رصدت المجتمع المصري الحديث في حقب حكمِهِ المتلاحقة: الكتابة بالمشرط… الوعي مُشرِّحاً التاريخ

حجم الخط
1

بخفَّة يد جرَّاحٍ ماهر يعرف أين يضع مبضعه ليستأصل جذور الأمراض المستعصية بعد أن يقوم بتشخيصها، خطَّ الدكتور إيمان يحيى، أستاذ الجراحة في الجامعة المصرية عمله الروائي الأول، «الكتابة بالمشرط»، والصادر عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة، الذي لا يُعدُّ بانورامياً فحسب، في استعراضه لأكثر من قضيةٍ وثيمةٍ تتحرك على امتداد السرد عبر الشخوص والأحداث وخلفيات السرد، بل يُمكن أن نصف عمله برواية التاريخ، كون انعكاسات الأحداث التاريخية تؤثر بعمق في الشخصيات التي بدت رهينةً لواقعها الذي تعايشه في مصر بكل تناقضات تاريخها الحديث، من جمال عبد الناصر ومرحلة تأسيسه للدولة المصرية الحديثة في بعثها الثاني، مروراً بالسادات وانفتاحه، والقيم الطفيلية الاستهلاكية التي طفت على المجتمع المصري وتغلغلت في الشخصية المصرية، حتى عهد حسني مبارك، فترة تجريف المجتمع المصري على كل المستويات.
من هنا فإن هناك إطاراً رئيسياً للسرد في هذا العمل، يتمثل في البيئة الزمانية والمكانية التي تدور فيها أحداث الرواية، وهي ما قبل اندلاع الثورة المصرية، من خلال مجموعة متشابكة من خيوط السرد التي تلتقي لتُشكِّل معاً الصورة الكلية للعمل، ومن مدى أهمية وعمق هذه الأحداث (ومعيارها هنا تركيز الكاتب عليها وتكثيف مشاهدها واستمرار خطها السردي في العمل حتى النهاية).
والبيئة المكانية التي تدور فيها الأحداث هي كلية الطب والجامعة المصرية عموماً، حيث تدور معارك طاحنة لا يراها أحد خارج أسوار هذا المجتمع، هناك.. نلتقي إحدى الشخصيات المركزية للعمل، الدكتورة سعاد، وهي جرَّاحَة شابة تحاول مجابهة «الحيتان» من أساتذة الجامعة الذين يمثلهم رئيس قسم متطرف وغارق في الأفكار الرجعية الدينية، «د. عارف النقلي»، الذي يتصدى لها في أحلامها الطبيعية ويقف بوجه طموحاتها في العمل بالجراحة، والترقي في القسم، عوضاً عن اتهامها بعدم صلاحية رسالتها الجامعية.. فتقرر التصدي له، وخوض معركة شرسة تناضل فيها لإثبات حقها في العمل والترقي، مواجهةً التعسُّف والإيقاف عن العمل والفصل.
هناك زمالة وتقارب يجمعانها بزميلها الطبيب القبطي «أبانوب»، حين تقف معه سعاد في فناء الكلية ليتناقشا معاً أو يتحدثا في أمور القسم والتخصص والحياة، فيكون مجرد وقوفهما، شرارة شائعات تنطلق حول زميلين يعتنق كل منهما ديانة مختلفة عن الآخر، ويكون ذلك مرتكزاً لتسليط الضوء على مدى التحوُّل الذي طرأ على المجتمع المصري الذي عرف احتقاناً دينياً منذ السبعينيات وفترة حكم السادات، لم نتخلص من آثاره إلى اليوم.
إن رصد المسلك المهني الذي يقوم به «د.عارف النقلي» وطريقته في إدارة القسم تقودنا إلى فضاء مُتَّسِع من خبايا وكواليس عالم الطب في مصر، والعلاقات التي لا تتحكم فيها المهنية بالأساس، وإنما المصالح والرشوة والفساد وحسابات المنفعة المتبادلة، من هنا فإن اهتمامه بعيادته الخاصة ذات الكشوف مرتفعة الثمن، أهم لديه كثيراً من العمل بالمستشفى الجامعي المجاني، بل حتى عيادته الخاصة هذه هي محطة مهمة في شبكة أوسع من العلاقات الموظَّفة لخدمة السمسرة والعمولات، حيث يقوم بإرسال المرضى إلى أحد مراكز الأشعة التخصصية، لعمل فحوصات (ضرورية)، بينما يقبض نسبة من المركز على كل مريض يرسله له، فلا الأشعة ضرورية ولا الفحوصات، والخاسر الوحيد هو الضمير المهني والقيم الإنسانية وصحة المواطن الفقير.
على الجانب الآخر من العمل، يطالعنا الدكتور الشربيني، الذي يمثِّل الوجه النقيض للدكتور النقلي، فهو، أستاذ الجراحة المرتكن إلى قيمه المهنية والأخلاقية، الذي يحرص على تعليم تلاميذه أصول الجراحة الحقيقية ومبادئ الطب والأخلاق معاً، ويشهد المعركة التي تندلع بين د.سعاد المُر، وبين د. النقلي، في رحلة الأولى لإثبات أحقيتها برسالة الماجستير وكفاءتها العلمية، بعدما تصدّت لأخطاء د. النقلي المهنية، فدفعت ثمناً مريراً من حربِ شعواء نظير موقفٍ ومبدأ.
يجسد الدكتور الشربيني الصوت السارد على امتداد العمل، والشاهد على الأحداث من داخلها (بيئة السرد المصغرة)، ومن خارجها (المجتمع المصري بأكمله خارج أسوار الجامعة). وهو صوتٌ نبيل وصاحب رؤية حكيمة وارتكاز على الأخلاق الحقيقية، ربما مردُّه التصاقه بالأرض في الأرياف وابتعاده عن العاصمة، رغم زواجه بطبيبة أجنبية (سالي)، تعيش معه في «العِزبة» في الريف، تظهر المناقشات التي تدور بينهما حول الاختلاف الحضاري بين الشرق والغرب، البيئتين اللتين ينتميان إليها، مدى انفتاح الدكتور الشربيني، وتحضُّره وتمسكه بأصالته.
بينما يحتكم السرد إلى خط ارتكاز رئيسي وهو خبايا وخفايا بيئة عالم الطب في مصر، والحياة الجامعية بما تحفل به من رموز وشواهد «جماعة 9 مارس لاستقلال الجامعة المصرية»، التي لعبت دوراً عظيماً في منح الجامعة المصرية قرارها وفصلها عن سيطرة الأمن والدولة إلى حدٍّ ما، تراتبية الهيكلية التنظيمية للجامعة وآليات إصدار قراراتها، والعلاقات الحاكمة لعناصرها المؤثِّرة، فإن هناك خطاً «أكثر شمولاً واتساعاً» رغم كونه لا يعد الخط الأساسي للسرد، وهو رصد الحياة الاجتماعية في مصر وأهم شواهدها، لنقل مدى التردي الحضاري الذي آلت إليه أوضاع الإنسان المصري وشظف العيش والتراجع على كل المستويات.
وتستعرض الرواية الانكشاف الدرامي للدكتورالنقلي وتعري هشاشة قناعه الذي يلتحف القيم الدينية وهو بريء منها تماماً، عبر رصد علاقته بالمرأة، زوجته التي لا يحمل لها أي تقدير، وعلاقته بتلاميذه في الكلية، الذين يُشغّل الكثيرين منهم مخبرين على زملائه، وعلاقته بزملائه القائمة على الفوقية والحقد..
بينما في الجانب الآخر يُقرر الدكتور الشربيني الإدلاء بشهادته ضد رئيس القسم في مداخلة تلفزيونية عندما تحمل سعاد المُر قضيتها وتذهب إلى التلفزيون لتعرضها على العالم، فتُفجر مفاجأة هائلة بتحديها د. النقلي، وتصعيد قضيتها لتصبح قضية رأي عام. فتتحرك مشاعر د. الشربيني لنصرة الحق، رغم علمه بما قد يجره عليه ذلك من ويلات، بدأت بالفعل ما إن أنهى مداخلته، حيث أحالته الجامعة إلى التحقيق، ووجد محامياً يحقق معه، مع أستاذ الجامعة.. في مسألة «كيف أن يكون له رأي حُر»؟!
تتسع الدائرة وتتحول إلى مُجتمع كامل يقاوم الفساد بين ثورتين، مجتمع يعاني أمراضاً اجتماعية مُزمنة من الإفقار والقهر السياسي والاحتقان الطائفي والتجهيل، وتغييب الوعي والحقوق. ووسط ذلك كله يجلس الدكتور الشربيني في عزلة الراهب ليتأمل أحوال حياته التي قطعها ظانَّاً أنه أستاذ جامعي صاحب فكر وكلمة مقدسة، قبل أن تمثل له قضية سعاد، وشهادته فيها وما جرَّه عليه من حرب شعواء صدمة وعيٍ وتحوُّل لينظر إلى واقعٍ مُنهارٍ من حولهِ، لا يملك إزاءه إلا أن يُسجّل ويؤرِّخ ويُحلل، لعل إنساناً ما يلتفت إلى شهادته للتاريخ عن وطنٍ يتأرجح بين مصيرين لم يُحسما للآن.

كاتب مصري ـ دبي

حمزة قناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية