إن قيادة حماس، وعلى رأسها رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية وقائد المنظمة في قطاع غزة يحيى السنوار، لم يتحمسا من الطريقة التي دخل فيها زعماء حماس الخارج بسيارات فاخرة وتصرفوا بسلوك فوقي إلى القطاع، الأسبوع الماضي، خاصة نائب هنية صالح العاروري. إن الاشادات العلنية باللقاء الأول في غزة بين القيادتين لم تنجح في التغطية على التوتر الدائم بين من هم في الميدان ويتلقون غضب الجمهور والهجمات الإسرائيلية وبين من يعيش في قطر ولبنان. صادقت على هذا اللقاء إسرائيل التي تعهدت بعدم المس بالقادة الذين وصلوا من الخارج والذين يقفون على رأس قائمة مطلوبيها.
في مكتب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، توقعوا أن تقوم قيادة حماس بتفجير الجهود المصرية للمصالحة بين حماس وفتح، ثم تحقيق هدنة طويلة المدى بين حماس وإسرائيل. بهذا تزيل قيادة حماس عن كاهل عباس ضرورة اتخاذ قرار صريح بشأن اقتراح مصر الذي في نظره ليس أكثر من مجرد مسودة قابلة للتغيير. عندما اتضح لعباس أنه رغم الخلافات داخل حماس ـ بالأساس حول نقل السيطرة في غزة للسلطة الفلسطينية، والمواقف الواجب طرحها إزاء صفقة القرن لترامب ـ وأن المفاوضات تحولت إلى جدية، أرسل لرئيس المخابرات المصرية عباس كامل عددًا من التحفظات من أجل أن يقلب الاقتراح المصري رأسًا على عقب.
كامل الذي مكث في واشنطن الأسبوع الماضي، استدعى إلى القاهرة قيادة حماس من أجل أن يطرح عليها رد فعله، بعد إعلان حماس أنها مستعدة لتبني الخطة. «لقد اعتقدنا أن الأمر يدور عن تعديلات بسيطة على مبادئ الخطة، لكننا اكتشفنا أن الأمر يتعلق بخطة جديدة»، قال نائب السنوار، خليل الحية، الذي شارك في اللقاء إلى جانب ستة من قادة حماس من الخارج ومن غزة. وحسب أقواله، فقد قدمت فتح خطة ذات ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى التي ستستمر أسبوعًا من يوم التوقيع على الاتفاق، سيعود وزراء الحكومة الفلسطينية لمعالجة شؤون غزة بكامل الصلاحيات، أما مسألة الدمج بين الأجهزة الإدارية لحماس وأجهزة السلطة فيتم تأجيلها إلى المرحلة القادمة. جهات أمنية من حماس وفتح ومندوبين مصريين سيناقشون بناء السيطرة الأمنية في القطاع من أجل أن تكون مشابهة للوضع في الضفة. التفاهمات التي سيتم التوصل إليها ستنقل إلى إشراف لجنة متابعة مشتركة التي يشارك فيها كذلك مندوبون من فتح وحماس ومصر والتي سيكون دورها التأكد من تطبيق القرار.
والمرحلة الثانية ستستمر حوالي شهر، وفيها يطلب من حماس التنازل عن جباية الضرائب المستقلة مقابل تعهد السلطة بدفع كل رواتب الموظفين ورجال الشرطة والقيادة المدنية، غير شاملة رواتب مقاتلي حماس. هذا خلافًا للاقتراح المصري الذي حسبه ستظل الجباية في أيدي حماس، وهي التي ستدفع منها رواتب رجال الأمن. وفي المرحلة الثالثة التي ستستمر عشرة أسابيع ستبدأ استعدادات انتخابات السلطة الفلسطينية.
في النقاش الذي أجرته قيادة حماس الموسعة هذا الأسبوع مع رؤساء التنظيمات الأخرى في غزة، برزت كما هو متوقع خلافات بين من أيد قبول اقتراح عباس ومن عارضه. ممثلو الجبهة الديمقراطية أيدوا، في حين أن الجهاد الإسلامي واللجان الشعبية وقيادة كتائب عز الدين القسام عارضوا. حماس عادت إلى القاهرة لمواصلة التباحث في الوقت الذي جرت فيه المواجهات بين حماس وإسرائيل، إلى أن أعلنت حماس بأن «التصعيد انتهى واستمرارها مرتبط بسلوك المحتل». حسب البيان، فإن حماس استكملت ردها على العدوان الإسرائيلي وأظهرت تمسكًا بالمبدأ الذي يقول إن المس سيتم الرد عليه بمثله وإطلاق النار سيرد عليه بإطلاق النار. ولم تقل أي كلمة عن التدخل الكثيف لمصر في اليومين الأخيرين وعن استخدام مصر لهجة تهديدية، وعن محاولة الإدارة الأمريكية إقناع إسرائيل بتقليص حجم النشاط العسكري وعدم الانجرار إلى عملية واسعة النطاق، أو عن النشاط الذي لا يتوقف لنيكولاي ميلادينوف مبعوث الأمم المتحدة في الشرق الأوسط.
إعادة إعمار غزة أولا
من ناحية واشنطن والقاهرة، فإن إنهاء أزمة غزة مهم أكثر من معالجة المواجهة التكتيكية بين إسرائيل وحماس. واشنطن، سواء كانت محقة أو لا، تعطي لغزة أهمية كبيرة في ترويج «صفقة القرن». وأمام الخطة تقف تحديات كثيرة، أولها تمسك عباس بعدم اللقاء مع مبعوثي الولايات المتحدة ـ منذ نقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس ـ ونجاحه في تجنيد السعودية ومصر والأردن ضد الصفقة. ترامب أيضًا أثار غضبًا كبيرًا عندما أعلن عن نيته تجميد المساعدات للأونروا. وحسب تقارير من الأسبوع الماضي، فإن جارد كوشنر طلب من الأردن إنهاء مكانة «لاجئ» للاجئين الفلسطينيين في المملكة. كل ذلك قاد مصر والسعودية إلى الإعلان بشكل علني أنهما تعارضان مبادرة الولايات المتحدة. وهنا تكمن الأهمية التي تقدمها الإدارة في واشنطن لحل الأزمة في غزة، والتي من شأنها إزالة المأساة الإنسانية لمليوني فلسطيني، وتحرير الساحة العسكرية من أجل أن يستطيع الطرفان الانشغال بالعملية السياسية.
مصر التي أدانت نقل السفارة الأمريكية وتعارض علنًا المس بوكالة الأونروا، مستعدة للمساعدة في ترويج العملية السياسية. إلى جانب ذلك، هي معنية بحل الأزمة في غزة كجزء من الاستراتيجية الأمنية لها الموجهة لمنع تطور جديد لقناة إرهاب بين غزة وسيناء. بناء على ذلك، فإن مصر لا تربط حل مشكلة غزة بالمصالحة الفلسطينية الداخلية، خلافًا لموقفها السابق. ربما أن هذا الموقف استهدف تشكيل ضغط على عباس، لكن هناك إشارات تدل على أن مصر مستعدة للتقدم في قناة غزة مع السلطة الفلسطينية أو بدونها، وبدون صلة بـ «صفقة القرن». قررت مصر فتح معبر رفح بصورة منتظمة تقريبًا، وتجري نقاشات حول إعادة إعمار غزة بواسطة شركات مصرية، وأقنعت إسرائيل بالموافقة على إعادة تأهيل رصيف فلسطيني يخدم غزة في بور سعيد، وكل ذلك بدون إشراك السلطة الفلسطينية.
إعادة إعمار غزة أمر مهم لمصر، ليس من الناحية الأمنية فقط، فهي ستمنح الشركات المصرية سوقًا جديدة لنشاطها. وفي إطار خطة إعادة الإعمار سيتم إنشاء مصانع بتمويل الدول المانحة وعدد كبير منها سيتم إقامته في الأراضي المصرية وستوفر أماكن عمل للمواطنين البدو في سيناء. فتح ميناء فلسطيني في بور سعيد سيمنح مصر رافعة سيطرة سياسية، تشبه استخدام مصر لمعبر رفح.
يعتقد المصريون أن خطة السلام الأمريكية ما زالت غير ناضجة، غامضة وغير واقعية. وزير الخارجية المصري سامح شكري عاد، أمس، من زيارة استمرت يومين في واشنطن ووصف المحادثات مع نظيره مايك بومباو ومع مستشار الأمن القومي جون بولتن بـ «محادثات إيجابية». إضافة إلى ذلك، فإن تقارير سبقت عودته تحدثت أنه في لقائه مع جيسون غرينبلاط لم تُطرح عليه أفكار جديدة. حسب التقارير، فإن الولايات المتحدة لم تعرض على شكري أي ضمانات بأن إسرائيل ستوافق على تطبيق شروط الصفقة ولم يتلق أي تفصيل عن حجم المساعدات الأمريكية التي يتوقع أن تصل إلى غزة لإعادة الإعمار. الأهم من ذلك هو أن وزير الخارجية لم يرجع إلى بلاده مع تعهد أمريكي محدد لزيادة المساعدات لمصر. حسب هذه التقارير فإن الأمريكيين طلبوا أن تأخذ مصر على عاتقها إدارة الشؤون الأمنية في غزة في الفترة الانتقالية حتى حل الأزمة. لقد رد شكري بأنه ليس هو العنوان وأن كل ما يتعلق بفلسطين موجود في أيدي المخابرات المصرية ورئيس الدولة. لقد قال لمقربيه إن الطلب يدل على أن الأمريكيين لا يفهمون الواقع في غزة. بقدر ما تعبر التقارير عن طبيعة المحادثات في واشنطن، فإنها تجعل المصريين يستنتجون أنه من الأفضل لهم الفصل بين قضية غزة التي تحتاج معالجة فورية وبين صفقة القرن التي تبدو في هذه الأثناء كحلم القرن.
اعتبارات مصر وأمريكا تعزز مكانة حماس السياسية التي تحولت إلى بؤرة للملاحقات. حتى قبل سنتين رأت مصر في حماس منظمة إرهابية تعمل ضدها مع الإخوان المسلمين وداعش، والآن مستعدة لقبولها كنظام شرعي في غزة. أيضًا إسرائيل استوعبت الاعتراف باستعداد حماس كسلطة مسؤولة، على الأقل من ناحية أمنية. وإن كانت إسرائيل في الماضي قد أجرت مع حماس مفاوضات مقتصرة فقط على شؤون تبادل الأسرى أو وقف إطلاق النار، أما الآن فهي تدير معها مفاوضات اقتصادية وسياسية حول مستقبل القطاع. حقيقة أن المفاوضات لا تجرى مباشرة لا تلغي وجودها، وليس من نافل القول التذكير في هذا السياق بأنه بعد الانتخابات للسلطة الفلسطينية في 2006 التي حققت فيها حماس فوزًا ساحقًا، اقترحت قيادة حماس التي انتخبت أن تواصل التعاون المدني مع إسرائيل، وبدون اعتراف رسمي أيضًا، لكن إسرائيل رفضت العرض بصورة تامة وقاطعة. بعد 12 سنة ربما يتم طرح الاقتراح نفسه على إسرائيل، والخطورة هي أن من شأن حماس أن تصاب بالدوار من هواء القمم الجديدة وأن تضع شروطًا جديدة. ولكن حماس حتى الآن أظهرت رغبتها في تقدم المفاوضات مع إسرائيل والتوصل إلى اتفاق بعيد المدى، 5 ـ 7 سنوات. وإنه ليس واضحًا حتى الآن إذا ما كانت متمسكة بربط المفاوضات بشأن تبادل الأسرى والمفقودين باتفاق الهدنة وإعادة الإعمار الاقتصادي. ولكن حسب مصادر فلسطينية يبدو أن يتوقع من حماس أن تتنازل في هذا الموضوع.
حماس بحاجة إلى قاعدة اقتصادية ثابتة، سواء للنشاطات اليومية الجارية أو من أجل أن تسيطر لفترة طويلة. من ناحيتها ليس هناك ما يمنع مواصلة المفاوضات تحت القصف، ويبدو أن إسرائيل أيضًا مستعدة لمواصلة وإجراء مفاوضات كهذه، وكأنه لا هجمات ضدها هناك، وأن تواصل هجماتها وكأنه لا مفاوضات هناك.
تسفي برئيل
هآرتس 10/8/2018