رحيل يوسف العاني… رائد المسرح العراقي

حجم الخط
4

بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء دياب: أكثر من 72 عاماً قضاها الفنان العراقي يوسف العاني بين خشبة المسرح والسينما والتلفزيون، فلم يتوقف يوماً منذ أول عمل قدمه للمسرح في العام 1944 حين كان طالباً في كلية القانون مع مجموعة من زملائه. فالعاني المولود في مدينة الفلوجة العام 1927 بدء مدرساً معيداً في كلية التجارة والاقتصاد بعد تخرجه في جامعة بغداد بين عامي 1950-1951 للإشراف على النشاط الفني في الكلية. ولم يلبث أن أسس فرقة الفن الحديث مع الفنان الراحل إبراهيم جلال وعدد من الفنانين الشباب في العام 1952، ليبدأ بعدها نشاطه الفني المحترف..
72 عاماً ركنها العاني بعد معاناة طويلة مع المرض، ليرحل يوم أمس في العاصمة الأردني عمَّان، بعد أن خلّف وراءه مئات الأعمال المسرحية والدرامية، من أبرزها، مسرحياته: النخلة والجيران، الخرابة، أضواء على حياة يومية، المفتاح، بغداد الأزل بين الجد والهزل، آني امك يا شاكر، الملا عبود الكرخي، نفوس، الإنسان الطيب، الخان، ست دراهم والشريعة، وغيرها الكثير من المسرحيات التي صعب تعدادها.. كما أنه مثّل عدداً من الأفلام السينمائية العراقية والعربية، منها: سعيد أفندي، أبو هيلة، وداعاً يا لبنان، المنعطف، المسألة الكبرى، الفارس والجبل، الملك غازي، اليوم السادس وغيرها، وقد كان آخرها فيلم (غير صالح) الذي كان من إخراج الفنان الشاب عدي رشيد.
وبعيداً عن التمثيل، فقد مارس العاني كتابة النقد الفني في عدة صحف منها الأهالي والشعب والأخبار، فضلاً عن كتابته لأكثر من خمسين مسرحية طويلة أو من فصل واحد من أبرزها: القمرجية، مع الحشاشة، طبيب يداوي الناس، في مكتب محامي، محامي نايلون، محامي زهكان، راس الشليلة.
أسس العاني مع زملائه، في أثناء دراسته، فرقة مسرحية أطلق عليها اسم «مجموعة جبر الخواطر». وبعد تخرجه، لم يطق أن يترك الفن الذي بدأت علاقته به أيام الدراسة، فعاد متفرغاً إلى عشقه الأول، المسرح، ممثلاً ومؤلفاً، فكتب بواكير أعماله في الأربعينيات، من أهمها «القمرجية»، و»مع الحشاشة» و»طبيب يداوي الناس» و»محامي زهكان»، وأعمال أخرى. وبعد أن كانت مسرحياته ذات مواضيع اجتماعية، اقترب العاني من السياسة في أعمال مسرحية جديدة، من ضمنها «آني أمك يا شاكر»، و»راس الشليلة»، و»عمر جديد»، و»ستة دراهم» وسواها، حسب ما يذكر الكاتب مروان الجبوري، الذي يضيف أن لعل أبرز ما ميّز يوسف العاني في تاريخ الحركة المسرحية العراقية هي البساطة والتماهي في الشخصيات التي يؤديها، وانفتاحه على فئات المجتمع المختلفة. كما يحسب له أنه استطاع جذب العامّة إلى مسرح النخبة عبر أعماله التي تناولت قضاياهم ومسّت صميم معاناتهم.
كانت مكونات الشخصية البغدادية بكل أبعادها الاجتماعية والثقافية تتمثل في العاني، فحرص على أن يقدّمها مسرحياً عبر أعمال عدة، من بينها «دعبول البلام». كما أنه سعى إلى استلهام الأساطير القديمة والفولكلور الشعبي للمحلّة (الحارة البغدادية) وإعادة تقديمها كأعمال فنية، منها «بغداد الأزل بين الجد والهزل» و»الليلة البغدادية مع المُلّا عبود الكرخي».
يقول العاني أن أول ظهور له في السينما كان في فيلم «سعيد أفندي» (1958) المقتبس عن قصّة «شجار» للأديب العراقي إدمون صبري، بعد أن لفتت نظر المخرج كامران حسني فعرضها على العاني الذي أعجب ببطل القصة وأدّى دوره على الشاشة الكبيرة لأول مرة. ويعتبر الفيلم من بواكير الأفلام العربية التي تأثرت في أجوائها بالسينما الإيطالية. ومرت سنوات طويلة قبل أن يقدم العاني دوراً سينمائياً آخر، فظهر للمرة الثانية في فيلم «المسألة الكبرى» عام 1983. كما كانت له مشاركة في فيلم «اليوم السادس» ليوسف شاهين، وأفلام أخرى. وإلى جانب تأليف النصوص المسرحية والدرامية، وضع العاني عدداً من الكتب الأكاديمية في مجال المسرح والفن بشكل عام.
وعلى الرغم من ريادة العاني، غير أنه كان ميالاً لإعطاء أدوار مهمة للشباب، وهو فرح بكونه متهماً بميله للشباب «لأنني أجد نفسي فيهم حين كنت شاباً، ثم ان لا قيمة لرسالة لا يظهر جيل يتلقاها بشكل جيد وينقلها بموضوعية وإبداع إلى الجيل الذي يليه إن كانت رسالة حقيقية وصادقة. لهذا السبب أنا أجد نفسي قريباً الى معترك ايصال تاريخ المسرح العراقي الى الجيل الجديد، فهم يستغربون أحياناً اننا قدمنا منذ اكثر من ربع قرن مسرحية «بيت بيرناردا ألبا» بصيغة متقدمة، لم أجد شبيهة لها. خذ مثلاَ «ستوديو الممثل» فنحن بدأناه منذ السبعينات، بينما اعتبره المسرحيون الشبان فتحاً جديداً في وسائل إعداد الممثل، كذلك عملنا على مسارح بعيدة عن الوطن العربي، كما في «مسرح اوزفالدو دراكون» من اميركا اللاتينية، حيث كان لفرقتنا قصب السبق في تقديمه، واستطعنا ان ننبت ذوقاَ فنياَ حقيقياَ للمسرح، لكنه اوشك على ان يذوب مع العروض السطحية السائدة اليوم عراقياَ وعربياَ وعبر شاشات التلفزيون التي تعرض المسرحيات المصرية المنحدرة دون الانتباه للاثر الذي تحدثه مثل هذه العروض. وهكذا يبدو ان الرسالة مطروحة الان، قلة هم من أخذوا منها ما يشعل الجذوة عندهم لمواصلة الرحلة الشيقة والشائكة في آن».
ويضيف العاني في حوار أجراه معه الكاتب علي عبد الأمير، متحدثاً عن المسرح الجاد والهزلي، أن يافطات المسرحية الجادة ليست مبرراً لكل هذه العوالم المغلقة على ذاتها، ولكل هذه الاشارات التي تبدو غير مفهومة، وإن تعكزت على نصوص عالمية وعربية ومحلية، والمسرح الجاد ليس نقيضاً للضحك، بل إنني ارى فن «الضحك الحلال» كما أسميه، فناً صعباً، وانتزاع ضحكة من انسان متعب ومكبل بقضايا حياتية توجع انسانيته وتثقلها بالحزن، هو أصعب بكثير من تقديم فن مسرحي مغلق على ذاته على اعتبار انه المسرح الجاد. للاسف ساهمت تجارب كهذه في ابعاد الجمهور عن المسرح لينصب في الاتجاه الآخر: المسرح الهابط، فخاً للهارب من طلاسم مسرح يمعن في غموضه!
من جهة أخرى، يتحدث الكاتب لطيف حسن عن شخصية العاني، مشيراً إلى جانبها الشعبي الجذاب، وثقافته العالية والمتنوعة التي اكتسبها من الحياة بالتجربة الطويلة غير المنقطعة (في الصحافة والنقد الفني والتأليف والاذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح)، والقراءه المتواصلة لكل جديد، والاطلاع الواسع والمتنوع، فهو متابع ومتفرج جيد للمسرح عربياً وعالمياً قل نظيره في العراق، وله علاقات واسعه بالمسرحيين والفنانين والمثقفين الكبار من كافة الاقطار العربية، ويتمتع بذهنية نقدية ذكية منفتحة ومتجددة، اعطتة كما يقولون ( كارزما ) قوية مؤثرة على من حوله.
أما عن ميوله السياسية، فقد تجاوب العاني منذ نعومة اظفاره سياسياً مع مطالب الحركة الوطنية ونضالها بهدف طرد الاستعمار والتخلص من قيوده واحلافه الذي كان يعتقد ان بقاء التخلف الاجتماعي واستمراره وتفشي الفساد هي نتاج سياسات الحكومات العميلة المتعاقبة، الموالية لامبراطورية التاج البريطاني والاجنبي (هذا واضح في مسرحياته الاولى ذات الفصل الواحد). كما أنه انحاز بقوة الى اليسار منذ ان كان طالباً في كلية الحقوق، وانتمى الى الحزب الشيوعي العراقي منذ الخمسينيات حتى العام 1963، خلالها تعرض للمطاردة بسبب نشاطه الفني المسيس منذ ان كان طالباً وبعد التخرج تعرض للحجز مع كوكبة من المثقفين اليساريين في معسكر السعدية العسكري السيئ الصيت، وعمل في المحاماة لفترة، قبل التشرد بعدها في اوروبا بعد انتاج فيلم (سعيد افندي) في الفتره الاخيرة من العهد الملكي، وعاد بعد ثورة 14 تموز مديراً عاما لمصلحة السينما والمسرح حتى تعرضه للاعتقال والطرد من الوظيفة بعد انقلاب شباط 1963، وسافر الى بيروت بعد الافراج عنه واقام فيها، حتى العام 1967.
وفي كتابه الذي أصدره عن العاني، يقول الدكتور عامر صباح المرزوق لا يمكن لأي باحث أن يكتب عن التطور الدرامي في المسرح العراقي دون أن يتوقف عند تجربة (العاني) ، وذلك لأنه مجدد فيها، مع تأمل ملامح هذه التجربة التي سار فيها بشكل علمي، بدأها بالواقعية الاشتراكية وفيها تأثر بالأدب الروسي كثيراً وفق متطلبات المرحلة التي كانت مليئة بالتناحرات السياسية التي ميزت تجاربه في عقد الخمسينيات من القرن الماضي وما بعدها، مضيفاً أن العاني اتجه إلى الفكر السياسي ووضعية الإنسان داخل مجتمع قائم على النفعية والاستغلال، فكانت مسرحياته مجابهة ثورية بين الإنسان العراقي والضغوط السياسية المتنوعة والموزعة بين الريف والمدينة.
وفي حديث عن مسرح العاني، يقول الكاتب والناقد المسرحي محمد الجزائري إن مسرح يوسف العاني، ولد في خضم ذلك الصخب الثوري وحركة التجديد والإستنارة والتحديث، بعد الحرب العالمية الثانية، أتحدث هنا عن التشميل، وعن فضاء «الذاتية الكلية» له مبدعا في حاضنة النص والتمثيل، العرض والكتابة، الاقتباس والتعريق، فقد تشبع كلية بالشعرية البصرية، حتى تلبسها سلوكا، فقد كان يبتدع شخصياته ويقتدها، أو يمثلها على الخشبة، منسجمة مع انعكاس مشاهداته الإجتماعية وإحساسه بحياة الناس، أو هو يلتقط مقارباتها وشبيهها في الأدب العالمي.
وفي أحلك الظروف وأعتاها لم يـكبــل تماما وإن لم ينطلق تماما، فحين كان «رئيس عرفاء» في دورة ضباط الإحتياط بمعسكر السعدية، قدم «ثورة بيدبا» تحت ذلك الظرف وبإمكانات متواضعة تقارب درجة الصفر في الإنتاج، ساعده الدكتور فايق السامرائي والشاعر مظفر النواب والمهندس صباح الدرة، ورفاقه في ذلك المعسكر الذي اقتيد إليه الخريجون وأساتذة الجامعات المفصولون من الخدمة، وجلهم من اليسار الديمقراطي، كالدكتور فيصل السامر والدكتور ابراهيم كبه والدكتور طلعت الشيباني، الذين استوزروا في حكومة عبد الكريم قاسم بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، كما تعين إثرها يوسف العاني أول مدير عام لمصلحة السينما والمسرح..
ولا غرابة فقد كان العاني مهووسا بالتمثيل، وخلق المناخ لنفسه مع رفقته، حتى داخل ذلك المعسكر الذي حد من حركتهم وأراد عزلهم عن أبناء شعبهم وحركتهم الوطنية، فلم يكتفوا بالمسرح بل أسسوا بنية ثقافية ساندة تتجلى بمكتبة عامرة بأفضل الكتب التقدمية «الممنوع تداولها».. وكذلك فعل حين قدم «مسمار جحا» و»ماكو شغل» في ممر قواويش معتفل أبي غريب.. ولذا مال في سنواته الأولى إلى الإكثار من كتابة تلك المسرحيات ذات الفصل الواحد، لأنها مواكبة للظروف وسهلة التحقق في أيما مسرح فقير.

رحيل يوسف العاني… رائد المسرح العراقي
أسس مجموعة «جبر الخواطر» وكتب النقد الفني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية