رسائل «الدولة العميقة» في الأردن بعد «مصارحات» قائد الجيش مع «المتقاعدين»: «فيتو» شامل على الدخول عسكريا لسوريا و«إعادة الهيكلة» تتطلبها تحديات «الإرهاب وداعش»

عمان ـ «القدس العربي»: يمهد رئيس الأركان الأردني الجنرال محمود فريحات بذكاء وحرفية ميدانية لخطته الطموحة في إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية تنفيذا للتوجيهات الملكية وهو يعلن بعد إفطاره الثاني مع المتقاعدين العسكريين عن تأسيس مكتب خاص في قاعة كبار الزوار يتولى مراجعات المحاربين القدامى.  في الأعوام الستة الماضية دخل سياسيون ونشطاء وأصحاب أجندات على بعض مجموعات المتقاعدين العسكريين الذين يشكلون كتلة كبيرة وناشطة ومحترمة في المجتمع وتعددت الجهات التي تدعي تمثيل المتقاعدين العسكريين بعيدا عن المؤسسات الشرعية.
 تسبب الأمر في الماضي وقبل تكليف الجنرال فريحات بالكثير من الصداع للدولة وأجهزتها خصوصا بعدما ظهر متقاعدون عسكريون ضمن سياقات الحراك الشعبي وبخطاب سياسي غير معتاد وبصورة تجاهلها كبار المسؤولين قبل استدراكات الجنرال الفريحات.
 الجهد المبذول مؤخرا في هذا الصدد له ما يبرره وطنيا وسياسيا عبر تكريس خطاب مباشر هذه المرة على أساس التوافق والهم الوطني المشترك مع اطر القيادة للقوات المسلحة.  على هذا الأساس يتحمس فريحات لمعالجة مهنية لهذا الملف حيث استقبل الملك عبدالله الثاني شخصيا نخبة عريضة من المتقاعدين في إفطار رمضاني ونظم الفريحات افطارين خلال أقل من عشرة أيام كان اخرهما في مناطق الجنوب والثالث يفترض ان ينظم في مناطق الشمال.
 يستقبل المتقاعدون العسكريون هذا التواصل من قيادة مؤسستهم باحترام وتقدير ويظهرون حرصا على تجنب الأجندات السياسية الضيقة فيما يبدو ان فريحات أكثر قدرة على الاصغاء لهذه الكتلة المهمة والمؤثرة في المجتمع الأردني والزاخرة بالخبرات في طريقة لطي ملف الخلافات التي برزت سابقا مع  ممثلي الجسم المهم. حصل ذلك بعد سلسلة توترات مع ممثلين متعددين للمتقاعدين في عهد حكومات وقيادات سابقة وصل في أكثر من مرة لمستويات غير معهودة خصوصا وان مرحلة رئيس الأركان الأسبق الجنرال مشعل الزبن شهدت لأول مرة ظهور متقاعدين  في إطار بيانات وشكاوى ورسائل  مباشرة على مستوى بعض المواقع الإلكترونية وبعض مواقع التواصل.
خلال التواصل بين فريحات والمتقاعدين العسكريين ظهرت مسألتان بصورة أخص بعد الإهتمام بمأسسة عملية التفاعل مع احتياجات المتقاعدين ومشكلات ما بعد التقاعد.  طوال الوقت ركز فريحات على شرح خطة «إعادة الهيكلة» التي ستخضع لها القوات المسلحة وبصورة علنية وشفافة هذه المرة، وفي الأثناء برزت الجرعة الميدانية والسياسية الأبرز عند التأكيد في كل اللقاءات مع المتقاعدين على عدم توفر أي احتمالية لمشاهدة الجندي الأردني داخل الأرض السورية وبأي احتمالات.
 خطاب فريحات يركز على شرح الاستراتيجية الدفاعية الأردنية على أساس حماية الحدود مع سوريا والعراق والدفاع بعمق وبأحدث التجهيزات وبكل التضحيات لحماية التراب الوطني وبدون التورط في أي مشاريع سياسية تقترح دخولا عسكريا أردنيا للأرض السورية.
 تطورات الميدان تثبت هذه النظرية عمليا وفريحات شرح ثلاث مرات على الأقل للمتقاعدين خلال شهر رمضان المبارك القرار المركزي للدولة الأردنية برفع «فيتو» واضح لا يقبل اللبس على دخول قوات أردنية لسوريا وتحت أي ظرف.
كانت إفطارات المتقاعدين فرصة مناسبة لتكثيف الجرعة الإعلامية والسياسية التي تؤكد أن القوات الأردنية لن تتورط في المسألة السورية وستبقى في حدود استراتيجية التصدي والدفاع، وفي الأثناء عالج الجيش الأردني بمهنية وكفاءة وبالنار المكثفة 11 محاولة للتسلل على الأقل  من جانب سوريا في العام الأخير.
الملف الثاني الذي يكرر الفريحات ورفاقه الحديث عنه هو مشروع إعادة الهيكلة الذي يعرض في سياق التأكيد على القرارات الاستراتيجية للدولة الأردنية بخصوص عدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم خوض معارك خارج الحدود الأردنية إلا ضمن قوات حفظ السلام والإطار الأممي فقط.
عمليا لا يوجد الكثير من التفصيلات التي تشرح للرأي العام على الأقل مراحل إعادة الهيكلة ولا هويتها  لكن بلغة العسكر تحدثت المؤسسة بشروحات مفصلة مع المتقاعدين العسكريين بصفتهم محاربين قدماء ومن باب التشاور ووضعهم بالصورة تخفيفا لأي روايات يمكن ان يستمعوا لها من خارج المؤسسة أو من وسائل الإعلام.
خلال الشرح يمكن تلمس الفكرة الرئيسية في إعادة الهيكلة على أساس رصد ملامح الفلسفة القتالية الجديدة وفقا لمنظور التحديات والتهديدات وقال الفريحات بوضوح ان التحدي الأبرز اليوم هو»الإرهاب» الذي يتربص بالأردنيين دون ان يذكر مباشرة العراق وسوريا.
ذلك عمليا منظور جديد له علاقة بالتأسيس لعقيدة قتالية جديدة تكرس القناعة بان العدو الأهم مرحليا هو الإرهاب الذي يحاول عبور الحدود وتحديدا من سوريا والعراق وبصورة أكثر تحديدا الحديث عن تنظيم «داعش» الذي يتوعد المملكة الأردنية بصورة خاصة وفي الكثير من الأحيان.
 تكثفت جرعة الحديث عن «الإرهاب وداعش» في الأوساط العسكرية الأردنية بعد جريمة إعدام الطيار الشهيد معاذ كساسبة.
 وزادت الجرعة نفسها في كثافتها بعد ظهور خمسة أردنيين من قادة «داعش» في شريط فيديو يحرض عشائر البلاد على النظام، الأمر الذي استوجب مصارحات مع فعاليات أساسية في المجتمع وبنيته التقليدية، يمكن القول ان كتلة المتقاعدين العسكريين هي نواتها الصلبة بإعتبارهم في موقع متقدم داخل المجتمع  والعشائر أساسا.
وحصل ذلك بالتوازي مع  تعامل المحاكم العسكرية مع حالات متعددة من فئة الذئب المنفرد ومراقبة لصيقة لكل المساحات في عمق البنية الاجتماعية الأردنية نفسها.
هذا النمط من التأسيس لأولويات الحماية الوطنية العسكرية يعكس قناعة الدولة العميقة في الأردن بان المعركة مع الإرهاب أو عصابات الإرهاب كما يسميها الناطق الرسمي الدكتور محمد المومني «طويلة الأمد» وقد تستمر على الأقل خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يمكن تلمسه من كل التفصيلات العلنية التي نشرها الإعلام الرسمي عن شروحات الجنرال فريحات للمتقاعدين العسكريين.

رسائل «الدولة العميقة» في الأردن بعد «مصارحات» قائد الجيش مع «المتقاعدين»: «فيتو» شامل على الدخول عسكريا لسوريا و«إعادة الهيكلة» تتطلبها تحديات «الإرهاب وداعش»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية