بيروت ـ «القدس العربي»: لا اهتمام يعلو على اهتمامها بإدارة شؤون أسرتها ومجتمعها وبيئتها، انها المرأة اللبنانية التي تسعى إلى احداث تغييرات إيجابية في سائر الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والانمائية على غرار الانجازات التي حققتها في عائلتها بجهد فردي، وها هي اليوم تنخرط أكثر فأكثر في الشأن العام ولاسيما في الاستحقاق البلدي اقتراحاً وترشيحاً واضعة حدّاً للتمييز الجنسي والطائفي في مجتمعنا الذكوري. وهي تعتبر أن حقها في الإنخراط في الشأن العام هو حقّ لا يُستجدى وليس منّة من أحد وإذا واجهت أي عقبة في ذلك عليها المواجـــهة لإنـــتـــزاع حقّها المشروع لتحــقيق المساواة بينـــــها وبين الرجل.
وقد ناضلت المرأة وتحّدت الصعاب منذ زمن بعيد لمواجهة الواقع ولإحراز تقدم في قيادة المجتمع متجاوزة كل العقد الموروثة من العصور الغابرة، وذلك بسعيها ونجاحها وتفوقها انطلاقاً من أنّ معيار النجاح والتفوّق ليس للجنس إنّما للموهبة والعلم والجهد والثقافة. وعليه فقد تقدمت المرأة وأحرزت نجاحاً في ميادين سياسية وإدارية واجتماعية منها نيابية ولو بعدد ضئيل، كما تسلمت حقائب وزارية ومواقع متقدمة في الإدارة العامة منها على سبيل المثال منصب قائمقام ورئيسة مصلحة في الوزارات وغيرها. وهي اليوم تنخرط في الاستحقاق البلدي والاختياري من أجل إحداث نهضة تغّيير في المجتمع بعد ان واجهت ولا تزال في عدد من القرى والبلدات صعوبات تحول دون مشاركتها الفاعلة في العمل البلدي لأسباب متعددة منها افتقار قوانين الانتخابات إلى المساواة في الفرص المتاحة أمام المرشحين، ومنع السيدة المتزوجة خارج البلدة من الترشح في بلدتها وكذلك العقلية الذكورية التي لا تتقبل وجود المرأة في المواقع القيادية وعقلية العائلات التي تأبى أن تمثلها امرأة وهذا ناتج كما سبق وذكرنا عن الموروثات السابقة.
إلاّ انّ هناك عدداً من السيدات قد ترشحن إلى مناصب لرئاسة البلدية وقد نجحن في منصبهن ونذكر منهن على سبيل المثال ميرنا المرّ كريمة النائب ميشال المر التي ترأست ولا تزال المجلس البلدي في بتغرين ورئاسة اتحاد بلديات المتن، ونيكول الجميل كريمة الرئيس امين الجميل التي ترشحت للمرة الأولى في الانتخابات البلدية وفازت برئاسة بلدية بكفيا وألين نصار التي ترأست للمرة الثانية بلدية كفر قطرة الشوفية وهي قرية مختلطة بين المسيحيين والدروز، إضافة إلى أخريات تقدمن للترشح لعضوية المجالس البلدية في كبريات المدن والبلدات.
وقد حظيت المرأة هذه المرة أكثر من السابق بدعم من الأحزاب السياسية والجمعيات والهيئات التي حثتها على المشاركة الفعالة في الاستحقاقات البلدية انطلاقاً من قدرتها الفعالة على إحداث التغيير الايجابي المتدّرج من خلال إحكام دورها وما تنهض به من مسؤوليات، ليس فقط في المنزل وإدارة العائلة، بل في كل نواحي العمل والحياة. إذ نجحت في مجال المسؤولية الاجتماعية والإنسانية لما تختزنه من خبرات طويلة في العمل التطوعي، إذ باتت مثالاً يحتذى به من أجل النهوض في المجتمع وإحداث ما يلزم من تغيير.
وللمناسبة استطلعت «القدس العربي» رأي عدد من اللواتي ترشحن ومارسن العمل البلدي للحديث عن تجربتهن وعن مدى ابراز دورهن وقدرتهن على التغيير في العمل البلدي وحول ما إذا كانت أكثر فعالية وتنظيماً من الرجال. البداية كانت مع عضو مجلس بلدية عاليه سعدى حليمة التي نقلت لنا تجربتها الرائدة في العمل البلدي والصعوبات التي واجهتها من محيطها في التجربة السابقة في العام 2010 إذ واجهت تهميشاً إلاّ انها أصرت بعزمها وبإرادتها وقدرتها على التغيير على الاستمرار في المعركة الانتخابية التي نجحت فيها وأثبتت نفسها ونجاحها في المجلس البلدي في عاليه المدينة التي أولاها الناخبون فيها ثقتهم للمرة الثانية بناء على ما أحرزته من نجاح وتقدم.
وأعلنت انّ تجربتها انطلقت من الاصرار والعزم من دون ان تغفل التهميش الممنهج المباشر وغير المباشر من قبل محيطها الذي رفض خوض المعركة الانتخابية السابقة في بلدية عاليه، وهذا ما زادها إصراراً على الاستمرار على الرغم من وضع العصي في الدواليب لثنيها من المتابعة، إلاّ انها استمرت ونجحت في الانتخابات ودخلت المجلس البلدي الذي كانت فيه مواجهة أخرى كما أوضحت وأهمها على الاطلاق غياب المؤهلات لدى بعض أعضاء المجلس مثل المجالس البلدية التي تسيطر عليها الهيمنة العائلية لا أكثر ولا أقل.
وأكدت انها لم تضعف، بل استمرت في عملها وجهدها وقد تسلمت لجنة الأشغال في المجلس التي واكبتها ميدانياً على الأرض من خلال متابعة الورش والحفريات غير آبهة بالصعوبات، إذ اثبتت للجميع ان المرأة يمكنها ان تعمل على الأرض وتكون عضوا فاعلا ومؤهلا في المجالس البلدية ونجحت في عملها وفي منع التلزيم، كما قدمت تصورا ورؤية مستقبلية للأشغال، منها ما يتعلق بالسير والبيئة وهذه الأمور ستستمر في تطبيقها في المجلس الحالي.
وأضافت حليمة لـ«القدس العربي» انّ استمرارها في المجلس البلدي ناتج عن نضجها خلال تجربتها الأولى معتبرة انها شعرت ان في استطاعتها استكمال دورها من ناحية التزامها بموضوع السلامة العامة في عاليه ومكتب الأشغال الذي انشأته على غرار شركة، ولفتت إلى انه أصبح لديها فريق عمل متكامل ومتجانس، وأصبح في امكانها بعد نزولها ميدانياً إلى الأرض ان تتحرك وتدير الأعمال من نواحي عدة منها الإنارة والطرقات والبنى التحتية وبناء جدران وأقنية ومجارير وتنظيم السير والإشارات المرورية. وأضافت انها ساهمت أيضاً في التواصل المباشر مع المواطنين عبر وضعها خطّا ساخنا مباشرا معهم لتلقي شكواهم وقضاياهم بهدف متابعتها ومعالجتها. ولفتت إلى وجود ما لا يقلّ عن اثنين وستين عاملاً في البلدية هي التي تدير أعمالهم وتوزع مهامهم المطلوبة لإنجاز هذه الأعمال.
وتابعت أنها وضعت نصب عينيها مسألة النفايات التي بدأت في معالجتها عن طريق الفرز ورفعها من الشوارع والأحياء ومعالجتها، وهذا الأمر أنقذ مدينة عاليه من أزمة النفايات التي عانى منها لبنان لأكثر من سبعة أشهر، وشدّدت على ما يلي: «انا امرأة لا أريد أن أكون في لجنة لها علاقة فقط بالإعلام أو أي قصص خاصة بالمرأة، انما بالعكس فانا استطعت أن أثبت انني امراة قدرت ان أكون في لجنة السير مع الشرطة وانا أقوم معهم بدوريات صباحية ومسائية وحتى استلمت لجنة الأشغال وكانت لدي معدات مثل التراكتور والكومبرسور وغيرها والشاحنات».
وختمت :«لا شيء في الحياة اسمه رجل وامرأة، بل إنسان كفء وامرأة كفء». كما أكدت انّ عملها لم يكن ولا مرة على حساب بيتها وعائلتها التي كانت هي الأولوية بالنسبة إليها، وانما سرت بالتوازي معهما بأن أؤدي واجبي كعضو مجلس بلدية عاليه التي هي ليست بقرية وانما مدينة وهي عاصمة القضاء، وعاليه تستأهل أن يضحيّ من أجلها الإنسان. مشيرة في الوقت نفسه إلى انها كانت تخرج في السادسة صباحاً من منزلها من أجل أن تدير مكتب الأشغال يومياً وأحيانا كثيرة تحت المطر والثلج وأحياناً في الصيف تحت أشعة الشمس الحارقة وهذا الأمر لم يكن يؤّثر فيها بقدر ما كان يعني لها ان تحقق بصمة على الأرض تليق ببلديتها وبناسها وبأهلها.
كما توّقفنا في «القدس العربي» مع تجربة أخرى في العمل البلدي لمعرفة أهمية إنخراط المرأة في هذا المجال فأجرينا حديثاً مع سلوى ابي صابر خطار، وهي مربية أجيال، وتولت للمرة الثانية على التوالي منصب نائب رئيس بلدية رشميا، المعروفة بأنها «بلدة الاستقلال والرؤساء» فاعتبرت أن العمل البلدي بالنسبة لها هو من أهم الإنجازات التي يمكن للمرأة ان تتميّز وتبدع به، لافتة إلى انها انتخبت للمرة الثانية من قبل أبناء بلدتها رشميا الذين منحوها ثقتهم.
وتحدثت عن النشاطات التي نفّذتها خلال تجربتها الأولى السابقة في العمل البلدي، إذ قامت بتنفيذ سلسلة مشاريع متعددة ومنوعة ومميزة ابرزها على الاطلاق: إعادة فتح المدرسة الثانوية التي توقفت بفعل الأحداث السابقة، واستحداث بيت الحرف والمهن بالتعاون مع جامعة البلمند، وفتح دورات تدريبية للنساء في اللغات الأجنبية والمعلوماتية فضلاً عن المهرجانات الصيفية الكبرى.
وفيما أثنت على هذه الأعمال التي قامت بها والتي اعتبرتها جميلة وليست مضنية، لفتت إلى ان الرجل لن يكون أفضل من المرأة لانه لا يمكنه ان يكون أكثر صبراً وجلداً ومثابرة منها.
ورداً عن سؤال «للقدس العربي» أكدت أن المجال التربوي الذي تنتمي إليه كان هو الدافع والحافز والمشجّع الأكبر لنجاحها في العمل الاجتماعي والتنموي وزد على ذلك نجاحها في تربية أولادها ورعاية أسرتها وبيتها وهما الأولوية الأولى في حياتها.
وختمت خطار حديثها بأنها ترشحت للمرة الثانية لبلدية رشميا بكل نشاطها وإرادتها لتحقيق ما تصبو إليه من أعمال انمائية واجتماعية وانسانية ولوضع خبراتها التربوية والإنسانية في خدمة أبناء بلدتها كونها تعمل أيضاً في المجال الاجتماعي وهي تشغل رئاسة جمعية تعنى بمشاكل العائلة بكل افرادها.
وفي الختام لا يسعنا سوى التأكيد على القول المأثور «وراء كل رجل عظيم امــرأة» لنـضـــيف، ووراء كل انماء ونــجــاح عائــلة وادارة عامة ومجالس بلدية امرأة عاملة وفاعلة ومميزة.
ناديا الياس