رسالة من المنفى

حجم الخط
2

قد تكون كلمات مبعثرة.. هائمة وبقايا حبرٍ وورق، من منفى الوطن أو بالأصح من منفى الحياة. أردت أن أتسلح بسيف القلم، ودرع الكلمة؛ من انكسار ووحشة الغربة والعزلة الجاثمة على صدري، من اغتيال وطني لي.. وتبرئه مني.
لكن خوفي أن يذبل كل شيء في برد الشتاء القارس، وفاجعتي ومآس ما أكثرها، أن يموت قلمي وتغدرني كلماتي، وأصبح عزلاء في مواجهه آخر الرياح والعواصف الشديدة، كورقة في مهب الريح. ولكن.. لا ..هناك ما يجب أن يقال في اللحظة الأخيرة في آخر أيام المنفى، فمازال للكلمات نبض وإن كان ضعيفاً، ما بين سطرٍ وسطر بوحي خفي لمأساة روحٍ ووطن. من المنفى أروي رواية وطن لا تنتهي من المآسي والنكبات على مر العصور والأزمان، وطني يهدينا الموت بأغلفة ملفوفة بالبياض المتستر بسوداوية الحزن والألم القاتم، يقدم أبناءه قرابين فداء بين فكي الموت الغامض.. من أجل ماذا؟ من أجل أن يبقى الوطن، أي وطن وما مفهوم الوطنية؟ أو لربما من أجل أن يبقى أصحاب النفوذ والنفوس المريضة ذوي المصالح الآنية الأنانية، يخططون ويحيكون المؤامرات الدنيئة.. من أجل ماذا؟ من أجل مصلحة الشعب المسكين المغلوب على أمره. في المقابل تسفك دماء الأبرياء رخيصة وتحلق أرواحهم في سراب النسيان الأبدي.
ولا نعجب عندما نرى مصاصي الدماء ووحوش الغاب البشرية، وهم يصعدون فوق أشلآء وبقايا جثث الشهداء، ويعقدون الصفقات والمؤتمرات.. ويتصافحون بكل ودّ وامتنان وبرود، – وكأن شيئاً لم يكن- والدماء مازالت تسيل ولم تجف بعد. يكنزون ما استطاعوا من المال المنهوب للعودة به الى أرض الوطن المسلوب، محمّلين ببشاعة النفس، ضياع الضمير وموت الإنسانية.
هناك على هامش الحياة، أناس يتضورون جوعاً.. يبكون ألماً، فهناك من مات له ابن وولد.. وهناك من مات له جميع أهله في أساليب القتل العديدة هنا، فهنا للموقت قصة أخرى وفنون أخرى، وهناك من أدمى قلبه الشوق والحنين لفراق قريب له في الغربة والمنفى.
ظلم وطن، قسوة حياة، وعبثية قدر، وحدة وعزلة.. يا لغرابة البداية ويا لسخف النهاية ويا لقتامة المصير، قتل وتدمير وظلم وخراب.. أنني أشاهد جحيم النهاية كما سطرتها نيران البداية..
ويبقى ولو بصيص أمل لمن هم في المنفى (الموت الجميل) أو الموت السعيد، كما قال البير كامو، فقد تعددت أساليب القتل ويبقى الموت واحد في وطني، وتفنن أولياء الظلم والقهر في القتل والتنكيل بأجساد لبقايا بشر، انهكتها المواجع، ولم تتمن سوى الموت الجميل في هدوء وسلام.. والخلود في راحة أبدية.
من المنفى جسد بلا روح وظل، وربما شبح يسير على الأطلال، أخط خيبتي ومأساة وطن بأكمله، على هذا الورق الأبيض كأنه كفن، أبعثر عليه وصيتي في آخر أيام المنفى.. وصيتي الأخيرة.
صعدت بخطواتي نحو السماء في سلالم ونوتات موسيقية عازفة عصماء، كأنها مقطوعة حزينة لبيتهوفن، صعدت لأسامر القمر كرفيق درب وأرعى النجوم بعصا الأماني والأوهام، ومضيت في فلك الفضاء الشاسع نحو اللاعودة… هناك حيث لا وطن ولا ألم ..
٭ اليمن

رسالة من المنفى

بشرى السندي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية