رصد الأصول الآشورية للحضارة الفارسية

■ يخلو التاريخ من أي حضارة لم تتأثر بحضارة معاصرة أو سابقة لها على الرغم من ادعاء الكثيرين العكس فاغلبية الناس وبشكل خاص السياسيين ومن يدعون بتفوقهم العرقي يحاولون اثبات ان حضاراتهم هي الأصل ومصدر الهام الآخرين أو على الأقل ظهرت بشكل مستقل على الرغم من وجود من سبقهم في هذا المنوال. فقد تأثر الرومان باليونانيين وتفوقوا عليهم وكذلك المصريين بالسومريين ولكن ما لا يعرفه الكثيرون هو التأثر البالغ للحضارة الفارسية بالحضارة الآشورية. وفي الواقع أن الحضارة الفارسية ما كانت لتظهر لولا الحضارة الآشورية التي سبقتها. وسنحاول هنا ان نبين هذا الموضوع بشكل واف على الرغم من ضيق المساحة المتاحة.

الآشوريون

لم يعرف العالم حضارة ودولة مثل الحضارة والدولة الآشورية التي جسدت كل ميزات حضارة وادي الرافدين القديمة إلى أقصى حد. وكانت لغة الآشوريين هي الأكدية وهي لغة سامية وسكنوا المناطق التي شملت شمال العراق وجنوب تركيا وغرب إيران وشرق سوريا وكانت حدودهم الجنوبية منطقة ديالى العراقية وآمنوا بعدة آلهة أهمهم الإله آشور وقد أحترموا أديان الشعوب الخاضعة لهم وبالمناسبة فأن الآشوريين القدماء لا علاقة لهم اطلاقا بالذين يسمون انفسهم اليوم آشوريين. وقد امتازت الحضارة الآشورية بالانضباط الشديد والعمل الدؤوب وكانوا يتجنبون الحروب بقدر الامكان. ولم يكن للفوضى وجود في عقليتهم فعندما كان الجيش الآشوري يحاصر مدينة كان قائد الجيش ينصاع لأوامر الملك المشددة عما يجب أن يفعله بالمدينة بعد احتلالها وإلا فمصيره الموت. ولحماية انفسهم فقد أسسوا أعظم جيش عرفه العالم حتى ذلك الوقت حيث تكون من فرق مختصة ومدعوما بقاعدة صناعية واقتصادية وكانت جميع حروبهم دفاعية فالحرب بالنسبة لهم تعني خسائر بشرية ومالية حتى لو انتصروا ولذلك كانوا يعمدون للتقليل منها. ولم يتكون الآشوريون من قبائل وهم بذلك يكونون مثل بقية حضارات وادي الرافدين وكانوا في صراع دائم ومستميت للصدارة في العلوم فكانوا أول من أستعمل الاسمنت والبطارية والأقواس الصخرية والمشاريع الزراعية الضخمة من قبل الدولة والغرف التجارية. وكان العدل أساس الحكم، فالملك الآشوري سرجون أقر بانه عندما بنى عاصمته الجديدة قام بشراء الأراضي من المواطنين بسعر السوق لتجنب الظلم والأتهام بالجور وعندما بنى سنحاريب مشروعه الزراعي الشهير والجنائن المعلقة دفع لكل من أشترك في العمل بسخاء. انتهى الآشوريون بحرب أهلية طاحنة لم تعرف الرحمة بين اولاد الملك حطمت البلد مما أعطى الفرصة لتحالف بابلي – ميدي ضعيف لاحتلال البلد كلقمة سائغة عام 905 ق.م.

الفرس

ظهر الفرس في منطقة صغيرة في إيران الحالية على شكل قبائل رحل ويحتمل أن اسم «الفرس» مشتق من اسم احدى قبائلهم ولم يعرفوا الكتابة يومها وقد سميت مناطقهم بـ «بارسوا» ونظرا لظهور هذه الأسماء في مرحلة متأخرة فأن هذا يعطي الأنطباع بأنهم قد سكنوها حديثا بعد قدومهم من مناطق في الشرق. وقد ذكروا لأول مرة من قبل الآشوريين في القرن التاسع قبل الميلاد وكانوا آنذاك قد أخذوا يكونون قرى وبلدات صغيرة تحت الحماية الآشورية حيث سيطر الآشوريون على مناطق القبائل الفارسية خوفا من أن تغير على المناطق الحدودية الآشورية وعلى الطرق التجارية وكان هذا مصدر الرزق الوحيد للقبائل الفارسية وكان الآشوريون سباقين لحمايتهم كلما تعرضوا لتهديد خارجي فقد استغاثت بهم القبائل الفارسية عدة مرات. وعندما انتهت الأمبراطورية الآشورية على يد التحالف الميدي – البابلي كان الفرس دويلة فقيرة انتهى بها المطاف لتكون تحت السيطرة الميدية. وقد تزوج ملك هذه الدويلة الفارسية من أبنة ملك الميديين التي انجبت الملك قورش والذي يعتبر مؤسس الامبراطورية الفارسية والذي أعلن الحرب على جده من امه الملك الميدي عام 553 ق.م. وانتصر عليه عن طريق الدسائس وذلك باقناع قائد جيش الميديين بخيانة ملكه والانضمام إلى الفرس وهو اسلوب اتبعه الفرس عدة مرات لاحقا في اليونان وبابل وهكذا بدأت الامبراطورية الفارسية الأولى وكانت تسمى الامبرطورية الأخمينية وأهم أديانهم كانت الزرادشتية التي آمنت بانتقال الروح من جسد إلى آخر وعدم دفن الموتى والمزدكية وقد أستمرت هذه الدولة حتى 330 ق.م. عندما اجتاحها الاسكندر المقدوني بسهولة. وقد ظهرت دولة فارسية ثانية تسمى الساسانية عام 224 ق.م. انتهت بالفتح الإســـلامي عام 651 م.

خارطة تبين مناطق ألآشوريين والفرس عام 850 ق.م.

وكان واضحا من البداية افتقار الفرس لكل ما يميز الحضارة آنذاك فلم تكن لديهم كتابة أو مستوى تكنولوجي متقدم ولذلك فقد لجأوا إلى الحضارة العظيمة الوحيدة التي عرفوها وهي الحضارة الآشورية فأعتمدوا عليها في أغلب الأشياء وعلى ما تبقى من الآشوريين لسد النقص وسنحاول ان نوضح ذلك كما يلي:-

الجانب العسكري

تصب الشعوب جل اهتمامها في الجانب العسكري لحماية نفسها وتنفيذ خططها. ولكن لم يعرف الفرس من فنون القتال سوى الفروسية التي كانت مفيدة فقط كوسيلة للغارات ضد القرى والقوافل وهذا اسلوب بدائي جدا تشاركهم فيه الكثير من القبائل البدائية في آسيا وأشهرها القبائل التركية التي استمرت في هذا حتى العصور الوسطى. وكان الحل الذي لجأوا إليه هو توضيف ما تبقى من الجيش الآشوري ليكون القوة الضاربة لجيشهم وبشكل خاص المشاة كما قاموا بتقليد بقية التنظيمات العسكرية الآشورية وبهذا الجيش غزا الفرس بقية .

الجانب الفني

أهم رمز فني في الحضارة الفارسية هو الثور المجنح والذي كان تقليدا للثور المجنح الآشوري الشهير والموجود حاليا في المتحف البريطاني وهذا في الواقع ليس سوى مثال بسيط فالقصر الفارسي الأشهر المسمى طاق كسرى والذي أنشأ عام 540 م في العراق يعتبر مثالا للهندسة المعمارية الآشورية من قبل العلماء الغربيين.
وكان الحال نفسه بالنسبة للمدن، فقد بنى الفرس مدنهم على النمط الآشوري حتى أنهم قلدوهم في حبهم للحدائق إلا انهم لم يتمكنوا أبدا من بناء أي شيء مشابه للجنائن المعلقة التي بناها الملك الآشوري سنحاريب. وأخيرا هناك السجاد الذي اقتبس الفرس صناعته من الآشوريين، فأقدم دليل على وجود السجاد كان آشوريا ولذلك فقد كان السجاد الذي نعرفه الآن اختراعا آشوريا ويستطيع القارئ ان يرى ذلك بوضوح في المتحف البريطاني الذي يحتوي على نقوش آشورية تظهر السجاد.
وقد توسع الفرس في الاقتباس الفني ليشمل أزياء الملوك وزينتهم وعادة النق222222ش على الحائط الذي يظهر بطولات الملك ورحلات الصيد والكثير من مظاهر الحياة.

الجانب الإداري

قام الفرس باتباع النظام الإداري الآشوري ولو بكفاءة أقل، فقد عينوا في كل منطقة حاكما منهم ويساعده في الاتصال ببقية أنحاء الدولة شبكة طرق ممتازة كان قد بناها الآشوريون لتسهيل مرور البريد والجيش. وأما موقع الملك في الدولة فقد كان اقتباسا واضحا من الآشوريين فالملك لم يكن كاهنا الا انه كان ممثل الآلهة على الأرض وبذلك فهو ذو سلطة أعلى من رجال الدين. ولقد أقتبس الفرس هذا وبالغوا فيه بجعل الملك نفسه إلها متعاليا. والغريب هنا أن الامبراطوريتين الأخمينية والساسانية لم تتركا سجلات إدارية ويدل هذا على قلة المراسلات الإدارية آنذاك (ان وجدت) مما يمثل تخلفا إداريا واضحا على عكس الحضارات الآشورية والبابلية والسومرية اللواتي امتزن بكثرة هذه المراسلات والاحتفاظ بها في ارشيفات حكومية في غاية التنظيم.

الجانب الثقافي

أدعى بعض المؤرخين بامتلاك الفرس لمكتبات لم يتم العثور عليها ابدا وحسب وصفهم فأنها شبيهة جدا بمكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال. وللأسف ان الفرس القدماء لم يتركوا أثرا لأي أعمال أدبية. وكما هو معروف فلم يعرف الفرس الكتابة إلا بعد تأسيس امبراطوريتهم أي في مرحلة متأخرة حيث أقتبسوا الكتابة الآرامية وأطلقوا عليها اسم الكتابة البهلوية وهو مصدر الاسم الذي تبنته العائلة المالكة الإيرانية التي حكمت إيران من 1925 وحتى 1978. ولم يكتب الفرس إلا قليلا جدا فأغلبية ما تركوه لم يكن سوى ملاحظات عن الديانة الزرادشتية.

الجانب الديني

كانت الزرادشتية الديانة الرئيسية في الحضارة الفارسية ولا يعرف الكثير عنها فالكتاب المقدس لهذه الديانة يدعى «أفستا» ولا يوجد أي أثر له وكل المكتوب عنها حاليا قام بكتابته كهنة في العهد الساساني المتأخر حول ما اعتقدوه انه الزرادشتية الأصلية.
وهي ليست ديانة فارسية أصلا وعلى الأغلب انها ديانة هندية اعتنقها الفرس لاحقا وتأثرت بالديانات الآشورية والبابلية وكان الرمز الديني الذي تبناه الفرس لهذه الديانة آشوريا فقد اقتبس من رمز الاله آشور والذي يمثل رجلا مجنحا.

٭ كاتب واكاديمي عراقي

زيد خلدون جميل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية