رسائل تفجيرات الكرادة في بغداد

بغداد ـ «القدس العربي»: تستحق الجريمة البشعة التي ارتكبت في منطقة الكرادة وسط العاصمة العراقية ان تحظى باهتمام وتركيز بالغين، ليس بسبب عدد الضحايا من المدنيين الأبرياء الذي تجاوز 292 شهيدا وبسبب عدد أكبر من الجرحى والمفقودين، وليس للدمار الهائل الذي وقع في منطقة الحادث، ولكن بسبب طبيعة الرسائل التي يراد ان يوصلها التفجير المروع في عدة اتجاهات.
وأولى الرسائل هي ان الإرهاب لن يتوقف عن ضرب مدن العراق واستباحة دماء أهله أبدا ما دامت أسبابه ومبرراته موجودة، وطالما بقي العراق خاضعا لمشروع تدمير البلد وابقائه ضعيفا وخاضعا للأجندات الطائفية والإقليمية، وما دامت المعالجات الرسمية وحتى الشعبية لهذه الحوادث شكلية وعابرة ولا تتعامل مع جوهر الحدث، وتتغافل عن وجود مشاعر بالظلم لدى شريحة واسعة من الشعب العراقي.
والرسالة الأخرى هي ان استمرار وقوع مثل هذه الانتهاكات المريعة تؤشر على فشل نظرية التركيز على الحلول الأمنية فقط في محاولات ايقافها أو الحد منها دون مراعاة الجوانب السياسية والفكرية المتعلقة بها، كما تؤكد وجود خروقات (مقصودة أو غير مقصودة) في الخطط الأمنية والأجهزة المسؤولة عن هذا الملف ذات الولاءات المتعددة، ومنها وجود جماعات مسلحة منظمة يتخذ بعضها الغطاء الرسمي، تعمل بكل حرية على الأرض العراقية لتنفيذ أجندات مختلفة.
وقد يكون صحيحا اعتقاد البعض أو محاولة البعض الآخر ترويج فكرة، ان غايات مثل هذه الحوادث هي محاولة الهاء القوات العراقية عن معركتها الأساسية مع تنظيم «الدولة» أو للتغطية على هزائم التنظيم ولافراغ الانتصارات التي حققتها تلك القوات مؤخرا وخاصة بعد انتزاع الفلوجة من يد التنظيم بكل ما يعنيه ذلك من أهمية عسكرية ورمزية معنوية عظيمة الأثر، ولكنها تبقى نظرة قاصرة عن استيعاب مجمل الحالة العراقية. حيث ان مثل هذه التفجيرات المدمرة وسط الأسواق والمجمعات بدأت مع الاحتلال الأمريكي عام 2003، أي قبل ظهور تنظيم «القاعدة» وبعده تنظيم «الدولة»وبعده الله أعلم!!
ولا يختلف العراقيون جميعا ان أبرز غايات تلك التفجيرات البشعة هو الحرص على مواصلة تأجيج الشحن الطائفي بين أبناء الشعب العراقي كلما خفتت ناره ما دام يخدم جهات فاعلة كثيرة. كما لا يبتعد عن الحقيقة من يعتقد ان افتعال مثل هذه الحوادث هو وسيلة لإلهاء الشعب عن قضاياه الأساسية ومنها في هذه المرحلة المطالبات الشعبية ودعوات المرجعية إلى النخب السياسية التي تقود البلد، لايقاف تدهور الأوضاع وعمليات النهب المنظم لثروات البلد من مافيات الفساد، وللحد من مسيرة الفشل المتراكم في الأداء الحكومي واصرار القوى السياسية على عدم الاتفاق على تحقيق الاصلاحات المنشودة. إلا ان الغاية والمبررات لمثل هذه الجرائم المروعة تتعدى كل ذلك إلى هدف أكبر هو جعل هذه الحوادث منطلقا لتنفيذ صفحة جديدة في سيناريو مشروع استباحة العراق وتدميره، كما حصل في تفجير المراقد المقدسة في سامراء عام 2006 التي اعقبتها أعمال عنف طائفي واسعة في البلاد.
لقد أثارت مجزرة الكرادة المخاوف من جديد لدى العراقيين من ان تكون الجريمة بداية صفحة جديدة من مأساة العراق وتأجيج النزعات الطائفية، خاصة بعد تصاعد أصوات مؤثرة في العملية السياسية والأمنية بضرورة تسليم الملف الأمني في العاصمة العراقية إلى الحشد الشعبي بزعم فشل الأجهزة الأمنية الرسمية في الحفاظ على أمن المواطنين، وكأن قدرات وخبرات فصائل الحشد الشعبي في مكافحة الإرهاب، أكبر من قدرات وخبرات الأجهزة الأمنية التي ساهمت خبرات دولية في بنائها لأكثر من عشر سنوات، إضافة ألى صرف أموال هائلة على تزويدها بالخبرات والمعدات اللازمة. وهو ما فسره الكثير من المراقبين بان جريمة الكرادة يراد لها ان تستثمر في الترويج لبعض فصائل الحشد للسيطرة على الملف الأمني، وهو ما يؤدي بالتأكيد إلى اضعاف أجهزة الدولة واسقاط هيبتها وزيادة الفوضى فيها لمصلحة صعود نجم بعض الميليشيات وما يترتب عليه من نتائج ظهرت من خلال بعض الممارسات والتجاوزات التــي وقعت مؤخرا ضد أهالي الفــلوجة واعـــترفت بها الحكومة والقوى السياسية والمنظمات الدولية المعنية.
وأعادت جريمة الكرادة في قلب بغداد النازف إلى أذهان العراقيين، لغز هذا النوع من العمليات والجهات التي تنفذها، حيث تبرز الحرفية العالية في تنفيذ الجريمة من حيث حجم الدمار الناتج عنها واختيار أماكن التفجير وبيئته وتوفير مستلزمات ومواد التفجير الكبيرة وقدرة المنفذين على المرور الآمن وسط عشرات السيطرات الأمنية ونقاط الرصد والكاميرات المنتشرة في كل مكان من شوارع العاصمة العراقية، لتؤكد من جديد وجود فرق موت تعمل في العراق ذات احترافية عالية في تنفيذ مثل هذا النوع من العمليات القذرة وتتوفر لها تسهيلات كبيرة، وتذكرنا بعمليات مماثلة وقعت في بلدان المنطقة مثل تفجير السفارات واغتيال الشخصيات السياسية.
ولعل من المفيد الإشارة إلى ان جريمة الكرادة هي نسخة ثانية من جريمة وقعت العام الماضي في المكان والزمان والاسلوب نفسه، ولكننا نحمد الله انها وحدت مواقف العراقيين بجميع انتماءاتهم وطوائفهم على رفض هذه الجريمة المروعة بكل المقاييس وإدانة مرتكبيها مع مطالبة الحكومة بالكشف عن نتائج التحقيق فيها وليس التعتيم عليها كالعادة.

رسائل تفجيرات الكرادة في بغداد

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية