عالم تلك الفئة، الفئة المتوسطة التي لا تعرف ماذا تفعل وهي ترى انهيارها وتتلمسه، لكن سعيد يختلق حالة من الأمل، أو تحقيق الوجود، حتى إن استدعى الأمر الموت في النهاية، ذلك كما في روايته الأخيرة «أن تحبك جيهان».

القاهرة ووجهها الآخر

تتعرض أغلب أعمال مكاوي سعيد ــ على قِلتها ــ إلى عالم القاهرة الخفي، هذا المستور الذي يستحق النبش وإعادة التأريخ، ربما لكتابة تاريخ أكثر صدقاً من المرويات المَرضي عنها من السلطة. وبذلك تصبح هذه الكتابات بشكل أو بآخر ضد السلطة، ولو بصوت واهن، لكنه الأعمق والأبقى أثراً في أي حال. كان الرجل دوماً يبحث عن المنسيين، والضائعين في عالم المدينة التي لا ترحم أحداً، حتى نفسها، مدينة أصبحت ضالة، فكان على ساكنيها أن يخلقوا ضالتهم. ما بين أولاد الشوارع، والمتعلقين بأهداب الطبقة المتوسطة، وفئة تبدو من بعيد أنها تعرف وتفلسف كل شيء، إلا أن حقيقتها تتجلى في ضياعها الأكبر والأكيد. ورغم كل هذا، وبدون بطولة وتصدّر المشهد، تجد الشخصيات نفسها في مواقف تجبرها على عقد لحظة من التصالح، حتى لو بالموت في ميدان التحرير. هذه الشخوص الحيّة، نفسياً وتجربة، لم تأت من قراءات وتحليلات، بل من خلال معايشة نماذج بشرية متباينة، عرفها الرجل جيداً، يقول سعيد .. «مقاهي وسط البلد ترسم خريطة حياتي، وعلى كراسيها تلك الشخصيات، التي ألهمتني ما أكتب، وبين مبانيها وفي شوارعها تحركت أفكاري وأحلامي ومارست نزقي وشرودي الصغير».

حكايات الثورة المُنتَظَرة

بخلاف حكايات المنسيين، وهم أشخاص حقيقيون وثّق الرجل لحيواتهم ومواقفهم في عدة أعمال أشبه بالكتابات التوثيقية ــ بخلاف حكايات الأماكن وأسرارها ــ كما في كراسات التحرير وأحوال العباد ومقتنيات وسط البلد. تبدو مصائر الشخصيات مهما تبدت سلوكاتهم ومواقفهم متعلقة بلحظة حاسمة، تتمثل في المواجهة مع السلطة، سواء في وقفة احتجاجية أو التحضير للقيام بمظاهرة، أو التواجد في ميدان التحرير وقت الثورة المصرية في يناير/كانون الأول 2011. الاستهانة والخذلان هنا يصبحان كما البيات الشتوي، واللحظة الفارقة فقط هي التي تكشف عن قوة هذه الشخصيات، رغم تباينها من حيث الانتماء الفكري والاجتماعي.

«تغريدة البجعة»

عن طريق صديقة أمريكية تريد تصوير فيلم وثائقي يتورط بطل «تغريدة البجعة» في الدخول إلى عالم أولاد الشوارع، وجه المدينة المظلم، فيحصل منها على كاميرا حديثة وبعض الأموال، وبذلك يصبح أحد أفراد هذا العالم، الذي رغم عدم ثقة هؤلاء بالغرباء، إلا أن كبيرهم يثق فيه، ويحذره بعدم الذهاب إلى نقابة المحامين للخروج في المظاهرة لأن الشرطة جمعـت أولاد الـشوارع والبلطجية، حتى يندسوا وسط المتـظاهرين، لضربهم وقتلهم إن استدعى الأمر ــ الرواية كُتبت عام 2007، وهو ما حدث وقت يناير/كانون الثاني 2011، وحتى وقت انقلاب 30 يونيو/حزيران ــ ونظير هذه الثقة بين عالمين التقيا مصادفة، يقرر البطل عدم إعطاء ما قام بتصويره إلى الصديقة الأمريكية، التي لا يثق بها هي والجهة التي تمولها، ويفضل صديقه المخرج، الذي لن يتاجر بعاهات وطنه. تتواصل الرواية كذلك بالكشف عن مكامن الخلل التي أصاب المجتمع المصري منذ السبعينيات، هذا التحول في الرؤى الذي لم تسلم منه مصر حتى الآن، فالتشوه ضرب كل شيء، من فتاة ليل ترتدي النقاب، أو رجل تقدمي أصبح يبيع البخور والمسابح وشرائط الكاسيت حاملة أفكار الصحراء.

«أن تحبك جيهان»

وفي تنويعة أخرى لبعض الشخصيات تأتي رواية مكاوي سعيد الأخيرة «أن تحبك جيهان» لترصد فترة زمنية تتمثل في ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بقليل، وكيف دارت هذه الشخصيات في فلك هذا الحدث وإرهاصاته، رغم التخبط وعدم اليقين، والتفاوت الصارخ في الاعتقاد الفكري ووجهة النظر إلى الحياة، ورغم ذلك يعود الكاتب إلى الزمن الماضي أكثر، عبر استحضار عدة شخصيات تمثله، بحثاً عن سبب كل ما حدث وما سيحدث ــ السبعينيات ــ كجار البطل، الذي اعتقل أيام السادات، وخرج ليجد كل شيء قد تغير، فعاش عزلته ولا يملك إلا الشك في كل مَن حوله.
تبدأ الرواية بـ (أحمد الضوي) وتنتهي به، بدون أن يمتلك يقين السرد، حيث تتوزع الفصول بينه وبين (جيهان)، وثالثتهم (ريم)، وما بين جيهان وريم وعالمهما تتسع الحكاية لتشمل العديد من الشخصيات المختلفة والأزمنة والأماكن المتباينة أيضاَ، كخريطة اجتماعية ونفسية كبيرة لعقود شوّهت الحياة المصرية. فالجميع لديه تاريخ ثقيل يحمله، ويعاني هزائم ويعيش مأزقا لا يعرف الفكاك منه، ريم الأرستقراطية المتحررة، الممثلة الفاشلة والمطلقة، وجيهان الأرملة والمحافظة إلى حدٍ كبير، التي لا تستسلم للإغواء الذي يحيطها من كل جانب، وبينهما أحمد، الباحث عن حب جيهان، والذي لا يستطيع نسيان تفاصيل جسد ريم. يحاول سعيد أن يعطي الإيهام بمصداقية الأحداث، طالما أنه يتناول حدثاً حقيقياً ــ الثورة وإرهاصاتها ــ فيوثق لذلك عبر شخوص الرواية .. «كنت أنا وجيهان ضمن المجموعة الواقفة أمام جروبي في مواجهة مجموعة مكتبة مدبولي، وكان جنود الأمن المركزي يتشكلون بهيئة نصف قوس أمام كل مجموعة. وكانوا أقرب إلى مجموعتنا التي تقف حرة بدون متاريس، بينما المجموعة المقابلة كانت ترتكز على المتاريس الحديدية. وكان منظر الجنود مرعباً بتجهمهم وبنظراتهم المندهشة والكارهة لنا، وبخوذهم وبنادقهم وهراواتهم وعصيهم الكهربية. ورأيت على الجانب الآخر الأديب بهاء طاهر والشاعر أحمد فؤاد نجم وكنت أعرفهما من وسائل الإعلام».

أن تكون كاتباً كبيراً

وفي الأخير نستشهد بعبارات لمكاوي سعيد وردت في أحد حوارته الصحافية، فيقول .. «الشهرة سمحت لي بفرض الشروط وهي فرصة لن أتركها، فاليوم صار لقب (الكبير) يتبع اسمي، بينما كنت قبل شهور (الكاتب المجهول)، لكنّ اللقب الجديد لا يعكّر مزاجي، ولا مزاج أصدقائي، فما زلت الشخص نفسه، متمسّكاً بطقوسي كلّها، ما تغيّر فقط أنّني أستخدم التاكسي بدلاً من الباص، والكتّان بدلاً من الجينز. أما لقبي الجديد فأستخدمه فقط في مواجهة كل من أتعب قلبي زمان».

بيبلوغرافيا

مكاوى سعيد من مواليد القاهرة في 6 يوليو/تموز 1956، روائي وكاتب مقال وسيناريو. اهتم في أعماله بعالم القاهرة الخفي، خاصة الشخصيات الهامشية، التي تمثل الوجه الحقيقي للمدينة، أو الأخرى النخبوية المنعزلة عن الحياة، التي تجسد الطبقة الوسطى بكل تناقضاتها. وتراوحت هذه الأعمال ما بين المجموعات القصصية، والروائية وسيناريوهات الأفلام الوثائقية.

الأعمال:

تمثلت مجموعاته القصصية في كل من .. «الركض وراء الضوء 1981، حالة رومانسية 1993، راكبة المقعد الخلفي 2001، ليكن في علم الجميع سأظل هكذا 2009، البهجة تحزم حقائبها 2015». كما كتب سعيد ثلاثة روايات هم .. «فئران السفينة 1985، تغريدة البجعة 2008، وأن تحبك جيهان 2015». إضافة إلى نصوص شبه توثيقية لبعض الشخصيات والأماكن والأحداث، هي .. «مقتنيات وسط البلد، كراسة التحرير، أحوال العباد، وبياعين الفرح». ومن السيناريوهات الوثائقية .. «صياد اليمام: إبراهيم عبد المجيد» 2003، «النسر الشهيد: عبد المنعم رياض» 2003، «الجورنالجي» عن حياة محمد حسنين هيكل، «الفارس النبيل» عن حياة ثروت عكاشة 2005، «البحر ليس بملآن» عن الكاتب جميل عطية إبراهيم 2005، كذلك كتب سيناريو الفيلم الروائي القصير، كما في أعمال .. «عصفور» 2004، «الغرفة رقم 12» 2005، و«الزيارة» 2006.

الجوائز:

حصلت روايته الأولى «فئران السفينة» على الجائزة الأولى للرواية في مسابقة سعاد الصــــــباح للإبداع العربي عام 1991، ووصلت روايته «تغريدة البجعة» إلى القائمة القصــيرة لجائزة البوكر العربية عام 2007، وعن الرواية نفسها حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2008. وأخيراً جائزة ساويرس عن مجموعته القصصية «البهجة تحزم حقائبها» عام 2015. ويُذكر ترجمة العديد من أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية.

رحيل مكاوي سعيد : صوت عالم المدينة السرّي وثوراتها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية