طهران – «القدس العربي»: رغم الخلاف الحاد الذي نشأ اثر الحرب الدائرة في سوريا حافظت الجمهورية الإسلامية في ايران على مصالحها مع تركيا حيث كان الرئيس الايراني حسن روحاني من اوائل المتصلين بالرئيس التركي المنتخب رجب طيب أردوغان مهنئا ومعربا عن آماله ان تشهد المرحلة الجديدة علاقات وطيدة بين البلدين الإقليميين في مختلف القضايا مبديا، ارتياحه لتنمية العلاقات بين البلدين خاصة بعد الزيارة التي قام بها أردوغان الى طهران العام الماضي، آملا ان يتمكن البلدان من تنفيذ الإتفاقات المبرمة بينهما بأفضـل صــورة ممكنة، مشيرا الى ضرورة التعاون فيما يتعلق بملفات العراق وسوريا وفلسطين. من جانبه أكد الرئيس التركي المنتخب ان العلاقات بين البلدين ستصـــبح أمتن في ظل الحكومة الجديدة وانه سيعمل على تطويرها.
ولم يكن الموقف الايراني من نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا مفاجأة سياسية فقد أعلن قبل ذلك مستشار رئيس مجلس الشورى الايراني حسين شيخ الإسلامي ان بلاده تدعم خط أردوغان السياسي رغم وجود بعض الخلافات أبرزها الخلاف حول الأزمة في سوريا أضف الى ذلك الملف الأخطر استراتيجيا وهو موافقة تركيا على استضافة محطة لدرع الدفاع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي في شرق الأناضول.
ورغم الخلاف الا ان الدولتين برعتا في ادارة التوتر بينهما لأسباب عدة منها قضية الاكراد وقضايا التجارة والنفط والغاز اضافة الى بعض القضايا السياسية أهمها قضية فلسطين والملف النووي الايراني.
تاريخيا بدأت العلاقات الايرانية التركية بالتحسن مع وصول نجم الدين اربكان لرئاسة وزراء تركيا كأول رئيس وزراء إسلامي لتركيا الحديثة في العام 1996 بعد فتور غلب على العلاقات بينهما منذ نجاح الثورة الإسلامية في ايران عام 1979 نظرا للبعد الايديولوجي بين النظام الديني الثوري والعلمانية الكمالية. حيث اختار اربكان ايران لتكون أول محطة خارجية له ووقع فيها صفقة لاستيراد الغاز الطبيعي الايراني قيمتها 25 مليار دولار ومدتها 25 عاما. وتخطى التحسن في العلاقات المستوى الاقتصادي ليشمل جانبا من الملفات الأمنية للبلدين خاصة بعد القبض على زعيم تنظيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في عام 1998، وقرار إيران محاربة الموالين له في أراضيها.
عمقت الزيارة التي قام بها أردوغان الى ايران عام 2004 العلاقات بين البلدين في مجال الأمن الوطني كما رفعت مستوى التعاون فيما بينهم لحفظ الحدود المشتركة حيث وقع البلدان سلسلة اتفاقات للتعاون الأمني. سياسيا لاقت قرارت أردوغان فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ترحيبا واسعا من طهران. كما أدانت منظمات غير حكومية تركية السياسات الاسرائيلية في لبنان وفلسطين كان أهم ثمارها اسطول الحرية الذي توجه نحو غزة عام 2010 ساعيا لفك الحصار عنها الأمر الذي أدى الى استشهاد 20 شخصا وجرح ستين أخرين.
ولا ننسى المشهد الأبرز حين انسحب أردوغان من قاعة مؤتمر دافوس الاقتصادي في يناير 2009 غاضبا وذلك بعـــد مشادة كلامية بينه وبين الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز حول العدوان على غزة 2008/2009. كل هذه المشاهد نالت اعجاب الساسة في طهران مما جعلهم يستمرون في تأييدهم لأردوغان رغم سياسته المتبعة في سوريا والدعم الذي قدمته بلاده للثوار لاسقاط نظام الحليف الايراني هناك.
اقتصاديا عزز أردوغان العلاقات مع ايران خاصة في مجال الطاقة فتابع مسيرة سلفه اربكان حيث وقع في شباط/فبراير من العام 2007 صفقتين مع ايران الأولى تمنح شركة البترول الايرانية حق التنقيب عن النفط والغاز في ايران، والثانية مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز من تركمانستان (شرق بحر قزوين) الى تركيا ومن بعدها الى اوروبا عبر الأراضي الايرانية بدلا من بحر قزوين.
وزاد حجم المبادلات التجارية بين البلدين في العام 2012 عن 21 مليار دولار مسجلا أعلى مستوى له في تاريخ العلاقات بينهما. ولكن مع تشديد العقوبات الغربية على قطاع التجارة الايراني تدنى حجم المبادلات بين البلدين في العام الماضي الأمر الذي لم يرق لرئيس الوزراء التركي الذي أعلن بعد زيارته لطهران في شباط/فبراير من العام الحالي عن توقيع اتفاقيات لتسهيل العمليات التجارية بين البلدين متوقعا ان يصل حجم المبادلات التجارية مع نهاية العام 2015 الى 35 مليار دولار، وهذا ما أكده وزير الاقتصاد التركي الشهر الماضي والذي أشار الى ان البلدين يملكان المقومات اللازمة لتحقق هذا الأمر.
وأكد أردوغان في خطاب القاه بعد انتهاء الانتخابات انه باق على مواقفه ومستمر في سياساته التي كان عليها وسيعمل على تقويتها من خلال منصبه الجديد ليبني تركيا جديدة. وهذا يعني ان كل المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمها مع ايران مازالت قائمة وان المنافسة بين البلدين سيكون لها الدور الأكبر في ادارة المنطقة مستقبلا، وستكون على أشدها.