■ أسوأ تحريف للقضية الفلسطينية ارتكبه فلسطينيون، لا نقصد هنا الشعب الفلسطيني بجماهيره الواسعة، بل نقصد التنظيمات الأعلى صوتا، تلك التي تتصدر المشهد بالذات، وتقيم سلطات وتصالحات سرعان ما تدب فيها الخلافات.
التحريف المقصود ظاهر وفادح الأثر، وهو تحويل قضية الشعب الفلسطيني من معركة تحرير وطني، وقضية شعب يسعى لاسترداد أرضه المحتلة، وحرفها عن سبيلها إلى مسار جانبي، يخفت فيه صوت السياسة، ويعلو صوت الإغاثة، ولا تعود من صورة للشعب الفلسطيني غير اللقطة المزيفة، التي تحرف الكلم عن مواضعه، وتصور الفلسطينيين في الضفة والقدس كجماعة بشرية بائسة، تطلب غذاء ودواء وكساء ومعونات، بما يجعل كلمة المانحين هي الفيصل، وسواء كان هؤلاء من العرب أو من الأوروبيين أو من الأمريكيين، وعلى نحــــو ما جرى مؤخرا فـــي مؤتمر إعـــادة إعمــــار غزة، الذي قدمت فيه تعهـــدات بمنح تفوق الخمسة مليارات دولار، وهي كسابقاتها وعود تتبخر غالبا في الهواء، ولا يتبقى منها سوى التعمية على جوهر القضية الفلسطينية، وتحويل القصة كلها إلى نزاعات معابر، أو أولويات لوضع جنود عباس أو عساكر حماس، وبناء صيغ توافق هشة، سرعان ما تنكسر وتنكشف عند أول أزمة سلطة.
هذا الدوران في الحلقة المفرغة، عرفته قضية الشعب الفلسطيني في العشرين عاما الأخيرة بالذات، ومنذ عقد ما يسمى باتفاق أوسلو، الذي وضع العربة قبل الحصان، وافترض إمكانية إقامة سلطة قبل تحرير الأرض، والمحصلة كما تعرف، سلطة كقبضة هواء، لا يستطيع رئيسها التحرك بدون إذن مسبق من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي نعمت بأطول فترة هدوء على الجبهة الفلسطينية، وأفضل مناخ للتوحش الاستيطاني اليهودي في القدس والضفة الغربية، وبغير تكلفة تذكر من دم أو مال، فقد تركت للتنسيق الأمني مهمة تعقب التنظيمات الفدائية في القدس والضفة، ونقلت عبء إعاشة السكان الفلسطينيين إلى سلطة رام الله، بما خفض تكلفة الاحتلال إلى أدنى حد، وهو ما تحقق مثله في غزة بطريقة أخرى، فقد تركت إسرائيل غزة حين زادت التكلفة الدموية للاحتلال المباشر، وكان ذلك هو الإنجاز الملموس للانتفاضة الفلسطينية الثانية والأخيرة، لكن إسرائيل داومت على احتواء غزة بصورة غير مباشرة، ومن خلال الحصار المحكم، وبالاستفادة من حروب حماس وعباس، التي انتهت إلى سلطة أخرى في غزة، قد تكون توارت عن الأنظار مع تشكيل حكومة الحمد الله، لكنها موجودة ومعروفة للقاصي والداني، فغزة تظل واقعيا تحت سيطرة «حماس»، التي تبحث هي الأخرى عن مانحين للإغاثة، خصوصا بعد الدمار المرعب الذي خلفه العدوان الإسرائيلي الهمجي الأخير، وفي سيناريو مكرر لمضاعفات عدوانين سبقا منذ ترك إسرائيل لغزة. ففي كل مرة، كانت إسرائيل تبادر بالعدوان لإضعاف حركة حماس، وكانت حماس ترد بقوة تزايدت مع الزمن، ثم يجري وقف إطلاق النار بالوساطة المصرية، أي أننا بصدد الدورة نفسها تتكرر، عدوان إسرائيلي دوري، ومقاومة موسمية باسلة، ثم يتوقف لهيب النيران ليبدأ الأنين، ويجري البحث عن وسيلة لتعمير ما تدمره إسرائيل، وتنعقد مؤتمرات المانحين، وهكذا تجري مكافأة إسرائيل على عدوانها مرات، فهي لا تتحمل شيئا من تكاليف إعاشة السكان الفلسطينيين تحت الاحتلال، كما يقضي القانون الدولي، ولها حرية التدمير في أي وقت، على أن يتحمل الآخرون فواتير التعمير، ثم تعود اسرائيل إلى التدمير، وهكذا في دوران مهلك، لا نعود نتذكر معه من قضية الشعب الفلسطيني الأصلية شيئا، بل نتوه في أرقام وعود المانحين، وفي انتظارها، وفي مناكفات عباس وحماس التي لا تنتهي.
وقد يقول لك قائل إنه لا حل آخر، وإن صوت السياسة حضر مع صوت الإغاثة في مؤتمر إعادة إعمار غزة الأخير بالقاهرة، وهذا صحيح فقط من حيث الشكل، فقد ألقيت كلمات أشبه بالأمنيات، ركزت على ضرورة البحث عن تسوية دائمة أو عن هدنة دائمة، أو عن وحدة السلطة الفلسطينية، لكن تلك الأحاديث كلها بدت أشبه بكلمات المناسبات، وما إن انفض الجمع، حتى عادت «ريمة إلى عاداتها القديمة»، فإسرائيل لا توافق على مبدأ إقامة دولة فلسطينية، وأمريكا تدعم إسرائيل في كل الأحوال، والطرفان يفضلان إدارة الصراع لا حل الصراع، وعلى الطريقة ذاتها التي دارت رحاها منذ عقد اتفاق أوسلو، أي بتفتيت القضية إلى قطع ونتف صغيرة، وعقد جولات المفاوضات إياها بالرعاية الأمريكية، وتضييع السنوات تلو السنوات في مناقشة مسائل فرعية، وبدون التوصل إلى أي حلول ناجزة متفق عليها، وكسب الوقت لاستكمال التهويد النهائي للقدس وأغلب أراضي الضفة الغربية، والحرص على تعميق الخلاف بين عباس وحماس، وبما يزيد من إحباط الشعب الفلسطيني، وبدون إعطائه أملا بالخروج من النفق المظلم، إلا بتلاعبات عابرة بالمشاعر الوطنية العامة، والإيحاء بأن الدولة الفلسطينية قامت على أوراق الأمم المتحدة، وحصلت على اعتراف رمزي من غالبية دول العالم، وأن دولا أوروبية تتجاوب مع الاعتراف بالدولة الجديدة، وعلى طريقة التصويت الرمزي لصالح مبدأ الدولة الفلسطينية في مجلس العموم البريطاني، وكلها إيحاءات بمكاسب لا تلقى ظلها على الأرض، فالدول ليست ملفات ولا دوسيهات في أدراج الأمم المتحدة، الدولة أرض وشعب وسيادة، وهو ما لا يوجد ماثلا في الواقع الفلسطيني الملموس.
والمطلوب ـ في ما نظن ـ رد الاعتبار لأولوية المقاومة بكل صورها، ورد الاعتبار للسياسة التي هي أوسع كثيرا من معنى التحركات الدبلوماسية، فلا يصح ـ مثلا ـ أن نتحدث عن اللجوء للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ثم تعود سلطة الرئيس عباس لتفاوض ثنائي مع إسرائيل بالرعاية الأمريكية اللعينة إياها، ولا يصح التعلل بأعذار واهية تعطل الذهاب لمحكمة الجنايات الدولية لمحاسبة المجرمين الإسرائيليين، ولا يصح التعلل بانشغال المحيط العربي بقضاياه وحروبه الأهلية الدموية، فالركود الفلسطيني سابق بسنوات على زمن الثورات والحروب في المشرق العربي، ولا يصح الكلام عن إيقاف المقاومة تجنبا لغضب المانحين، فالقضية الفلسطينية لا تكون قضية بدون أولوية حق المقاومة، ومعركة التحرير الوطني هي جوهر قضية الشعب الفلسطيني، وليست الإغاثات ولا الإعانات ولا المنح، وهو ما يعني ببساطة رد الاعتبار للعمل السياسي والعمل المقاوم، وقياس كل تصرف يومي على هذا الأساس وحده، ولدى الشعب الفلسطيني ـ رغم المعاناة ـ إمكانيات مقاومة واسعة، بشرط أن يتحرر من قيود أوسلو دفعة واحدة، وأن يتحرر بالذات من قيد السلطة الوهمية، ومن أعبائها وتكاليفها والتزاماتها المهينة، وأن يعاد إحياء صيغة منظمة التحرير كوعاء جامع لفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية كلها، وأن يتم الاتفاق على صيغة مقاومة مناسبة في هذه اللحظة، وعلى الهدف المرحلي المتمثل في إكمال تحرير غزة والضفة والقدس، بطريق الانتفاضة الشعبية الجامعة، وبالاستفادة من دروس الثورات السلمية في مصر وتونس بالذات، ومع فارق محسوس، فلسنا في الحالة الفلسطينية بصدد سلطة استبداد فقط، بل بصدد سلطة احتلال استيطاني إحلالي، وهو ما يسهل كثيرا من مهمة التعبئة الشعبية العامة، ولا يثير خلافا بين فلسطيني وآخر، والمطلوب باختصار: حشد الشعب الفلسطيني بالملايين في شوارع وميادين غزة والضفة والقدس، ودعم التحرك بحشود مماثلة للفلسطينيين في بلدان الشتات، وفي أراضي فلسطين المحتلة منذ نكبة 1948، وأن يستمر الحشد الجماهيري الموحد لشهر كامل قابل للتجديد، وتحت لافتة موحدة هي «الشعب يريد إنهاء الاحتلال»، ولا ينفض الجمع المبارك إلا بزوال الاحتلال على الأرض لا في قرارات الأمم المتحدة، ورد الاعتبار لقضية التحرير الوطني، وبالقوة الجماعية السلمية الذاتية. ولا شك عندي في أن الشعب الفلسطيني يستطيع أن يفعلها، وأن يكسب حريته بثورته.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل